لندن – القدس العربي: «رغم التوصل لاتفاق بين برشلونة وليونيل ميسي من أجل تجديد العقد اليوم، إلا أن النادي لن يتمكن من إضفاء الطابع الرسمي إلى الأمر، بسبب المشاكل الاقتصادية فيما يخص لوائح رابطة الدوري الإسباني، وفي ضوء ذلك، لن يستمر ميسي لاعبا في برشلونة خلال الموسم الجديد، ويأسف الطرفان بشدة لأنه في النهاية لا يمكن تحقيق رغبات كل من اللاعب والنادي، يود النادي أن يشكر ميسي على مساهمته في تدعيم ميسرة الفريق، ويتمنى له كل التوفيق في حياته الشخصية والمهنية خلال الفترة المقبلة»، بهذا البيان الصادم، خلع برشلونة قلوب عشاقه بوجه عام، ودغدغ كذلك مشاعر شعب البرغوث على وجه الخصوص، بإعلان خبر رحيل أفضل من دافع عن الكيان في كل العصور.
ماذا حدث؟
أقل ما يمكن قوله، إنه عكس المتوقع صباح الخميس الماضي، جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن البلو غرانا وأنصاره، بتسريبات صحافية خطيرة، تُفيد بوجود أزمة أو إشكالية في مفاوضات تأمين مستقبل ليو في «كامب نو» إلى ما بعد 2021، وكان أغلب الظن، أو بالأحرى أكثر المتشائمين ينتظر حدوث انفراجة في غضون 4 أو 5 أيام على أقصى تقدير، لكن سرعان ما انهار موقع برشلونة الرسمي من ضغط زيارات الملايين في كل أرجاء المعمورة للتأكد من صحة القنبلة الإعلامية، التي أحدثت ضجة على نطاق واسع، وانتشرت في العالم الافتراضي كالنار في الهشيم في غضون دقائق، كأفضل هدية للصحف والمؤسسات الإعلامية الكروية، لإنعاش الزيارات ومستوى التفاعل إلى ما كان عليه قبل فترة ركود أخبار الساحرة المستديرة وتركيز العالم على دورة الألعاب الأولمبية، وبدأت البروباجندا بعاصفة من الشائعات والتقارير المحدثة على رأس الساعة، عن الأسباب التي أدت في النهاية إلى اتخاذ قرار الانفصال من كلا الطرفين.
أسباب الرحيل
نقلت صحيفة «آس» عن مصادر صحافية، أن ليو كانت لديه عدة مطالب مقابل وضع القلم على عقد ارتباطه بالنادي لمدة 5 سنوات قادمة، والمثير للدهشة، أن الإدارة وافقت فعليا على شروطه، ولكنها فشلت في تحقيق عدد منها بسبب ضيق الوقت والمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها الفريق، مثل معظم الأندية الأوروبية، بعد انتشار جائحة كورونا في مختلف دول العالم، منها على سبيل المثال، الفشل في بناء فريق بإمكانه المنافسة بقوة وشراسة على كأس دوري أبطال أوروبا الغائبة عن خزينة النادي منذ العام 2015، في إشارة واضحة إلى أنه لم يقتنع بضم سيرخيو أغويرو، إريك غارسيا وممفيس ديباي، أما السبب الأكثر تعقيدا، فيكمن في قيود رابطة الليغا بشأن قواعد اللعب المالي النظيف، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه النادي مع جُل اللاعبين في مسألة تخفيض الأجور السنوية للإبقاء على الهداف التاريخي للنادي، فضلا عن اتساع الفجوة بين العائدات والمصروفات الخاصة بالفريق، لا سيما بعد وصول حجم الخسائر إلى أرقام غير مسبوقة بسبب جائحة كورونا، ما أجبر الإدارة على التحرك من أجل استعادة التوازن وتحسين الأوضاع، وكان عقد ميسي يمثل ضغطا كبيرا على الإدارة وسط سعيها للالتزام باللعب المالي النظيف وتمديد عقد أهم لاعبيها على حد سواء.
في نفس السياق، زعمت مصادر صحافية أخرى، أن مواطنه كريستان روميرو، تسبب أيضا بشكل أو بآخر في رحيله، من باب أن ليو طلب من الإدارة التوقيع معه، لكنه تفاجأ بموقف الرئيس خوان لابورتا ومجلسه المعاون، بعدم الدخول في مفاوضات جادة مع نظرائهم في نادي أتالانتا الإيطالي، من أجل التوصل إلى اتفاق يضمن انتقاله إلى برشلونة، وذلك بعد تألقه مع منتخب التانغو في حملة الفوز بلقب كوبا أمريكا على حساب الغريم البرازيلي في قلب «ماراكانا»، فيما تضاربت بعض الأقاويل والشائعات، عن اعتراضه على فكرة تخفيض راتبه بنسبة 50%، وأخرى زعمت أنه اختلف مع المسؤولين حول الرقم المحدد لتفعيل الشرط الجزائي في عقده، لكن في الأخير، حدث آخر وأسوأ سيناريو كان ينتظره عشاق النادي، وجاء يوم وداع الرمز والأسطورة، الذي ستتفاخر به الأجيال القادمة التي ستسمع عنه وتشاهد إرثه عبر «يوتيوب» في العقود وربما القرون القادمة، إلى أن تلد الأمهات موهبة تحاكي قصة حب البرغوث وبرشلونة، أو على الأقل يعادل أرقامه الخرافية التي سطرها في كتب التاريخ بتسجيل 672 هدفا وصناعة 305 هدفا من مشاركته في 778 مباراة في مختلف المسابقات، خرج منهم بـ35 بطولة جماعية، بخلاف جوائزه الفردية المرموقة أشهرهم أفضل لاعب في العالم 6 مرات.
