من أجل الخروج من المأزق: لا بد من حل السلطة الفلسطينية (1 من 2):
القيادة بعد أوسلو انشغلت بإنشاء وكالات أمنية للكبت والقمع و الخوات بدلا من رفع المعاناة عن الشعبإسرائيل تعزز مكاسبها الاستراتيجية.. وحلم الدولة يغيب ومجيء حماس رفض شعبي فلسطيني للفساد ومظاهرهمن أجل الخروج من المأزق: لا بد من حل السلطة الفلسطينية (1 من 2):د. فـايـز رشـيد العدوان الإسرائيلي علي سجن أريحا واختطاف سعدات ورفاقه، المعتقلين فيه منذ بضع سنوات باتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وبإشراف أمريكي ـ بريطاني دائم علي اعتقالهم، هو محاولة إسرائيلية لإذلال الشعب الفلسطيني، كما أن حرص القوات الإسرائيلية، التي اقتحمت السجن، علي إجبار قسم من الشرطة وأفراد الأمن الفلسطيني علي خلع ملابسهم، هو إمعان في محاولة الإذلال هذه. ما اقترفته اسرائيل هو قرصنة وجريمة حرب وفقاً للقوانين الدولية. اختطاف سعدات ورفاقه، أعاد إلي الأذهان حصار الرئيس الراحل عرفات في المقاطعة، ومنعه من الخروج منها ثلاث سنوات، وذلك بالرغم من رمزيته. كما أعاد إلي الذاكرة اتفاق بيت لحم بين السلطة وإسرائيل، وبموجبه تم إبعاد ثلاثة عشر مناضلاً فلسطينياً إلي الدول الأوروبية. وقد وعد الرئيس عرفات في حينه بإعادتهم بعد مضي سنة. ورغم مرور أربع سنوات، فإنهم ما زالوا مبعدين، ولا أمل بعودتهم، وتم اعتبار قضيتهم طيّ النسيان! وأعاد إلي الأذهان اعتقال أعضاء من المجلس التشريعي الفلسطيني دون أي اعتبار لحصانتهم.ما جري في سجن أريحا، يأتي في سياق العدوان الصهيوني المتواصل علي الشعب الفلسطيني منذ ما قبل اتفاق أوسلو، وما بعد توقيعه في عام 1993، وبعد توقيع ملحقاته المختلفة في واشنطن والقاهرة وشرم الشيخ، وبعد التفاهمات الكثيرة، التي أُطلقت عليها أسماء مختلفة، وبعد اجتماع العقبة بحضور كل من أبو مازن وشارون، وبعد كل الاتصالات الأمنية واللوجستية الأخري بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، خلال وبعد المباحثات التي أجريت بين الطرفين تحت إشراف غربي، سواء تمثل في الولايات المتحدة، وآخرها مباحثات كامب ديفيد بين باراك وعرفات، بإشراف كلينتون عشية انتهاء ولايته الثانية، أو تلك برعاية اللجنة الرباعية، أو التي تمت بين الجانبين دون رعاية أحد.ولكن، منذ عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين الذي وقع الاتفاقيات، مروراً بالمراحل التي تولي فيها منصب رئيس الحكومة في إسرائيل، كل من نتنياهو، وباراك، وبيريز، وصولاً إلي شارون، ومن بعد مرضه تسلّم بالوكالة إيهود أولمرت المرشح مع حزبه كاديما لنيل الأغلبية في الانتخابات السابعة عشرة للكنيست، والتي ستجري في الثامن والعشرين من آذار (مارس) الحالي، وكذلك إمكانية تشكيله للحكومة… كان يلاحظ أن اتجاهاً متصاعداً في العدوان الاسرائيلي علي الفلسطينيين ظل يمارَس بالرغم من توقيع أوسلو، بل كانت تزداد وتائره بعد كل اتفاقية أو تفاهم يجري توقيعهما، وكذلك هو الحال بالنسبة للمرحلة الحالية. مجمل القول: إن الاغتيالات والاعتقالات وهدم البيوت، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وبناء جدار العزل العنصري، والحصارات