ناتالي وود في دور ماريا وريتشارد بيمر في دور توني
اعتقد الكثيرون أن دمج الأوبرا والباليه ومسرحية «روميو وجولييت» ومشاكل التفرقة العنصرية في فيلم واحد مستحيل، لكن ذلك كان ما حدث بالفعل في فيلم «قصة الحي الغربي» West Side Story (1961) الذي كان من تمثيل ناتالي وود وريتشارد بيمر وريتا مرينو وجورج شاكيريس. وبذلك، فإن المشاهد كان يشاهد كل ما تستطيع تلك الفنون تقديمه لسرد أحداث قصة، ولم يجمع الفيلم كل تلك الفنون وحسب، بل كان له أبلغ الأثر في طريقة صناعة الأفلام الاستعراضية بعد ذلك، ما زاد بشكل ملحوظ من مستوى ذلك النوع من الأفلام، ويعتبر الفيلم الأكثر نجاحا في تاريخ الأفلام الاستعراضية من الناحية التجارية.
أحداث الفيلم
تدور أحداث الفيلم في مدينة نيويورك في فترة أواسط الخمسينيات، حيث ينشب صراع للسيطرة على أحد أحياء المدينة، بين عصابتين من المراهقين، تكونت إحداهما من فتيان من أصول أوروبية، أي ما يسمى في اللغة الحديثة بالبيض، بينما تكونت الأخرى من فتيان من أصول بورتوريكية. ويعلل أفراد العصابة البورتوريكية ما يقومون به بمعاناتهم من التفرقة ضدهم في مجتمعهم الجديد، وفقرهم الشديد، ويحاول زعيم عصابة البيض إقناع «توني» العضو السابق في العصابة، للاشتراك لحسم الصراع بين الجانبين لصالحها، دون جدوى لاسيما وأن العصابتين قد اتفقتا على مواجهة حاسمة. وتتواجد العصابتان في حفلة راقصة في المنطقة، وكان ضمن الحضور «ماريا» شقيقة زعيم العصابة البورتوريكية، وكذلك «توني» وعصابة البيض، لكن لا تحدث أي مواجهة، حيث حاول الجانبان تجنب بعضهما بعضاً، نظرا لكون أي مشكلة في الحفلة ستستدعي تدخل الشرطة السريع. وما أن تلتقي عينا «توني» بعيني «ماريا» حتى يغمرهما حب جارف، جعلهما ينسيان وجود الآخرين. وتتطور المشاعر واللقاءات بين العاشقين حتى تطلب «ماريا» من «توني» إيقاف ذلك الصراع بين العصابتين، فيذهب إلى موقع المعركة المرتقبة، لكنه يعجز عن تحقيق هدفه، إذ يقتل زعيم العصابة البورتوريكية غريمه الأبيض، الذي كان صديق «توني» المقرب، وينتقم «توني» من القاتل بالطريقة نفسها، ويهرب الجميع قبل قدوم الشرطة. ويتطور الصراع بشكل قاس، ويحاول أفراد العصابة البيضاء الاعتداء الجنسي على الفتاة البورتوريكية «انيتا» (ريتا مرينو) التي كانت تحاول مساعدة «ماريا» و»توني». وفي نهاية المطاف يُقتل «توني» وتنهار «ماريا» وتلقي الشرطة القبض على عضو عصابة البورتوريكيين الذي قتل «توني».
تحليل الفيلم
كان فيلم «قصة الحي الغربي» عبارة عن نسخة استعراضية لمسرحية شكسبير الشهيرة «روميو وجولييت» مع تغييرات لجعل أحداثها في خمسينيات القرن العشرين. وإذا كانت مسرحية شكسبير عن قصة حب بين مراهق ومراهقة ينتميان إلى عائلتين قويتين ومتخاصمتين، فقد أصبحت المراهقة العاشقة في الفيلم من الأقلية البورتوريكية في نيويورك، بينما العشيق من الأغلبية البيضاء. لكن هذا التغيير أثر في القصة، إذ كانت العائلتان في المسرحية الأصلية متساويتين في القوة، بينما الفارق في القوة بين الطرفين في الفيلم هائل، حيث أن المجتمع البورتوريكي مجبر على طاعة القوانين الأمريكية والتعامل مع المحيط الأبيض بسلام. وكان سبب الخلاف بين الطرفين في الفيلم شعور الشباب البورتوريكيين بالاضطهاد، وعدم الشعور بالانتماء في المدينة.
