كثيرة هي الأسئلة التي لم نلقَ لها إجابات لدى الحقوقي والأكاديمي الدكتور بول مرقص، ليس لأنه لا يفقه في كثير من العناوين التي طُرحت عليه، بل لأنه اعتبرها أسئلة ملؤها السياسة لا القانون. فقد أراد رئيس منظمة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان أن يبقي كلامه في الإطار القانوني لا السياسي، مخصصاً الجزء الأكبر من الحوار للجريمة الكبرى المتمثلة بتفجير مرفأ بيروت التي مرّت ذكراها الأولى في الرابع من آب/أغسطس ثقيلة الوقع على اللبنانيين الذين نزلوا إلى ساحة الجريمة بأعداد كبيرة في رسائل عدة متعددة الاتجاهات والمرامي.
جاء التصعيد العسكري في جنوب لبنان، فكان لا بدَّ من استلحاق من باب قانوني عن المخاوف من الإطاحة بالقرار الدولي 1701 الذي صدر في أعقاب حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل و»حزب الله» فقال مرقص أنه لا يخشى الإطاحة بالقرار 1701 لكنه يخشى تدميراً إسرائيلياً لما تبقى من مقوّمات الحياة في لبنان الذي يدفع وحده ثمن نزاعات الآخرين في المنطقة، وكأنه أصبح أرضاً محروقة للحروب ونقل الرسائل بالوكالة!
يُبدي كثيراً من الاقتناع بأن الظروف المحيطة بالتحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ مختلفة هذه المرة عما سبقها في جرائم كبرى لم تصل إلى نهائيات، وبالتالي ستكون النتائج مختلفة أيضاً. ويعتبر أن ملف المرفأ سيأتي بالحقيقة وبباكورة استقلال القضاء وإلا فسيؤسّس لانتفاضة شعبية جديدة.
ورغم وجود محاولات لأخذ التحقيق إلى ملعب سياسي يتمثل بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بدل رفع الحصانات والمثول أمام قاضي التحقيق، فإنه يؤكد أن التحقيق البرلماني، لو حصل، لا يحجب صلاحية القضاء الجزائي الذي ينظر في الجرائم الجزائية، فيما المجلس الأعلى ينظر بمدى إخلال الوزراء المعنيين بواجباتهم الحكومية.
يرى أن «الحياد» الذي يدعو إليه البطريرك الماروني بشارة الراعي يحتاج إلى آلية هي صعبة التحقيق وطويلة الأمد لجهة توفير التعديلات الدستورية والتوافقات الإقليمية، لذا يقترح مرحلة انتقالية قوامها الحياد الذاتي بالتوازي مع مؤتمر دولي داعم، غير أنه يرى أن «هذا الحل الممكن، يبقى أشبه بالعلاج المسكّن ولا يرقى إلى الجراحة المطلوبة». وهنا نص الحوار:
○ تجلّت الذكرى الأولى لتفجير 4 آب/أغسطس، بحضور شعبي كبير، ومؤتمر دولي، ماذا عن الموقف السياسي؟
• الموقف السياسي اللبناني، أقلّه على المستوى الرسمي، يُعتبر موقفاً خجولاً، ويعكس حالة الإرباك عند السلطة السياسية وضلوعها، إن لم يكن مباشرة في الجرم، فعلى الأقل في التقصير، وسوء الإدارة والإهمال في الواجبات الحكومية والإدارية والأمنية التي أدت إلى هذا الانفجار، بدليل عدم المشاركة الرسمية في احتفالات الذكرى السنوية الأولى.
أما الموقف الدولي فيُعبّر عن الدعم المالي الإنساني، ولكنه لا يُعبّر عن الرغبة في احتضان التحقيق ونقله إلى المستوى الدولي كي يصبح تحقيقاً دولياً، وهذه من المؤشرات التي كانت موجودة وربما لا تزال، والدالة على أن ليس من رغبة على الأقل لغاية الساعة لدى الدول المعنية بالقرار الدولي في أن تأخذ التحقيق إلى المسرح الدولي.
○ لِمَ لَم نر حماسة دولية للتحقيق الدولي برأيك، على غرار ما شهدناه بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
• الرغبة الدولية في احتضان التحقيق ونقله إلى المستوى الدولي غائبة لغاية الساعة. كنت من أوائل الداعين إلى نقل التحقيق إلى القضاء الدولي، لأن الجرائم التي تُحال إلى المجلس العدلي غالباً لا تُسفر ولا تُفضي إلى شيء، وتكون خالية من استنابات قضائية منفّذة مع بضع أوراق فقط في الملفات، لكن التحقيق الدولي لديه أيضاً، أو فيه مساوئ، ومن الممكن أن نحرف بوصلته السياسية، فتجربة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان خير مثال على ذلك، وما أفضت إليه شكّل فشلاً ذريعاً.