المختلفة للمدن والقري الفلسطينية، وتقطيع أوصالها لتصبح كانتونات منعزلة، وإقامة الحواجز فيما بينها، وكذلك ممارسة المذابح الحقيقية، واستعمال طائرات ال إف 51 و61 والطائرات المروحية الأباتشي في قصف المدن والمواقع الفلسطينية، وكذلك اغتيال المناضلين الفلسطينيين بمن فيهم القادة: الشيخ المقعد أحمد ياسين، أبو علي مصطفي وعبد العزيز الرنتيسي، وغيرهم من مختلف الفصائل الفلسطينية، ظلت إسرائيل تمارس الاعتقالات المبرمجة وصولاً إلي استباحة القوات الإسرائيلية للمناطق الفلسطينية في عام 2002، وإعلان شارون، بأن اتفاقيات أوسلو قد ماتت وجري دفنها.من جانبها، فإن إسرائيل وتنفيذاً لاتفاقيات أوسلو، وانسجاماً مع رؤيتها، تمنع السلطة الفلسطينية من ممارسة أية مظاهر سيادية مهما كانت صغيرة علي أرضها، فحتي تنقل الرئيس والوزراء والمسؤولين الفلسطينيين في داخل الضفة الغربية، أو بينها وبين غزة، أو السفر إلي الخارج أو الحضور إلي المناطق الفلسطينية، أمر مرهون بالمزاج والرغبة الإسرائيلية في المنع أو السماح. والرسالة التي أرادت إسرائيل إيصالها من خلال عدوانها الأخير علي أريحا، واختطافها لسعدات ورفاقه، حوت مضموناً، بأنها قادرة علي أن تطال أي رأس فلسطيني في أي وقت تشاء، ورغم أي اتفاق موقع بينها وبين الفلسطينيين. أما الرسالة الأمريكية ـ البريطانية المشتركة، المتمثلة بانسحاب مراقبيهما من سجن أريحا قبل خمس دقائق من اجتياح القوات الإسرائيلية له، فمضمونها: أن الجانبين لن يكونا إلاّ في الصف الإسرائيلي، وواهمٌ كل من يعتقد بحيادية ممكنة لأيٍّ منهما، وهما علي استعداد لتنفيذ كل ما تطلبه إسرائيل، برغم ما يرتديانه من قناع يدّعي الحيادية.إنشاء السلطة والصراع بين رؤيتينمن الطبيعي، وبعد كل ما تقدم، أن يُجري مطلق إنسان فلسطيني وعربي، وحتي المهتم من المراقبين، مراجعةً لما جري، منذ أوسلو وحتي اللحظة (باستثناء السلطة التي لم تُجْرِ أية مراجعات نقدية) من أجل محاولة موضوعية لاستقراء الصراع في جوانبه المختلفة، وطبيعة تطوره مستقبلاً، بهدف الخروج بنتائج علي ضوء الأهداف التي يضعها نصب عينيه من يجري التمحيص وبالنسبة لاتفاقيات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، فقد رأي فيها الجانب الإسرائيلي إنهاءً للصراع من خلال سياسة استراتيجية إسرائيلية واضحة لآفاق التسوية المقبولة إسرائيلياً ومن مختلف الأطياف، وبأن السلطة لن تكون في أقصي حالاتها سوي ممارِسة للحكم الإداري الذاتي علي القضايا الحياتية للسكان، دون امتلاك أية مظاهر سيادية، وبذلك يجري تخفيف العبء من مهمات قوات الاحتلال، المطالَبة أمام المجتمع الدولي بسد الاحتياجات الحياتية لمن تُخضعهم لاحتلالها. وقد رأت في التشكيلات الشرطية والأمنية للسلطة، مؤسسات مهمة من أجل حماية الأمن الإسرائيلي لمنع الفلسطينيين من ممارسة أية أشكال للمقاومة ضد إسرائيل، ولذلك حرصت في نصوص اتفاقيات أوسلو المعلنة والسرية علي تمرير كافة البنود التي تصب في مجري ما ترتئيه من مهمات لهذه السلطة، لأن فيها إحكاماً للقبضة الإسرائيلية علي من دخلوا، ومن سيجري إدخالهم من الفلسطينيين إلي مناطق السلطة. بهذا الصدد أستذكر تصريحاً لرابين في الكنيست الإسرائيلي عام 1993، وعند مناقشته لاتفاقيات أوسلو أنه قال: بإدخالهم سنتمكن من إحكام قبضتنا عليهم وعلي قرارهم ، وأذكر تصريحاً لرئيس الأركان وقتها أنه قال إذا اختلفنا علي تطبيق أي بند من بنود الاتفاقية مع الفلسطينيين فسنفرض إرادتنا لأننا الأقوي .