كان الفيلم أكثر من عمل فني كبير، حيث تم استحداث أسلوب جديد في صناعة السينما الاستعراضية، عن طريق تحويل المشاهد الغنائية الراقصة من عناصر جمالية فقط في الفيلم الاستعراضي إلى عنصر أساسي ومشارك في سرد قصة الفيلم، ولذلك، فإن حذف المشاهد الغنائية والراقصة من فيلم «الغناء تحت المطر» Singing in the Rain (1952) تمثيل جين كيلي وديبي رينولدز، سيقلل من جمال الفيلم، لكن ذلك لم يكن ليقلل من قابلية المشاهد على فهم أحداث الفيلم، على عكس فيلم «قصة الحي الغربي» الذي كان حذف المشاهد الغنائية والراقصة سيؤدي إلى استحالة فهم أي شيء عن الفيلم. وقد أصبح هذا الأسلوب في ما بعد سمة أساسية في كثير من الأفلام الاستعراضية الشهيرة مثل فيلم «شيكاغو» (2002) تمثيل رني تسيلفجر وريتشارد غير. وعلى الرغم من كون ذلك شيئا جديدا في عالم السينما الاستعراضية، واعتبار النقاد له كاختراع جديد، فإنه كان سمة معروفة في عالمي الأوبرا والباليه. وكان دخول هذه الظاهرة في الفيلم متوقعا، لكون ملحن الأغاني لينرد برنستاين، أشهر موسيقيي الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الموسيقى الكلاسيكية، أما مصمم الرقصات، فكان راقص الباليه جيروم روبنز. وقد أدى هذا التطور في الفيلم الاستعراضي إلى زيادة واضحة في نسبة الرقص والغناء في الفيلم الاستعراضي، ما زاد بالتالي من أهمية الراقص الذي كان بإمكانه كذلك التمثيل على حساب الممثل العادي. وقد يكون هذا أحد أسباب التوتر الذي حدث بين ناتالي وود والراقصين، فهي لم تكن راقصة أو مغنية، فلم تظهر في الكثير من المشاهد المهمة، على الرغم من أنها الممثلة الشهيرة الوحيدة في الفيلم، وأحد طرفي قصة الحب التي من المفروض أن تكون محور الفيلم.
في البداية غنت ناتالي وود في الفيلم، لكن افتقارها للموهبة والخبرة جعل غناءها سيئا جدا، ما جعل القائمين على الفيلم يستعينون بمغنية أوبرا محترفة لتقوم بالغناء، بحيث يبدو الغناء صادرا من ناتالي وود نفسها. ولم يكن ذلك سهلا من الناحية التقنية، حيث عانت المغنية الأوبرالية من كون حركة فم ناتالي وود لم تنسجم مع عزف الفرقة الموسيقية. وما أن سمعت ناتالي وود بان صوتها لن يكون في الفيلم، حتى استشاطت غضبا وغادرت الاستوديو فورا. وقامت المغنية الأوبرالية نفسها بغناء إحدى الأغاني التي أدتها شخصية «أنيتا» (ريتا مرينو) على الرغم من أن ريتا مرينو كانت مغنية كذلك إلا أنها لم تكن قادرة على الغناء الأوبرالي.
ستستمر مسرحية «روميو وجولييت» في الظهور في السينما العالمية في أشكال مختلفة، فلن يشعر الجمهور بالملل منها، على الرغم من معرفة الكثيرين بتفاصيلها. وقد يكون السبب الرغبة اللا إرادية لدى الإنسان في أن يكون في علاقة حب عميق.
لم يحاول القائمون على الفيلم أن يكونوا دقيقين في تصويرهم للواقع، ولتوضيح الفرق بين البيض والبورتوريكيين، قام المخرج باستعمال مكياج غامق جدا على ممثلي الشخصيات البورتوريكية وألبسهم ملابس غامقة، بينما ارتدى ممثلو الشخصيات البيضاء ملابس زاهية. وقد انتقدت الممثلة ريتا مرينو ذلك حيث أنها كانت هي نفسها من بورتوريكو، وذكّرَت القائمين على الفيلم بأن البورتوريكيين ليسوا جميعا بتلك البشرة الداكنة جدا، وهي خير مثال. وتصاعد الخلاف بينها وبين القائم على المكياج حتى اتهمها بأنها عنصرية. وتكلم ممثلو الشخصيات البورتوريكية بلهجة غريبة غير بورتوريكية، وكان الهدف منها إظهار كونها لكنة أجنبية فقط. وحاولت ريتا مرينو إرشاد الممثلين حول كيفية التكلم كالبورتوريكيين بنجاح محدود. ولم يلاحظ الجمهور أن أفراد العصابتين لم يبدوا مراهقين أو أفراد عصابات، ما قلل من التأثير الدرامي في الفيلم. وأما موسيقى الفيلم، فلم تكن بورتوريكية، بل موسيقى على نمط كلاسيكي بنكهة أمريكية جنوبية.
كانت نقطة الضعف الرئيسية في الفيلم الممثلين الرئيسيين، أي ناتالي وود وريتشارد بيمر، فلم تكن النجمة السينمائية صالحة لهذا الدور بالذات، وتقول ريتا مرينو، إن ناتالي وود نفسها كانت تدرك عدم صلاحيتها. وأما ريتشارد بيمر، فبدا ساذجا وأقر ذلك بنفسه، كما كان فرق الطول بينهما كبيرا إلى درجة أن وجودهما في المشهد نفسه جعلهما يبدوان وكأنهما من كوكبين مختلفين.
على الرغم من كون قصة الفيلم مقتبسة من مسرحية «روميو وجولييت» فلم يكن العملان متطابقان، فـ»جولييت» تنتحر في المسرحية الأصلية، بينما تبقى «ماريا» على قيد الحياة لسبب ما في الفيلم، ما قلل من العمق الدرامي للفيلم. ولم يكن العاشقان في الفيلم متساوين في المخاطرة، إذ يطلب «توني» من «ماريا» الهروب معه والزواج، لكنه كان في الواقع يطلب منها أن تحرق سفنها ففي حالة فشل زواجهما لن تستطيع العودة إلى مجتمعها، بينما كان هو قادرا على ذلك. واختار القائمون على الفيلم أن تكون الفتاة من بورتوريكو، ما جعل المجتمع البوتوريكي يبدو وكأنه متزمت. والسؤال هنا ماذا سيشعر المشاهدون لو كان الدور لفتاة بيضاء تعشق شابا بوتوريكيا، وهل سيكون نجاح الفيلم مماثلا؟

تاريخ الفيلم
بدات فكرة الفيلم عام 1947 عندما اتصل راقص الباليه ومصمم الرقصات جيروم روبنز بالموسيقار لينرد برنستاين والكاتب المسرحي أرثر لورينز لإنتاج نسخة حديثة لمسرحية «روميو وجولييت». لكن مشاغل الرجلين وعدم الاتفاق على التفاصيل الفنية أجّل العمل، فمثلا كانت هوية الجانبين المتصارعين في تغير دائم. لكن في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي أخذت الصحف الأمريكية تتناول بإسهاب أخبار عصابات المراهقين القادمين من أمريكا اللاتينية، فقرر الثلاثة جعل أحد طرفي الصراع عصابة بورتوريكية. وكان هذا غريبا نوعا ما، لأن العصابات التي كانت الصحف الأمريكية تذكرها باستمرار، لم تكن من بورتوريكو، بل من المكسيك. ومن الخطأ الاعتقاد أن المكسيكيين كانوا من أسس تلك العصابات، إذ ظهرت عصابات مشابهة منذ القرن التاسع عشر من مهاجرين من أيرلندا وأوروبا الشرقية وإيطاليا، لكن المكسيكيين كانوا أول المهاجرين إليها من أمريكا الجنوبية.