○ ثمَّة سؤال مركزي: هل يمكن للقضاء التقدّم وحيداً في ظل ما يشبه تفكّك الدولة وعدم تشكيل سلطتها التنفيذية؟
• هناك عناصر تُظهر أن التفجير ليس كسواه، فالقضاء يمكن له أن يقوم ببعض الخطوات. نعم هناك إمكانية، لا أؤكدها، ولكن هناك إمكانية أن تُسفر هذه القضية عن بعض المعطيات التي يمكن الاستعانة بها على يد القضاء اللبناني.
○ هل تعتقد أن بالإمكان عزل المسار القضائي عن التوظيف في منازلات سياسية وطائفية؟
• نعم ممكن، وإن كانوا يحاولون أخذ الموضوع إلى ملعب سياسي هو المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الذي هو مجلس هجين مؤلّف من نواب وقضاة معاً، مما يضرب مبدأ فصل السلطتين التشريعية والقضائية، ويتطلّب موافقة ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب للإحالة، وعشرة على الأقل من خمسة عشر من أعضاء هذا المجلس للإدانة، مما يعني أنه جهاز يغلبُ عليه الطابع السياسي أكثر مما هو محكمة، ولو كان يتوخى الأصول القضائية، والملفت أنه يجب أن يحكمَ خلال مهلة شهر من استلامه الملف قابلة للتجديد مرة واحدة فقط من المجلس النيابي، فكيف له ذلك إزاء هذه الجريمة المروّعة، ذات الحجم الكبير؟ هذا ينمُّ عن عدم أهلية هذا المجلس.
○ ولكن هناك جدلا دستوريا حول طلب المحقق العدلي رفع الحصانات وأذونات الملاحقة، وسيقت التبريرات في الاتجاهين المتقابلين بين ضرورة الاستجابة لطلب المحقق العدلي برفع الحصانة، وحصر المثول أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، وهذا سيؤثر على التحقيق؟
• صلاحية المجلس النيابي بالتحقيق البرلماني وتوجيه الاتهام والإحالة إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لا تحجب صلاحية القضاء الجزائي العادي بحسب اجتهادات بمحكمة التمييز في لبنان عام 2000، حيث تبقى للمحقق العدلي صلاحية متابعة إجراءاته، ولو وضع المجلس النيابي يده على القضية، فالقضاء الجزائي، الممثل بالمجلس العدلي والمحقق العدلي، ينظر في الجرائم الجزائية، وهي هنا جريمة تفجير المرفأ، بينما ينظر المجلس الأعلى بمدى إخلال الوزراء المعنيين بواجباتهم الحكومية. وضع المجلس النيابي يده على الملف لا يُعطّل صلاحية المحقق العدلي، بل تبقى قائمة حتى ولو سار مجلس النواب بلجنة تحقيق.
الحصانات هي استثناء للقاعدة الدستورية العامة التي تنصُّ في المادة 7 على أنّ كل اللبنانيين سواسية أمام القانون. إذاً هي نوع من الحماية القانونية التي يَكفلها القانون والدستور لفئة معيّنة تعمل في الشأن العام، وذلك لحمايتها من الضغوط والترهيب والاضطهاد بسبب أقوالها أو أفعالها التي تصدر عنها أثناء قيامها بمهامها. وهذا يؤكد أن الحصانات لا ينبغي أن تكون درعاً سياسية يحتمي وراءها صاحبها، ويتم استغلالها للتهرّب من العدالة ومواجهة المسؤوليات.
الحصانة النيابية كفلها الدستور اللبناني في المادتين 39 و40 منه حصانة للنائب من أي دعوى جزائية قد تقام ضدّه «بسبب الآراء والأفكار» التي يُبديها خلال نيابته. وباستثناء حالة الجرم المشهود، لا يجوز أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية بحق أي نائب عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرماً جزائياً إلاّ «بإذن من المجلس النيابي»، وهذا ما كان يُعتمد في فرنسا قبل التعديل الدستوري لعام 1996 الذي أزال حصانة النوّاب في ما يخص الملاحقة.