أما الرؤية الفلسطينية لاتفاقيات أوسلو (وفي أحسن حالاتها تفاؤلاً) فقد اعتقدت بأنها (وباختصار) تشكل محطة علي طريق إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، ذات السيادة، بعد انسحاب إسرائيل من كافة المناطق المحتلة في عام 1967.خطيئة من وقّعوا اتفاقيات أوسلو، إضافة إلي الإقدام علي المساس بثوابت تاريخية، وهي الحقوق الوطنية الفلسطينية ضمن الرؤية الاستراتيجية، أنهم لم يدققوا في نصوص بنودها، وقدموا كثيراً من التنازلات المجانية، التي تقف عقبة كأداء في وجه إقامة الدولة الفلسطينية، حتي ضمن إطار البرنامج المرحلي، الذي شكل إجماعاً وطنياً في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة، وتم إقراره في اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة 1974، والذي شكّل خلفية لوثيقة الاستقلال الوطني، التي تم إعلانها في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988.اتفاقيات أوسلو، فسرها الإسرائيليون كما شاؤوا، وجنوا مكاسب كبيرة منها، سواء في ما هو معلن من بنودها، أو في الملحقات السرية التابعة لها. أيضاً فإنها علّقت كل القضايا المصيرية مثل عودة اللاجئين، والسيادة والمستوطنات والقدس، وحدود الدولة إلي ما أسمته مفاوضات الوضع النهائي، في ظل وضوح إسرائيلي مسبق يشكل ثوابت استراتيجية من تلك القضايا، بالمقابل امتلك الجانب الفلسطيني الرسمي الاستعداد للعبث حتي بالثوابت الفلسطينية للهدف المرحلي، كما عبرت عنه التغييرات التي أقرتها اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في دورة غزة عام 1996 بالتخلي عن بنودٍ أساسية في الميثاق الوطني الفلسطيني، والتخلي عن هذا الميثاق نهائياً في عام 1998 بحضور كلينتون. وخطيئة اتفاقيات أوسلو أيضاً، أنها وبدلاً من اعتماد قرارات الأمم المتحدة كأحد الأسانيد التي تضفي نمطاً من الشرعية علي الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلي النضال الوطني الفلسطيني بسماته الأساسية وأبرزها مقاومته المشروعة بما فيها الكفاح المسلح، اعتمدت مرجعية جديدة وهي اتفاقيات أوسلو، التي دعت في أحد بنودها إلي وقف هذا الكفاح.مكاسب إسرائيلية وخسائر فلسطينيةإضافة إلي المكاسب الإسرائيلية، التي حققتها أوسلو لها، والتي وردت في سياق ما سبق ذكره، فإن هذه الاتفاقيات تركت انطباعاً لدي المجتمع الدولي بأن الصراع بين الجانبين وفي جوهره، قد جري إيجاد حل له، وأن القضايا الباقية ستجد طريقها للحل في المفاوضات بين الجانبين، والتي تتم في العادة برعاية دولية، وبالتالي حرصت الولايات المتحدة علي تقديم مبادرات كثيرة للمساهمة في تجاوز العقبات التي تَحُول دون تطبيق بنود اتفاقيات أوسلو، والعمل علي حل ( النزاع كما سمّوه) حلاً نهائياً وأخيراً من خلال (خارطـة الطريق) التي وضعـت إسرائيـل أربعـة عشر تحفظاً عليها، بالرغم من مضامينها التي تقترب كثيراً مـن الرؤية الإسرائيلية، وتعجـل من بنود هذه الخطة نسخة مكررة عن الثوابت الإسرائيلية.