الوجهة المحتملة
حتى وقت كتابة هذه الكلمات، فأغلب التقارير ترجح كفة باريس سان جيرمان على باقي المنافسين، بما فيهم مانشستر سيتي، الذي أنفق فعليا 100 مليون جنيه إسترليني لشراء عقد غريليش في نفس الساعة التي أعلن فيها برشلونة خبر رحيل الأسطورة، وهذا إن دل على شيء، فحتما على عدم وجود أي اتصال أو ربط بين ميسي الأب وبين الإدارة الإماراتية المستحوذة على مانشستر سيتي، عكس مثلا الصورة الجماعية التي أثارت جدلا على نطاق واسع، التي ظهر خلالها ميسي بجانب صديقه الصدوق نيمار جونيور وزميله في المنتخب أنخيل دي ماريا ومتوسط ميدان باريس سان جيرمان ماركو فيراتي، تلك اللقطة التي اعتبرها الإعلام الكاتالوني مجرد «صورة أصدقاء»، كونها انتشرت في وقت الحديث، بل انتظار بيان تجديد ميسي بشكل رسمي، لكن بعد 48 ساعة، أو بالأحرى بعد إعلان البيان الصادم، وصفتها صحيفة «ماركا»، بأحدث طرق الدعاية للصفقات الجديدة بالنسبة لباريس سان جيرمان.
وبإلقاء نظرة واقعية على وجهة ميسي المحتملة والأكثر واقعية، فهي بالطبع التوجه إلى أضواء عاصمة الحب، أولا سيحظى بمعاملة الملوك في «حديقة الأمراء»، ولن يدخل في صراعات مع إدارة غارقة في ديون وأزمات مالية طاحنة، ثانيا سيجدد شبابه بلم شمله برفيقه البرازيلي نيمار، وقبل هذا وذاك، سيكون القطعة النفيسة التي يبحث عنها ناصر الخليفي، لكتابة الفصل الأخير من مشروع الهيمنة على دوري أبطال أوروبا في العقد الجديد، بعد العمل الرائع الذي قام به المدير الرياضي ليوناردو الشهر الماضي، بضم الثلاثي جورجينيو فينالدوم، جيجي دوناروما وسيرخيو راموس بموجب قانون بوسمان، بالإضافة إلى أسد أطلس أشرف حكيمي مقابل 60 مليون يورو ذهبت لخزينة إنتر الإيطالي.
وما يعزز الفكرة، أن الفريق الباريسي أوشك على رفع الراية البيضاء في معركته التفاوضية مع كيليان مبابي، بعد تعثر كل محاولات إقناعه بتجديد عقده إلى ما بعد 2022، ما يعني أن وصول ليو سيمهد الطريق إلى ما يروج له الإعلام المدريدي منذ فترة، وهو تعاقد الميرينغي مع مبابي هذا الصيف بسعر غير مبالغ فيه، قبل أن يحق له الرحيل بدون مقابل الصيف المقبل، وهذا أمر مرفوض بالنسبة للخليفي ومجلسه المعاون، ليس فقط لتجنب أي خسائر جديدة بعد صفعة كورونا، بل أيضا اعتراضا على فكرة خسارة استثمار كلف الخزينة 150 مليون يورو عام 2017، مقابل صفر يورو عند انتصاف العام الجديد، أما غير ذلك، فربما يتوجه إلى جنة كرة القدم، ليستجيب لغريمه التقليدي كريستيانو رونالدو بتجديد الصراع بينهما في الدوري الإيطالي، وفي ظل معاناة إنتر وغرقه في مشاكله المادية، سيجد صعوبة بالغة في توفير راتب النجم الأرجنتيني السنوي، إلا إذا حدثت انفراجة وتجدد اهتمام إنتر ومنافسه ميلان بليو، أو الخيار البديل لباريس سان جيرمان، وهو تجديد الشراكة مع بيب غوارديولا في المان سيتي أو اللعب لأحد عمالقة البريميرليغ القادرين على تحمل راتبه الباهظ، هذا في حال أراد المواصلة في أعلى مستوى تنافسي في أوروبا، أما إذا أراد البحث عن استراحة المحارب، فطريقه معروف في الولايات المتحدة الأمريكية.