رفع الحصانة النيابية عن أحد نوّاب البرلمان، في الأحوال العادية، يتطلب مناقشات طويلة وبحثاً داخل مجلس النواب للتوصل إلى قرار إما برفع الحصانة أو برفض القرار بهذا الشأن. إلا أنني لا أرى وجوب حصول ذلك في جرائم كبيرة كمجزرة المرفأ طالما هو واضح ان الاستدعاءات ليست من قبيل الضغط على بعض النواب بسبب عملهم النيابي، وهذا هو السبب من وراء الحصانة، بل بسبب مسؤولياتهم الوزارية السابقة. وهذا يدعونا لإعادة النظر بالحصانات على نحو تسقط فيه حكماً تجاه جرائم مماثلة.
○ ثمَّة مَن هو مع ومَن هو ضد اقتراح كتلة نواب المستقبل برئاسة سعد الحريري بتعليق المواد الدستورية المتعلقة برفع الحصانات تفادياً لتعدد الهيئات القضائية المنوطة بالنظر في قضية واحدة… هل يتّسم هذا الخيار بالواقعية، وهل له ما يُبرره؟
• الفكرة من وراء اقتراح كتلة نواب المستقبل بتعليق الحصانات تُعتبر حميدة في المبدأ العام، لكن هناك عقبات دستورية وقانونية عدة تحول دون التنفيذ، لذلك لدي خشية من أن يبقى الاقتراح حبراً على ورق، لأن الأمر يحتاجُ إلى تعديل دستوري وموافقة ثلثي مجلس النواب وحكومة فاعلة تُعدُّ مشروعاً، وهذا متعذر في ظل حكومة تصريف الأعمال، إلى جانب أن مجلس النواب لا يقرّ تعديل الدستور إلا بعقد عادي في تشرين. إن هذه التعديلات الدستورية تستغرق وقتاً طويلاً ولحين القيام بها يكون القرار قد صدر عن المحقق العدلي.
○ أي خيارات تبقى أمام المحقق العدلي الجديد القاضي طارق بيطار الذي يبدو أن خطوطاً حمر قد رُسمت أمام القضية التي تنحّى عنها المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوان؟
• ليس من خيار أمام المحقق العدلي الجديد القاضي طارق البيطار سوى المضي في تحقيقاته وعدم وقفها بسبب عدم تعاون السلطة السياسية ورفع الحصانة، وربما يُصدر قراره الاتهامي ويُحيل المطلوب رفع الحصانة عنهم أيضاً إلى المحاكمة ولو لم يستطع استجوابهم كمدّعى عليهم، فيكون بذلك قد أنقذ التحقيق من الغَـرَقِ والتعطيل عبر الحصانات، لكن ذلك من شأنه أن يُصيب ملفه الاتهامي ببعض الوهن نتيجة عدم قدرته على الاستماع إلى هؤلاء بصفتهم متهمين، ومردّ ذلك إلى عدم رفع الحصانة عنهم، على الأقل لغاية الساعة.
○ ترتفع بعض الأصوات المشككة في جدوى وضع ملف الانفجار الهيروشيمي في عهدة المجلس العدلي، كمحكمة استثنائية، وهو الذي عجز عن الوصول إلى الحقيقة في عشرات الملفات (اغتيالات وتفجيرات)…
• صحيح أن المجلس العدلي يُسمّى «مقبرة الأحكام»، لكن مرد ذلك ليس إلى هيئته الحاكمة إنما للتحقيقات العدلية فيه. فهذه التحقيقات هي التي غالباً لا تُسفر ولا تُفضي إلى نتيجة، بينما هيئة المحكمة أثبتت في معظم الملفات التي وصلت إليها، على مدى عشرات الأعوام، أنها كانت تُصدر قراراتها في معظم هذه الملفات. المشكلة هي في التحقيقات العدلية التي تسبق مرحلة المحاكمة، فمن أصل 250 قضية أحيلت منذ العام 1924 لغاية اليوم، لم يُحكم إلا بالقليل منها مما أحيل إلى المجلس العدلي بسبب قصور التحقيقات العدلية وخلوها من الاستنابات القضائية أو لاحتواء الملف على بضع أوراق فقط، والاستنابات القضائية لا تكون منفذة في عدد من الملفات، أذكر منها مثلاً قضية اغتيال الرئيس الشهيد رينيه معوّض ومحاولة اغتيال الوزير السابق مروان حماده.