في البعد العربي، فقد استطاعت إسرائيل تحقيق بعض المكاسب، فبالإضافة إلي الانسلاخ الفلسطيني الكامل (بتوقيع اتفاقيات أوسلو) عن مباحثات واشنطن بين وفود بعض الدول العربية وإسرائيل علي إثر مؤتمر مدريد، والتي حققت نوعاً من الترابط فيما يعرف بشمولية الحل بين كافة الحقوق العربية وبضمنها الفلسطينية، فإن هذه الاتفاقيات قد أوجدت ذريعة لبعض الدول العربية لتوقيع اتفاقيات ومعاهدات سلام مع الجانب الإسرائيلي (معاهدة وادي عربة) ولفتح مكاتب تمثيلية إسرائيلية (تجارية وغيرها) في دول عربية أخري (خليجية ومغاربية) وعلي قاعدة (لن نكون ملكيين أكثر من الملك)، وأسست لمبادرة (السلام) العربية التي أقرتها قمة بيروت، وفيها إعلان عن الاستعداد العربي الكامل للاعتراف والتطبيع الكامل وفي مختلف الجوانب مع إسرائيل، بما في ذلك فتح سفارات لها في العواصم العربية، مقابل اعترافها بالحقوق الفلسطينية، ومع ذلك رفضت إسرائيل هذه المبادرة. أوسلو باختصار أعفت الجانب العربي من واجباته تجاه القضية الفلسطينية.بعد اتفاقيات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، ضاعت الحدود الفاصلة بين المعتدي والمعتدي عليه، وكذلك بين الجلاد والضحية، بحيث بات المجتمع الدولي يتوجه للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وكأنهما ندّان في تسليحهما، وكأنهما علي طرفي مساواة في الإمكانيات المتاحة لكل منهما، بحيث أصبحنا نسمع ونقرأ تعبيرات مثل: دعوة الطرفين إلي ضبط النفس وغيرها من المصطلحات الشبيهة وذلك في إطار من التصور بأن ما يجري الاختلاف عليه بينهما هي قضايا صغيرة ليس إلاّ، وقابلة للحل.ما حققته اسرائيل بعد أوسلو وإنشاء السلطة، أنها تسير تدريجياً في تثبيت رؤيتها الاستراتيجية في ظل التفهم الدولي لخطواتها، بل أخذت الصورة بالميل إلي اعتبار الفلسطينيين بأنهم معتدون إذا ما مارسوا حقهم في المقاومة ضد المذابح والاعتداءات الإسرائيلية، وبأن اسرائيل هي الطرف المعتدي عليه! وهذا ما يعاكس أحداث الانتفاضة الأولي (حيث لم تكن أوسلو ولا السلطة)، واستطاعت الانتفاضة تحقيق حجم كبير من التعاطف الدولي معها.بالمقابل، فإن الجانب الفلسطيني، وعند إنشائه للسلطة، لم يستطع استغلال هذه النقطة لتطوير برامجه، للمضي قدماً نحو تحقيق الأهداف الفلسطينية، انطلاقاً من أن شعبنا ما يزال يعيش مرحلة تحرره الوطني. وبدلاً من العمل علي تجميع الصف الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية بإنشاء قيادة موحدة من كافة فصائل النضال الوطني الفلسطيني، باعتبار ذلك أحد شروط الانتصار، رأينا انغماساً من الطرف الفلسطيني الموقّع علي اتفاقيات أوسلو، في مهام السلطة باعتبارها بديلاً للنضال الفلسطيني، وبديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، الإنجاز الوطني والإطار الجامع لفلسطينيي الداخل والشتات.إن قيادة موحدة فلسطينية جماعية تتصدي لما يتعرض له شعبنا من مؤامرات، وإضافة إلي كونها صيغة تجميعية، بغض النظر عن وجهة نظر الفصائل من هذه الاتفاقيات، فهي إطار غير إطارات السلطة؛ كانت كفيلة بتطوير المقاومة ضمن رؤيا وأشكال جماعية، لكن فريق أوسلو (من وقع ومن أيَّده في ذلك) حسم خياره منذ البداية، باتجاه وقف المقاومة انطلاقاً من التزاماته بهذا الاتفاق، ووصل به الحد إلي إدانة كثير من عملياتها.لم يدرك فريق أوسلو، لا طبيعة العدو الصهيوني، ولا أسس التفاوض السياسي معه، والتي يجب أن تستند إلي قاعدة المقاومة كشرط لتحقيق الإنجازات السياسية، انطلاقاً من قوانين وتجارب ثورية لحركات تحرر وطني عديدة. لقد رفض المناضل نلسون مانديلا وأثناء وجوده في السجن (الذي قضي فيه 27 عاماً) عرضاً من حكومة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا: إيان سميث، بالحكم الذاتي للسود مقابل إخراجه من السجن، وفي أول زيارة له إلي واشنطن بعد أعوام سجنه الطويلة، أصرّ علي التصريح بمواصلة الكفاح المسلح حتي تحقيق النصر، وبالفعل هذا ما حصل.كان أمام السلطة خيار بتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني الذي عاني وما زال يعاني من الاحتلال، وبدلاً من ذلك، انشغلت بإنشاء 14 جهازاً أمنياً، بدأت تمارس الخنق والخوّات وكبت الحريات علي جماهيرها، وانتشر الفساد والمحسوبيات والثراء غير المشروع، ونهب وسرقة الأموال بمئات الملايين من الدولارات، وإنشاء الشركات مع الإسرائيليين، والانشغال بالمواقع الوظيفية في السلطة والجوازات الحمراء والسهر مع (الشركاء) الإسرائيليين في بارات ومقاهي تل أبيب وهرتسيليا، والسباحة معهم وعلي شواطئها، وبناء القصور والفلل، وممارسة الاعتقال السياسي في ظل عدم المساس بعملاء اسرائيل، كأحد اشتراطات أوسلو.. ما جعل جماهيرنا (تترحم) علي أيام الاحتلال.جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومن ثم أعادت القوات الإسرائيلية اقتحام المناطق العسكرية الفلسطينية، وكان من المفترض أن يشكل ذلك منعطفاً نوعياً ومحطة لمراجعة مرحلة أوسلو وما تلاها من أحداث، وصولاً إلي إلغائها. وبدلاً من مقاومة قوات الغزو علي طريقة ما جري في المخيم الأسطورة (مخيم جنين)، رأينا قادة أجهزة الأمن والأجهزة الأخري يسلّمون ما لديهم من أسلحة بما فيها القذائف ضد الدبابات (ال آر. بي. جي) وعلي مرأي من شاشات الإعلام! وبدل المزيد من الإصرار علي التمسك بالحقوق الفلسطينية، كانت مباحثات عبد ربه ـ بيلين، التي كان طرفاً فيها مستشار الرئيس عرفات، والتي أسفرت عن وثيقة جنيف سيئة الصيت، والتي بينت استعداد الجانب الفلسطيني للتخلي عن حق العودة! وبرغم نفي الرئيس عرفات وأجهزة السلطة أية علاقة مباشرة لها بها، إلاّ أن اسرائبل فهمت من بنودها مدي قابلية الجانب الفلسطيني للتخلي عن ثوابت أساسية.وبموضوعية نقول، إن السلطة استطاعت تحقيق بعض الإنجازات الحياتية في المجالات التعليمية والصحية والخدماتية الأخري، وفي إجراء الانتخابات الرئاسية، والتشريعية والبلدية (الأولي والثانية). إلي جانب أن دخول هذه الأعداد الكبيرة من الفلسطينيين إلي بلدهم (وإن كحصيلة لأوسلو) له بعض الجوانب الإيجابية، إن بممارسة حق من حقوق العودة، أو بالتأثير إيجاباً علي أداء المقاومة وفعاليتها، ذلك أن الفصيل الفلسطيني الرئيسي (فتح) قد استأنف مقاومته للاحتلال من خلال كتائب شهداء الأقصي، بعد إنشاء السلطة، بغض النظر عن أداء بعض قادتها ووجهات نظرهم من المقاومة كفعل، انسجاماً مع ما تم الاتفاق عليه في أوسلو، ولكن فإن كل هذه الإيجابيات مثلت نقطة في بحر من السلبيات التي أغرقت شعبنا جراء توقيع تلك الاتفاقيات.