قام أرثر لورينز بكتابة المسرحية عام 1957، وتم عرض المسرحية في تلك السنة في نيويورك بنجاح ملحوظ (كان نجاح المسرحية في لندن أكبر). وسرعان ما تقرر تحويل المسرحية إلى فيلم سينمائي، لكن أغلب المنتجين السينمائيين اعتقدوا أن القصة الحزينة للفيلم لا تتناسب مع طبيعة الأفلام الاستعراضية. وفي نهاية المطاف تم العثور على منتج للفيلم، لكنه اشترط اللجوء إلى المخرج روبرت وايز المعروف بالتزامه بميزانية وجدول العمل، بينما تكفل جيروم روبنز بإخراج مشاهد الرقص وحسب. وكانت عملية اختيار ممثلة دور «ماريا» صعبة حتى وقع الاختيار على ناتالي وود لسبب ما. أما اختيار ممثل دور «توني» فكان أكثر صعوبة، حيث تم الاتصال بألفيس بريسلي، لكنه رفض، وتم رفض بيرت رينولدز، بسبب مظهره غير الرومانسي. وبعد بحث مضن تم اختيار ممثل غير معروف يدعى ريتشارد بيمر. وأما الراقصون، فاستعانوا براقصي المسرحية الأصلية، وجلب جيروم روبنز الممثلة ريتا مرينو والمغنية الأوبرالية، التي غنت أغاني بعض الممثلات في الفيلم، حيث سبق أن عمل معهما في فيلم «الملك وأنا» الذي كان من تمثيل يول برنر وديبورا كار. ومع ذلك فإن المشاكل سرعان ما ظهرت وكان السبب هوجيروم روبنز الذي بالغ بالضغط على الراقصين، ما سبب زيادة واضحة في الإصابات بينهم، والتدخل في عمل الاخرين، فمثلا طرد بعض الموسيقيين من الفرقة الموسيقية دون موافقة برنستاين. وأدى كل هذا إلى تأخر في التصوير وزيادة في التكاليف. وأخيرا ضاق ذرع الجميع بروبنز وتم فصله، لكنه بقي على اتصال بالقائمين على الفيلم محاولا تقديم النصح.
كان نجاح الفيلم الكبير في أوساط النقاد والجمهور مصحوبا بالجوائز الكثيرة التي حازها مثل عشر جوائز أوسكار، ومنها جائزة الأوسكار لافضل ممثلة ثانوية لريتا مرينو، وأفضل ممثل ثانوي لجورج شاكيريس، وكان الاثنان النجمين الحقيقيين للفيلم. وقدمت جائزة أوسكار خاصة لجيروم روبنز. وأصبح الأسلوب الذي استعمل في صناعة الفيلم أسلوبا مفضلا في ذلك النوع من الأفلام.
قام المخرج الشهير ستيفن سبيلبرغ بإخراج نسخة جديدة من الفيلم لتعرض في العاشر من كانون الأول / ديسمبر عام 2021، وتظهر في هذه النسخة ريتا مرينو مرة أخرى وهي في التاسعة والثمانين من العمر. كان البورتوريكيون في الولايات المتحدة من أشد مهاجمي الفيلم، فقد اتهموه بسوء تقديم المجتمع البورتوريكي للجمهور الأمريكي والعالمي.
ستستمر مسرحية «روميو وجولييت» في الظهور في السينما العالمية في أشكال مختلفة، فلن يشعر الجمهور بالملل منها، على الرغم من معرفة الكثيرين بتفاصيلها. وقد يكون السبب الرغبة اللا إرادية لدى الإنسان في أن يكون في علاقة حب عميق.
باحث ومؤرخ من العراق