○ أنت من المؤمنين أن مآلات جريمة المرفأ مختلفة عن الجرائم الأخرى التي أُحيلت إلى المجلس العدلي… كيف ولماذا؟
• برأيي أن المشهد القضائي مختلف هذه المرة لعدة أسباب، أولها أن الجريمة لم تقتصر على فرد أو جهة، إنما هي مجزرة أطاحت بقسم أساسي من العاصمة، بشراً وحجراً ومرفأً ووسطاً تجارياً وقطاعات اقتصادية أُشبعت تدميراً لا تزال معالمه بارزة وستبقى لسنين. وثانيها، أن ملف التحقيق ليس ملفاً خاوياً على غرار ما شهدنا في جرائم سابقة. وثالثاً، ثمة حالة تأهب لدى الرأي العام، حيث لا يكاد لا يمرّ يوم من دون أن نشهد تحرّكاً لأهالي ضحايا المرفأ. والناس مُهيّأة موضوعياً للانتفاض على أي تقاعس أو تعطيل لمسار العدالة في هذا الملف بسبب تقاطع الظروف الاقتصادية والمعيشية مع تحقيقات المرفأ. يمكن القول إن الناس بالمرصاد وكذلك الإعلام، إذ لا يخلو برنامج أو نشرة أخبار من الحديث عن التحقيقات في الجريمة، ولم تكن لتحصل في اغتيالات وتفجيرات أخرى، باستثناء جريمة اغتيال رفيق الحريري.
وفي المرصاد أيضا، هناك الرأي العام الدولي، لأن المواد المتروكة في العنبر رقم 12 مواد خطرة، وإن لم تكن مواد محظورة دولياً. تصنيف المخاطر هذا كافٍ بحدّ ذاته لإبقاء الأنظار الدولية شاخصة لمعرفة مآل التحقيق، خصوصاً مع الاشتباه باستعمالات حربية لهذه المواد جرت قبل تفجيرها.
ومع ما سبق، هناك قاض في المرصاد هو المحقق العدلي الذي يتّصف بصفات مبدئية حميدة: شاب، جريء لمجرّد قبوله بتسلّم هذا الملف، ونشيط… فبمجرّد تلقّفه مضمون الملف قام بأكثر من إجراء ملفت خلال أشهر قليلة من تسلّمه الملف، كمراسلة السلطات الأجنبية وإخلاءات السبيل وطلب رفع الحصانات وأذونات الملاحقة، وهو متمرّس في الجزاء، وغير محسوب أو أقلّه غير فاقع اللون سياسياً.
من هنا، يمكنني القول إن الظروف المحيطة بالتحقيقات العدلية في جريمة المرفأ مختلفة هذه المرة، والدوافع حيّة، ولذلك أرى نتيجةً مختلفة عمّا سبقها من جرائم كبرى في البلاد. وأزعم أن ملف المرفأ سيأتي بالحقيقة وبباكورة استقلال القضاء وإلا فسيؤسّس لانتفاضة شعبية جديدة!
○ برأيك، هل أن جريمة بمثل تلك التعقيدات قابلة لأن تنكشف حقيقتها ويتم تحقيق العدالة فيها؟
• بكلمة واحدة: نعم.
○ هل برأيك أن الدعوة التي يكررها البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى حياد لبنان وعقد مؤتمر دولي لهذه الغاية يمكن أن تحقق نتائج ملموسة؟
• لا شك أن دعوة البطريرك الماروني لـ»الحياد» ولـ»مؤتمر دولي» هي خطوة حميدة، لكنّ دعوته هذه، بالرغم من تزخيمها، لا تكفي بالطبع من دون تجسيدها في النصوص ووضعها موضع التنفيذ. وسبق أن كانت هناك مبادرات نحو الحياد لمفكّرين لبنانيين أمثال فؤاد الترك وغسان تويني، كما شهدنا إعلان بعبدا عام 2012 واقتراح قانون حزب الكتائب عام 2013.
في الواقع، يتمُّ الخلط في لبنان بين مفاهيم مختلفة يجب التفريق بينها، حيث إنّ لكلّ منها شروطه، وهي: «الحياد» (يصدر غالباً بموجب إعلان عن دولة ترغب في عدم الدخول في صراعات دولية)، «التحييد» (يمكن أن يصدر عن الدول لصالح دولة معيّنة لإبقائها بمنأى عن الصراعات)، «التدويل» (يأتي غالباً بموجب قرارات دولية لـ»حماية» دولة معينة كما بالنسبة للقرارات 1559 و1701 و1680 و1757 وما سبقها من قرارات)، «المؤتمر الدولي» (من شأنه تقديم دعم دولي لمساعدة دولة معيّنة على النهوض)، و»الوصاية الدولية» (خِلافاً للشائع على منصّات التواصل الاجتماعي في لبنان، لا تتناول الوصاية الدولية في المبدأ دولة ذات سيادة وعضواً في الأمم المتّحدة كلبنان. وهذه الوصاية بدأت بالتراجع منذ انهيار عصبة الأمم وتنظيم الأمم المتّحدة لها بموجب الفصلين 12 و13 من ميثاقها لعام 1945 حتّى اضمحلّت مظاهر الوصاية بعد استقلال جزيرة «بالاو» عام 1994… ولم تعد الدول الكبرى ترغب في تحمّل أعباء الدول الصغرى أو الفاشلة).