الفصل في غزة، وامكانية تطبيقهفي الضفة وسط الثوابت الإسرائيلية للحللقد شكّلت غـزة، ومنـذ عـام 1967 معضلة كبيرة للاحتـلال، إن بمقاومتهـا لقواته، أو بطبيعة النظرة إليها من قبل إسرائيل، كون قطاعها ذا كثافة سكانية كبيرة، وهو ما يتنافي مع المخططات الاستراتيجية للعدو، الذي يسعي إلي إنشاء دولة يهودية نقية بالتخلص من أكبر عدد ممكن من العرب (حتي في داخـل الخط الأخضر) لتعديل الميزان الديموغرافي بينهم وبين اليهود، ولذلك بحث مبكراً عن شكل يتخلص فيه من إشكالات القطاع مع ضمان السيطـرة عليـه: علي بحـره وأجوائه، ولذلك ورغم رفض الليكود بزعامة شارون، لاتفاقيات أوسلو، فإنه سعي في السنتين الأخيرتين من رئاسته للحكومة إلي تنفيذ خطتـه للفصـل مع القطـاع، والتـي نُفذت علي أرض الواقع في عام 2005، بالرغم من المعارضة الشديدة في الداخـل الإسرائيلـي. ما ساعد علـي إجبـار إسرائيـل علي تنفيذ هذه الخطة هو عمليات المقاومة المسلحة للشعب الفلسطيني، والتي ازدادت وتائرها في مرحلة ما قبل تنفيذ خطة الفصل.إضافة إلي السيطرة الإسرائيلية علي مظاهر السيادة في القطاع، ومنها إشرافها علي المعابر نتيجة لاتفاقيتها مع السلطة فيما عرف باتفاقية المعابر، فإنها أبقت القطاع تحت طائلة القصف والتجويع بإغلاقها، مثل الذي مارسته بعد عدوانها علي أريحا، إذ قامت بمنع دخول أية مواد غذائية لجماهيرنا في القطاع بهدف التجويع بالمعني الفعلي. وبالرغم من زوال تواجد القوات العسكرية الاسرائيلية من بعض المناطق من حوله، إلاّ أنها سريعاً ما تعـود إليهـا متي أرادته. وبالرغـم من فكفكة بعـض المستوطنـات ذات الكثافة السكانيـة الصغيـرة مـن أراضيه، والتي لا تحمل أية مزايا استراتيجية، إلاّ أن القطاع فعلياً هو تحت السيطرة الإسرائيلية، أي أنه ما زال محتلاً، وهذا باعتراف الهيئات المعنية التابعة للأمم المتحدة.خطة الفصل في غزة، مرشحة للتطبيق من جانب واحد علي أراضي الضفة الغربية، فقد صرّح إيهود أولمرت وفي حالة فوز حزبه في الانتخابات، بأنه سيطبق هذه الخطة، دون التفاوض مع الفلسطينيين، ولكن في ظل الثوابت الإسرائيلية المعروفة: لا لحق العودة، لا للانسحاب من القدس الشرقية، والتي ستبقي جزءاً من العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل، لا للعودة إلي حدود ما قبل حرب 1967، ضم خمس مناطق من الضفة وتحوي خمسة تجمعات استيطانية (مدناً) كبيرة إلي إسرائيل نهائياً، التواجد العسكري الإسرائيلي والسيطرة علي غور الأردن، حرمان الفلسطينيين من ممارسة أية مظاهر سيادية علي أراضيهم، بمعني أن حكماً ذاتياً سيمارس في الضفة الغربية علي شاكلة ما هو يمارَس في غزة. وهو أولاً وأخيراً حكم ذاتي ليس إلاّ، كان بيغال آلون قد اقترحه في عام 1963، أي قبل احتلال إسرائيل للمناطق الفلسطينية وللجولان ولصحراء سيناء في عام 1967.الانتخابات التشريعية الأخيرةنقطة تحول في الواقع الفلسطينيتقتضي القيام بحل السلطةتصويت الجماهير الفلسطينية بالشكل الذي تم فيه، هو في المحصلة النهائية تصويت مع خيار المقاومة، الذي حرصت حماس علي إبرازه في برنامجها الانتخابي، ولذلك حصدت أصواتاً كثيرة، وفازت بما يقارب ثلثي مقاعد المجلس التشريعي. وهو من جهة ثانية رفض مطلق من قبل شعبنا لما تمارسه السلطة من سياسات داخلية وخارجية وفي مختلف المناحي. إنّ التصويت هو استفتاء حقيقي لاستعداد الشعب الفلسطيني للمضي قدماً بمقاومته وتضحياته حتي نيل حقوقه الوطنية كاملة غير منقوصة، الحقيقية وليست المزيفة. وهو أيضاً رفض للأشكال ولجوهر كل المفاوضات التي قامت بها السلطة مع إسرائيل، وهو رفض (في مضمونه) لاتفاقيات أوسلو، وما نتج عنها من شكل هزيل لسلطة، لا تملك من أمرها شيئاً، ولا تستطيع الدفاع عن نفسها، ولا عن أبناء شعبها. لا تلاحق العملاء، وتعتقل المناضلين، مثلما استدرجت أجهزتها الأمنية أحمد سعدات من أجل اعتقاله قبل أربع سنوات (بدعوي حمايته)، ولم تطلق سراحه ورفاقه، بالرغم من قرار لمحكمة العدل العليا الفلسطينية يقضي بذلك، ورغم تلقي رئيسها إشعاراً من البريطانيين والأمريكيين بقرب سحب مراقبيهم، أي قبل أسبوع من هجوم القوات الإسرائيلية علي أريحا والسجن، إلاّ أنه لم يفعل شيئاً، سواء القيام بإطلاق سراحهم، أو تشديد الحراسة عليهم من أجل حمايتهم (وتبين لدي استجواب الملجس التشريعي لوزير الداخلية، بأنه لا يعرف شيئاً لا عن الاتفاق الذي تم من الأساس، ولا عن الإشعار البريطاني ـ الأمريكي)، ولو عرفت جماهيرنا من قبل بإمكانية قيام إسرائيل بمهاجمة السجن، لزحفت قطاعات منها وطوقت السجن، من أجل حمايتهم، تماماً مثلما فعلت عند حصار الرئيس عرفات في المقاطعة، والذي مات مسموماً، دون أن تقوم السلطة بتشكيل لجنة تحقيق في ظروف موته.التصويت هو رفض شعبي فلسطيني للفساد ومظاهره، وللمحسوبيات، وللإثراء غير المشروع، ولكافة السلبيات الكثيرة الأخري التي تنخر جسد هذه السلطة.كل ذلك يجري في أجواء تحرص فيها إسرائيل علي خلق وقائع جديدة علي الأرض، فبالمعني الفعلي، لم يبق من أراضي الضفة الغربية سوي 40% منها فقط للفلسطينيين، وهي تعزز ثوابتها الاستراتيجية للحل، وتقوم باستباحة المناطق الفلسطينية متي تشاء، تحت سمع وبصر أجهزتها المتعددة (التي تمارس سلطتها علي الفلسطينيين)، في أجواء من فوضي شاملة تجتاح القطاع.كما أن اسرائيل تقوم باغتيال من تشاء من الفلسطينيين، وكذلك هي عمليات الاعتقال، التي تمارسها يومياً، إذ يبلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين ما يقارب العشرة آلاف في السجون الإسرائيلية، رغم أن بنداً من اتفاقيات أوسلو يقضي بإطلاق سراحهم، بمعني أن إسرائيل تمارس ما تشاء بالرغم من اتفاقياتها مع السلطة، وحتي مع وجود قوي دولية كطرف في إبرام هذه الاتفاقيات (كما حدث في سجن أريحا).معني القول: إن كافة الموبقات تمارسها إسرائيل في ظل وجود السلطة، لذلك من الطبيعي أن يتم طرح الأسئلة: ما الذي تفعله هذه السلطة لشعبها بعد أن تحولت إلي عبءٍ حقيقي علي كاهله؟ ولماذا لا تقوم بحل نفسها؟ وما هو البديل؟.7