فاتورة باهظة لحرائق الغابات في تركيا.. تكاليف إطفاء وخسائر مباشرة وأخرى متوقعة للقطاع السياحي

حجم الخط
0

أنقرة – “القدس العربي”:

مع بدء انحسار الحرائق التي اندلعت جنوب وغرب تركيا منذ أيام ولو بشكل جزئي في بعض المناطق، بدأت تتكشف الفاتورة الباهظة للخسائر الكبيرة التي خلفتها أسوأ موجة حرائق تشهدها البلاد منذ عقود وتسببت في خسائر مباشرة كبيرة بالغابات والقرى المجاورة وتكاليف باهظة جداً لعمليات الإطفاء المتواصلة ومتطلبات التعويض الحكومي للمتضررين، إلى جانب خسائر أخرى متوقعة للقطاع السياحي الذي عُقدت آمال واسعة على تعافيه الصيف الحالي بعد الآثار الكارثية التي تركتها جائحة كورونا على القطاع السياحي والاقتصاد التركي والعالمي بشكل عام.

ومنذ قرابة عشرة أيام، اندلعت حرائق غابات على نطاق واسع، بدأت من ولاية أنطاليا السياحية جنوبي تركيا وامتدت لتشمل ولايات موغلا ومرسين وهاتاي وعثمانية وأضنة وغيرها وأتت على عشرات آلاف الدونمات من الغابات، وتقول السلطات الرسمية إنها سيطرت على أكثر من 200 حريق حتى الآن في حين لا تزال تتواصل الحرائق في أكثر من 10 مواقع أهمها ولاية موغلا التي توصف بأنها “جنة السياحة في تركيا”.

وإلى جانب المساحات الشاسعة من الغابات الخضراء التي كانت تشكل المنظر الجمالي الأول لجذب السياح إلى جانب مياه البحر الساحرة في تلك المنطقة، أتت النيران على العديد من القرى السياحية والأعمال الزراعية وتربية الحيوانات ودمرت مئات المنازل والمخازن ومزارع تربية الحيوانات ووصلت إلى حدود بعض المنتجعات السياحية، كما كادت أن تتسبب في كارثة عندما التهمت جزءًا من محطة رئيسية للطاقة الحرارية.

وبينما جرى السيطرة على الحرائق الأساسية الكبيرة في ولاية أنطاليا، ما زالت الكثير من الحرائق الكبرى تشتعل في مناطق مختلفة بولاية موغلا، وهو ما يصعب حتى الآن الخروج بإحصائية واضحة للكارثة التي خلفتها الحرائق سواء المساحات الغابية التي التهمتها النيران أو عدد المنازل والمنشآت التي احترقت، أو حجم التعويضات التي ستدفعها الحكومة للمتضررين، كما أن حجم الخسائر غير المباشرة التي ستسببها الحرائق للقطاع السياحي ستحتاج إلى أسابيع لكي تتكشف تدريجياً.

وفي أنطاليا التي هدأت النيران لتوها فيها، تشير التقديرات الأولية إلى أن الحرائق أتت على أكثر من 60 ألف هكتار من الغابات، وطالت مئات المنشآت ما بين منازل قروية ومزارع ومنشآت زراعية وحيوانية إلى جانب المواشي التي قتلتها الحرائق، حيث يعتقد أن أنطاليا تكبدت خسائر إجمالية مباشرة تصل قيمتها إلى أكثر من مليار ليرة تركية (قرابة 120 مليون دولار).

لكن الحرائق في ولاية موغلا والتي ما زالت مستمرة تلتهم يومياً آلاف الهكتارات الجديدة ويتوقع أن تتسبب بخسائر أكبر إلى جانب حصيلة الحرائق في قرابة 10 ولايات أخرى، بما يشمل ذلك الخسائر المباشرة المرتبطة بالأشجار والمناطق الزراعية والتربية الحيوانية والمعدات الزراعية إلى جانب المنازل والمرافق المختلفة.

هذه الخسائر والتي تعهدت الحكومة بتعويض السكان عنها بشكل كبير، يتوقع أن تشكل عبئاً كبيراً على خزينة الدولة التي تعاني في الآونة الأخيرة صعوبات متزايدة ولم تتعاف بعد من الآثار الصعبة جداً التي خلفتها فاتورة انتشار فيروس كورونا التي تتسبب في متاعب اقتصادية كبيرة وكلفت خزينة الدولة مليارات الدولارات لتقديم الدعم للمتضررين من الإغلاق ودفع فاتورة المستشفيات ولاحقاً اللقاحات، وهو ما ساهم في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم بشكل كبير.

وتجد الحكومة نفسها مضطرة لتقديم كافة أشكال الدعم للمواطنين المتضررين من الحرائق على الرغم من الصعوبات المالية التي تعاني منها خزينة الدولة وذلك لتفادي المزيد من الخسائر السياسية التي يمكن أن تتسبب بها هذه الحرائق لا سيما عقب اتهامات المعارضة الواسعة للحكومة بالتقصير في مكافحة الحرائق والجدل الحاد الذي تفجر على خلفية عدم امتلاك الحكومة طائرات متقدمة لإطفاء الحرائق.

وإلى جانب ذلك، كلفت جهود مكافحة الحرائق الحكومة مبالغ مالية باهظة جداً لم يجر تقديرها بعد، حيث تعمل على مدار الساعة منذ نحو عشرة أيام عشرات الطائرات والمروحيات إلى جانب مئات العربات وما تحتاجه من تكاليف الوقود، إلى جانب الاحتياجات العاجلة اللازمة للطواقم العاملة، والمساعدات الإنسانية الطارئة لسكان المناطق المتضررة. يضاف إلى ذلك الأرقام الكبيرة التي يتوقع أن تدفعها الحكومة لبعض شركات الطيران التي استأجرت منها طائرات مكافحة الحرائق لتعويض نقص عدم وجود هذه الطائرات في تركيا.

وإلى جانب كافة الخسائر المباشرة السابقة، يتوقع أن يكون قطاع السياحة في تركيا الأكثر تضرراً على المديين القريب والبعيد من هذه الحرائق، لا سيما أنها ضربت عصب ومركز السياحة التركي الممتد بين ولايتي أنطاليا وموغلا، حيث حولت الحرائق الجبال الخضراء الساحرة إلى جبال متفحمة يتوشحها اللون الأسود.

وأدت الحرائق التي اقتربت كثيراً من المنتجعات السياحية إلى ضعف الحركة السياحية ولجوء الكثير من السياح لإلغاء حجوزاتهم وسط تشاؤم حول إمكانية الحصول على حجوزات بنفس حجم التوقعات السابقة، وهو ما يبطئ جهود الحكومة لإعادة إنعاش قطاع السياحة الذي بدأ بالفعل بالانتعاش جزئياً منذ إنهاء قيود الإغلاق قبل نحو شهرين، لكن الحكومة أكدت على لسان وزير السياحة فيها محمد نوري أرصوي الجمعة أن تركيا ملتزمة بأهدافها الرامية إلى جذب 25 مليون سائح هذا العام وتحقيق عائدات قيمتها 20 مليار دولار وهو رقم يقل كثيرا عن 34.5 مليار دولار حققتها البلاد عام 2019 قبل الجائحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية