فاروق يوسف’الكنز هناك. في المسافة بين نخلتين. تحت الأرض بنصف متر ليس إلا. سيكون الكنز مخفيا على الايدي كلها. يدك وحدها حين تمتد إليه ستجعله مرئيا’ كانت تقول وتشق في الفضاء بنظرتها هديلا لحمامتين. علي إذاً أن أتخطى الذكرى. أن أمر مثل حارس ليلي. هناك واقعة لا تزال تخبىء رأسها تحت المخدة. أنقب في عيني الغزال بحثا عن عناصرها.
في الغابة يعود الكون إلى مستقره.
الماء والهواء والنار والتراب هم ضيوف الرحمن في حفلة شواء. قالت لي في لحظة صلح كوني:’بغداد مريضة’ لا ارغب إلا في الورقة الأخيرة من شجرة الصفصاف. سألقي بها في الماء المغلي وأتنشق بخارها. يالشقاء ذلك الملاك الذي سلمني لضحكات القرويين البلهاء. أقنعني أن أنفاس الخريف ستمتزج بغبار خطوتي. أن أبنة الجيران لا تزال تقف وراء سياج البيت الطيني حاملة رغيفا ساخنا في انتظار أن نأكله معا. أن شيخ الجامع ترك على الرازونة كتاب الأدعية ونام حالما بكلاب القرية. ‘الكنز بعيد يا أمي وأنت مريضة’ سأكذب لأكون قريبا من الوصية. السطر اليابس في قعر المحبرة. سأحمل خطوتي بعيدا عن المطر. لا مظلات في الغربة. رأيت جهنمية في بيت نادرة بمسقط فأطمأن قلبي. لا يزال هناك أمل إذن. الأحمر الناري يصنع ارجوحة، عليها أضع حقيبة المدرسة لتذهب وحدها إلى النجوم. لن تعود الحقيبة قبل المساء. انا حر في غيابي. حر في كسلي. حر في الخطأ الذي لم يرتكبه أحد سواي. لم يكن للتاريخ معنى حين هلك الابن ونجا الاب. لا عاصم اليوم إلا الله. تصنع الذنوب المعجزات أيضا. لا يود المرء أن يكون ذلك الابن، ولكن الأب سخر من المعنى كله حين استجار بالجغرافيا. لو جلس الاب على التل بدلا من الابن لكنا قد تقدمنا خطوة في اتجاه اليابسة ولكان الغراب قد تعلم الدرس بدلا من أن يُعلمه. لا يزال الطوفان ممكنا كل لحظة. ألأن الجغرافيا تجر التاريخ من قرنيه؟ ‘مثل ثور أعمى يا صديقي’ لن ينصت أحد ولن يتعلم أحد.
الشيخ الذي قادني إلى السوق في (اصيلة) كان حارسا ليليا وكان عائدا إلى بيته حين أوقفته فجرا لأسأله عن اقرب مخبز. بسعادة صار يروي لي وهو يمشي حكايات ساخنة عن خبز أمه. لقد فقدها قبل ربيعين. كنا في الربيع الثالث. حين حملتُ رغيف الخبز الكبير مغلفا بالورق رأيت ذلك الشيخ يؤميء لي بيده. التقط لي صورة، حملها معه إلى فراشه. سيروي لزوجته الحكاية ناقصة. لقد التقى عراقيا مولعا بالخبز المغربي وحدثه عن خبز امه الذي لا يزال ساخنا بعد ربيعين من وفاتها. حملت الرغيف إلى غرفتي ووضعته على السرير. كانت صورة الأم النائمة توحي برخاء متواضع يركع له جياع العالم اجلالا. يومها اغمض العالم عينيه ونام على سريري. في الربيع الثالث حضرت أم الحارس المغربي إلى غرفتي. تركتها تتلو وصيتها.
حين رأيت امل نصر وهي رسامة مصرية في مطعم الطلبة (كنا نقيم في المدرسة الفندقية) لم أرو لها ما جرى لي باعتباره حدثا خرافيا. ولاني رغبت في اخفاء الحكاية فقد صرت التقط حبات الزيتون وأضعها في فمي لأشارك زميلتي طعام الفطور. لم أكن جائعا. لقد شبعت حين رأيت رغيف الخبز على فراشي وهو يحلم بدلا من الأم التي رحلت قبل ربيعين. لو أني رأيت أمي لرويت لها تلك الحكاية. غير أن أمي كانت بعيدة. كنت أجلس على صخرة تطل على الاطلسي بعيدا عن أمي. لا الحمامة عادت ولا ظهرت اليابسة. لا يزال الاطلسي غارقا في عتمته.
بحر أسود يزينه قارب صياد عجوز. تيرنر هناك يقف على الضفة الأخرى. اما همنغواي فانه يلين مثل سوط حوذي. كان الرغيف قد تلاشى بعد يومين من تلك الحادثة التي جعلت الابن يهلك فيما نجا الاب وطفت على المياه اقفاص حيواناته. ‘غزير مطرك وقليل دمعي’بعد المقبرة بشارعين تقع المدرسة الفندقية. قلت للسائق فظن أني معلم جديد. ‘عراقي آخر’ همس بآسى. هذه المرة كشفت أصيلة عن شعبها. أقفز كما لو أن يدي ستصل. أتلمس طريقي بين الدروب الضيقة فأعثر على ضالتي: الكنز الذي تؤلفه صيحات الأطفال ولفتات النساء وعربات بيع الخضراوات والخبز والفواكه وأقدام الشيوخ التي تضرب الأرض باطمئنان ولافتات البقاليات والحمامات والمقاهي والملابس على حبال الغسيل ورائحة الباذنجان المقلي والبيض المسلوق وصالونات الحلاقة ومحلات تصليح الدراجات الهوائية المكتوبة بخط اليد المسرعة. ليست أصيلة دروب القصبة البيضاء وحدها. من حقها أن تكون أثنتين: واحدة لنا وأخرى لهم. مَن نحن ومَن هم؟ حتى السمك لن ينأى بنفسه عن تلك الثنائية المريضة. سمك للحارس الليلي ولأمه الميتة منذ ربيعين ولعبد العزيز ولي بعد أن فتحت المتاهة لي أبوابها وسمك لضيوف العمدة، ممن ترتجل أقدامهم الخفيفية أوقاتا ضيقة تلهو في دروبها الجنيات البيضاء. وهبتك أمريكا عالما افتراضيا، أنت في أشد الحماسة له. تحتاجه من أجل نسيان الحقيقة المريضة. ‘هل تريد أن تقوم بجولة بين قاعات المتحف العراقي من غير أن تغادر بلدتك الثلجية؟’ هل تقع الناصرية على الفرات حقا؟ ألا يزال أصبعك عاطفيا إلى درجة البكاء؟ ما عليك سوى الذهاب إلى (ياهو). سترى اوتونبشتم هو يشيد سفينته فيما تحيط به المخلوقات، من كل صنف ذكر وانثى. لا تبحث عما لا يُسرك. شقي من رأى. ‘ولكن بغداد مريضة’ مَن قال ذلك؟ علينا ان نفهم ان الديمقراطية ليست سوطا. الملل والنحل لكم ولنا النفط ومشتقاته. لنا الجغرافيا ولكم التاريخ. اوتونبشتم، جدكم الأعلى طوى صفحات التاريخ بقارب من ورق الجغرافيا ونأى بنفسه عن الحقيقة. يصله صوت أبنه ‘يا أبتي’ فيعود الصدى حاملا شهقة ميلاد جديد ‘يا بني’. في المسافة ما بين المدرسة الفندقية والمخبز تزهر الحدائق الاصطناعية وأحزاب الصحوة وأسيجة الصبار والطائرات الورقية اليابانية والفنادق العائمة وشبكات الهاتف النقال ومسلسلات الغرام التركي وموائد القمار وكوابيس العار ومجالس العشائر وفنون ما بعد الحداثة والمرثيات العشر وقناديل علاء الدين وجنائن بابل ومحميات الخيول العربية ومحترفات الرسم بالحناء والبخور والافئدة. ‘لن يكون الكنز بعيدا عن يدك’لقد امتزجت العناصر، بعضها بالبعض الآخر. فمَن يحرر الهواء من النار ويصفي الماء من التراب ويعيد الكون إلى سابق سيرته؟ محض خيال. أبحث عن الكنز فتضيع يدي وتستخرج القبائل عثراتها من بئر زمزم. طعام مسموم على الطرق الخارجية. الارائك مليئة بالمسامير. يعيد القراصنة السفن مثقوبة. لا يحق لنا أن نرى إلا ما يظهر على الشاشة. في المستطيل الأبيض يرقد الاحبة. إن عبرت قبرا فلا تستعجل العودة إليه. وإن لم يلمسك عطر زهرة فلن يحدث ذلك إلا بسبب عطل تقني. ضع ياسمين الشام في صيدلية البيت واحتفظ بأثر جارح على يدك من رازقي بغداد. المدن تمرض مثل البشر. الحدائق تمرض. الانهار تمرض. حتى الموتى يمرضون. ولكن رغيف الخبز لا يمرض. التهمته في يومين وظل ساخنا هناك يحلم بعيني المرأة الميتة. لقد اهتديت يا أمي إلى الكنز.