سؤال يطرح بقوة: كيف نوقع الخسائر بالاحتلال؟ بعد 100 يوم: المقاومة الشعبية في بلدة بيتا على مفترق طرق

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

تمر بيتا في معضلة مفادها الاستمرار بالمقاومة الشعبية مع كل خسارة بشرية تعيشها عائلات القرية، وعلو صوت من يطرح المقاومة العسكرية مشروعا بديلا.

نابلس-»القدس العربي»: يوم الجمعة، بحسب أجندة المقاومة الشعبية في بلدة بيتا، جنوب شرق مدينة نابلس، حل اليوم مئة على الجهود الشعبية الرافضة لإقامة بؤرة استيطانية على قمة جبل رئيسي يحمل اسم صبيح، يراد لها أن تربط مجموعة من مستوطنات وسط الضفة الغربية بمستوطنات في شمالها.
البلدة التي تقاوم يوميا منذ أكثر من ثلاثة أشهر استعدت للحدث وقامت بالاحتفاء به عبر مزيد من جهود المقاومة ليلا ونهارا.
وبحسب الصحافي نسيم معلا فإن البلدة أمها نشطاء من القرى المجاورة، وشهدت في فعاليات الإرباك الليلي نشاطا مضاعفا حيث أشعل النشطاء نارا كتبت الرقم 100 لتضيء أسماء وصور شهداء البلدة الستة، كما نشطت «وحدات الإزعاج» التي تقوم بصنع تفجيرات قوية تهز الجبل.
وأكد معلا ان أصحاب الأراضي حصلوا أيضا على أوراق ثبوتية من الارتباط الإسرائيلي تثبت أن ملكية الأراضي تعود لأهالي البلدة وليست للمستوطنين، وستلعب دورا حاسما في صراع البلدة القانوني في المحاكم الإسرائيلية.
غير أن البلدة التي تشق لنفسها طريقا خاصا في مقاومة المد الاستيطاني الإسرائيلي بالاعتماد على تجربة نضالية قديمة أصبحت اليوم على مفترق طرق يمكن تلخيصه بسؤالين مركزيين: هل تستمر جهود المقاومة الشعبية كما بدأت قبل أشهر وتتحمل تبعات الخسائر الكبيرة التي تتكبدها؟ أم يجب أن يرافق هذه المقاومة فعل عسكري على الأرض يرفع كلفة الاحتلال في استمرار إصراره على إقامة المستوطنة؟
وبخوض شبان بلدة بيتا و»حراس الجبل» من مختلف الخلفيات الحزبية والفكرية نقاشات يومية حول هذين السؤالين، وتحديدا مع تصاعد حجم الخسائر التي يكبدها الاحتلال للنشطاء والمقاومين على الجبل وتحديدا مع تزايد أعدد الشهداء (7 شهداء) والجرحى (3672 جريحا) والمعتقلين (44 معتقلا).
في جنازة الشهيد شادي الشرفا، (40 عاما) الذي سقط بتاريخ 10 آب/أغسطس الماضي بدا هتاف المشيعين عاليا ومشحونا بالغضب والانفعال، فالشهيد الشرفا الذي يلقب «بساقي البلدة» خسارة كبيرة، نقل للمقبرة مع حسرة كبيرة في قلوب النشطاء، «فليس هناك ما يشفي غليلهم» كما يقولون. وفي جنازة الشهيد عماد دويكات (37 عاما) الذي استشهد بتاريخ 6 أب/أغسطس الماضي، وهو الأب لخمسة أطفال، مشاعر مماثلة أيضا.
نشطاء تحدثت معهم «القدس العربي» أظهروا أن هناك حيرة كبيرة يعيشونها، سؤال العمل القادم أمام الخسائر التي يتكبدها الأهالي، وأكدوا أن «هناك توجها لدى بعض النشطاء المتحمسين أصبح يعبر عن ذاته بنقاشات بصوت عال تدعو لضرورة أن تتم دراسة أو التفكير بالخيار العسكري».
هؤلاء النشطاء يؤكدون صعوبة الخيار الذي قد تترتب عليه مضاعفة كاملة لعمليات القمع والقتل التي تمارسها قوات الاحتلال بحق سكان البلدة وشبابها.
ويرى مراقبون أن بيتا اليوم تمر في مفترق طرق أو معضلة مفادها الاستمرار بالمقاومة الشعبية مع كل خسارة تعيشها عائلات القرية، فمعدل الخسارة البشرية يرتبط بالتراجع عن خيار المقاومة الشعبية، وعلو صوت من يطرح المقاومة العسكرية مشروعا بديلا.
ويرى مراقبون أن هذا التحول أصبحت تدركه قوات الاحتلال ودوائره العسكرية حيث عمدت مؤخرا إلى إصدار أوامر تمنع قتل المتظاهرين والنشطاء.