○ تحقيق توافق سياسي داخلي على فكرة الحياد هو أمر أشبه بالمستحيل عملياً…
• الحياد يتطلّب أولاً تعبيراً إرادياً عن رغبة الدولة وتجسيداً له بوضوح بموجب نصّ قانوني وممارسته، كما حصل مع النمسا وهي من أولى دول الحياد. في حالة لبنان، ثمّة نصّ دستوري واحد على الأقل يجب التفكير في تعديله وهو مقدّمة الدستور، التي تنصّ في الفقرة «ب» منها على أنّ لبنان عضو مؤسّس وعامل في جامعة الدول العربية والأمم المتّحدة وملتزم مواثيقهما، حيث يعتبر أنه من المتعذّر أن يكون لبنان محايداً تماماً وهو في هذه الوضعية، خصوصاً وأنّه انضمّ إلى اتفاقيات هذه المنظمة الإقليمية مثال معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي (1950).
ربّما لا يكون من الضروري خروج لبنان تماماً من هذه الوضعيات، لأنّ حياده المنشود هو حياد إيجابي كما طرحه البطريرك، أي عدم ترك الحقوق والقضايا المحقّة، ولأنّ الأعمال الإعدادية لميثاق الجامعة ووثائق اجتماعاتها منذ إنشائها تنصّ على أنّ لبنان «دولة مُساندة وليس دولة مواجهة». في مطلق الأحوال، لتعديل الدستور يجب التوافق، وإلا فموافقة أكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة (حسب المادة 65 من الدستور) وثلثي مجموع أعضاء مجلس النواب (المادة 77 منه) وهذا أمر يبدو متعذّراً راهناً.
وبالتوازي مع الإجراءات الداخلية الصعبة هذه مع حكومة مستقيلة، يقتضي توفير مظلّة إقليمية لدول الجوار كي لا تُعيق إعلان الحياد، ثمّ الذهاب به إلى الجمعية العامة للأمم المتّحدة – وليس مجلس الأمن كما ذكر البطريرك في إحدى عظاته – وذلك على غِرار ما فعلت تركمانستان (2017) التي حظيت بإجماع 185 دولة عضو في الجمعية العامة على حيادها من دون حاجة لتصويت، وكذلك رئيس منغوليا في 29 أيلول/سبتمبر 2015 حينما قدّم تصريحاً بحياد دولته إلى الجمعية العامة.
الأمم المتّحدة في ذلك إذاً تتعاطى مع لبنان الدولة صاحبة السيادة، وليس مع مكوّنات شعبية أو مرجعيات وطنية أو دينية في البلاد إلا على سبيل تمهيدي لبلورة التعبير الوطني السيادي للدولة السائرة إلى الحياد.
○ ما المتاح تحقيقه برأيك؟
• قد تكون آلية «الحياد» صعبة التحقيق وطويلة الأمد لجهة توفير التعديلات الدستورية والتوافقات الإقليمية، فيمكن للبنانيين، في حال تعذّرت هذه الآلية، الذهاب في المرحلة الانتقالية، لو صفت النيّات، إلى الحياد الذاتي كمجرّد تعبير سياسي وبمثابة خطوة أولى، بموجب قانون عادي أو أقلّه بيان وزاري يكون شرط نجاحه الالتزام به، لا خرقه قبل أن يجفّ حبره، بالتوازي مع مؤتمر دولي داعم كما يطرحه البطريرك. وهذا الأمر الأخير ربّما يكون الحلّ الأكثر ترجيحاً والذي لا بدّ أن تتلقّفه الأمم المتّحدة بالتعاون مع دول عظمى صديقة، بالنظر إلى الزخم الوطني والشعبي المرافق لدعوة البطريرك، والنفع المحض الذي يعود به على الجميع لجبه المخاطر البنيوية المحدقة بالبلاد، وهو لا يتطلّب تعديلات دستورية أو تغييرات بنيوية أساسية أو توافقات عارمة. لكنّ هذا الحل الممكن، يبقى أشبه بالعلاج المُسكّن ولا يرقى إلى الجراحة المطلوبة.