تعاطف دولي أكثر من المحلي

الدكتور أمجد أبو العز، رئيس قسم الدراسات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية قال في تصريحات خاصة «القدس العربي» أن مئة يوم من المقاومة الشعبية المتواصلة تجعلنا نخلص لمجموعة من المؤشرات، وأولها أن غياب قيادة موحدة (حزبية) لهذه المقاومة هو سر قوتها ونجاحها.
وتابع أبو العز: «هذه المقاومة اليوم تنال تعاطفا شعبيا دوليا أكثر مما تنال تعاطفا شعبيا محليا، وهو أمر يحتاج لدراسة وفهم، وهذا ثانيا».
أما ثالثا بحسب أبو العز فيتمثل في غياب إجماع شعبي على خيار المقاومة الشعبية وجدواها، وهو ما يفرض ضرورة الخروج بموقف أو رؤية شاملة وموحدة تعمل عليها المقاومة الشعبية.
وأكد أبو العز أن بلدة بيتا قدمت نموذجا ملهما تجديديا رياديا وخلاقا، سواء لتنوع الفعاليات وطرق المواجهة، أو من ناحية حجم الانخراط الشعبي في هذا النوع من المقاومة.
وأضاف: «غير أن ما يميز بيتا هو صوتها العالي ووصولها للخارج دوليا، وهو الذي دفع بأكثر من 32 قنصلا وسفيرا أوروبيا لزيارة البلدة قبل أكثر من أسبوع، وإبداء التضامن مع جهود أبناء البلدة، ونحن ننتظر يوم الثلاثاء زيارة القنصل الأمريكي للبلدة، وهو ما يعطي لمقاومة البلدة اعترافا دوليا مهما ومؤثرا».
ويرى أبو العز أن البلدة تحتاج إلى ثلاثة أنواع من الدعم كي تستمر في جهود مقاومتها الشعبية، الأول يتمثل في دعم البلدة (15 ألف نسمة) في بنيتها التحتية والخدمات التي تحتاجها بحيث تصبح مزارا ومقصدا للفلسطيني وغير الفلسطيني، أما ثانيا دعم المناطق التي تتعرض للسلب أو التدمير أو التخريب، وثالثا دعم الشبان الذين يتواجدون على قمة الجبل من أجل أن يبقوا مستمرين في مشوار نضالهم.
ويؤكد أبو العز أن بيتا بلدة صغيرة، «وبحسبة بسيطة نكتشف أن أكثر من نصف شبابها قد أصيب برصاص الاحتلال، وهو ما يجعلها مستنزفة بالكامل، وبالتالي لا يجب ان نحملها أكثر مما تحتمل».
وبحسب أحمد جبريل، مدير الإسعاف في الهلال الأحمر في نابلس، فأن طواقم الهلال الأحمر ومنذ بداية أحداث جبل صبيح يوم 10 أيار/مايو الماضي تعاملت مع 3672 إصابة، بينها 141 إصابة بالرصاص الحي، مبينًا أن 109 جرحى منهم نُقلوا للمستشفيات، بينما 32 تم علاجهم ميدانيًا، فيما عدد المصابين بالرصاص المطاطي منذ بداية الأحداث بلغ 596 مصابًا. كما تم تسجيل 2469 إصابة بالاختناق نتيجة استنشاق قنابل الغاز المسيل للدموع، كما سجل 431 إصابة نتيجة السقوط والحروق بقنابل الغاز.
ويرى أبو العز أن الاستراتيجية الاحتلالية الجديدة انتقلت من خيار القتل المباشر للنشطاء إلى الإصابة أو الإعاقة المباشرة، وهو ما يفسر عدد الإصابات التي يوقعها جنود الاحتلال بأقدام الشبان.

تحول في سلوك الاحتلال

ويضيف أبو العز: «المراقب يدرك أن هناك تحولا في سلوك القمع الذي يتبعه الجنود في منطقة بيتا ومحيط البؤرة، هناك ميل لتجنب إيقاع إصابات بالأرواح، مقابل تخفيف حدة المواجهة، حيث نلاحظ أن تغيرا طرأ في طبيعة من يقود وحدات قوات حرس الحدود».
ولجأت المخابرات الإسرائيلية مؤخرا إلى أسلوب تهديد شباب بيتا من خلال رسائل نصية تضمنت تهديدًا بإجراءات انتقامية بسبب تواجدهم في فعاليات المقاومة الشعبية. وجاء في نصها أن «قوات الأمن ستفعل ضد هذه الأعمال. نناشدكم بالحفاظ على زهرة شبابكم» وليست هذه المرة الأولى التي يتم إرسال رسائل تهديد إلى الشبان، فقد سبق القيام بذلك منذ شهر تموز/يوليو الماضي.
وسبق أن نشرت صفحة تابعة للمخابرات الإسرائيلية فيديو تحذيري هددت فيه أهالي بيتا، زاعمة أن الاحتجاجات «ألحقت الضرر بمواطنين من بيتا». وبحسب مصادر محلية فأن سلطات الاحتلال ألغت تصاريح عمل داخل الخط الأخضر لمواطنين من بيتا على الخلفية ذاتها، في إطار إجراءات انتقامية جماعية ينفذها جيش الاحتلال ومخابراته منذ اندلاع المواجهات، تشمل اعتقالات وإغلاق مداخل البلدة، في محاولة إنهاء الاحتجاجات.
يختم أبو العز قائلا: «أهل البلدة يقاتلون وحيدين، بدون أن تكون هناك رؤية شاملة في عموم مناطق الضفة الغربية، ولا كيف يمكن أن تستمر المواجهة مع استمرار الخسارة البشرية».

كيف يخسر الاحتلال؟

وهو ما يتناقض مع تصريحات رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير وليد عساف الذي دعا إلى ضرورة رفع مستوى الدعم المقدم للمقاومة الشعبية والانتقال بها من برنامج سياسي وعمل نخبوي إلى برنامج شعبي وممارسة يومية بمشاركة وطنية واسعة على أساس الوحدة الوطنية.
وقال عساف خلال مشاركته في ندوة نظمها معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي أن إحدى ركائز إنجاح المقاومة الشعبية وتحقيق أهدافها هو «جعل الاحتلال مشروعا خاسرا» من دون أن يوضح كيف يمكن للمقاومة الشعبية أن توقع الخسائر بالاحتلال، وهو نفس السؤال المباشر الذي يطرحه النشطاء في بلدة بيتا بعد 100 يوم انطلاق فعاليتهم الملهمة.
يذكر أن حكومة الاحتلال توصلت إلى اتفاق مع المستوطنين في بؤرة «أفيتار» يقوم على مغادرتهم للبؤرة، على أن يباشر جيش الاحتلال بمسح الأراضي في المنطقة من أجل إعادة المستوطنين إليها، إلا أن أهالي بيتا واصلوا احتجاجاتهم رفضًا للاتفاق، وللمطالبة بتفكيك البؤرة بالكامل وإعادة الأراضي لأصحابها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية