الأزمة الأفغانية تشغل العالم ومخاوف من جر القوى الكبرى لحرب الفوز فيها مستحيل وصعب

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
2

تتسارع الأحداث في أفغانستان، منذ إعلان واشنطن انسحابها العسكري من هذه الدولة المتميزة بموقع جيو استراتيجي، يربط شرق وغرب وجنوب ووسط آسيا.
وكان هذا البلد الحبيس على امتداد تاريخه، عرضة لانقسامات عرقية بين مكوناته، ومسرحاً لأطماع وصراعات دولية وإقليمية، كما كان مقبرة «للقوى الخارجية» على حد وصف أبنائه.
لفهم مجريات الأوضاع الحالية، لابد للعودة لنقطة البداية في الفترة الأخيرة، أي الانسحاب الأمريكي من البلد، وتفكيك عناصر الموضوع، وتحديات ما تفرزه الأيام من تقدم حركة طالبان، التي بلغت أعتاب العاصمة كابل.
وتوحي تصريحات جو بايدن الرئيس الأمريكي بعد لقائه نظيره الأفغاني أشرف غني، أن الولايات المتحدة قد نفضت يدها من المسألة الأفغانية برمتها، من دون أن يعني ذلك أن الحرب ستضع أوزارها بعد خروج الجندي الأمريكي الأخير من أراضي أفغانستان.
وكشف مقال تحليلي نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية لمراسلها مايكل هيرش، أن بايدن ربما تسرع عندما رفض المقارنة بين الانسحاب من أفغانستان وخروج الولايات المتحدة من فيتنام.
وتسير عملية انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» من أفغانستان على قدم وساق، غير أن البلد الذي تغادره هذه القوات، لا يزال بعيداً كل البعد عن الاستقرار الديمقراطي، إذ تسيطر طالبان على أجزاء كبيرة منه.
كما أن السياسيين والاستراتيجيين الغربيين، أصبحوا يدركون الآن أن الثقافة السياسية السائدة في منطقة ما، لا يمكن تغييرها وإضفاء ألوان أخرى عليها، وكأنها لوحة رسم. ما يبدو فعلياً من الناحية النظرية، ليس له علاقة بأرض الواقع، كما هو الحال مع الدستور الأفغاني المتقدم والليبرالي الذي تم إقراره في عام 2004.

موقع استراتيجي
وسط لعبة كبرى

دخلت أفغانستان رغماً عنها «اللعبة الكبرى» في القرن التاسع عشر، بين الإمبراطوريتين البريطانية والروسية، اللتان تنافستا على شبه الجزيرة الهندية وآسيا الوسطى.
أما في التاريخ الحديث، فقد ارتبط اسم أفغانستان بـ «طالبان» و«القاعدة» و«المجاهدين».
وأوضح كونراد شيتّر الباحث الألماني في مجال السلام والصراع، في  كتابه «تاريخ أفغانستان» الصعوبات الأساسية التي تواجه الدول الغربية، وتشمل «الرفض المجتمعي، والصراع بين المدينة والريف، والخصوصية المتطرفة، ورفض التجانس الثقافي». بالإضافة إلى ذلك، هناك الأفكار والمعتقدات المختلفة للطبقات الاجتماعية.
وأشار شيتّر في كتابه: «إن تطبيق حقوق الإنسان والديمقراطية، وكذلك المساواة بين المرأة والرجل، لا يمكن أن يتم بسرعة في المجتمع الحضري، في حين أن جزءا كبيراً من سكان الريف يعتبرون هذه المبادئ غير إسلامية». لذلك يمكن لطالبان أن تأمل في الحصول على دعم واسع، خاصة في المناطق الريفية في جنوب أفغانستان.
هذا الرأي يشاطره أيضاً المترجم والباحث في الدراسات الإسلامية، شتيفان فايدنر، ويقول إن «التفاوض مع طالبان الآن يعد بمثابة هزيمة، إذا تم تلقين النساء الأفغانيات حقوق المرأة الألمانية وسيادة القانون طوال الـ 20 عاماً تحت حماية الجيش الألماني».
وبعد 20 عاماً من القتال وآلاف القتلى من المدنيين والعسكريين الأفغان والغربيين، وآلاف مليارات الدولارات على شكل نفقات عسكرية ومشاريع تنموية فشل أكثرها، تراجع حضور الدافع الرمزي والنفسي الأمريكي لمصلحة الرؤية التي عبّر بايدن عنها «هذه حرب لا يمكن الفوز بها». بيد أن الحقيقة هذه تعني واشنطن وحدها، ذاك أن الحقائق الجغرافية والسكانية والسياسية في منطقة وسط آسيا وجنوبها ستبقى قائمة وقوية بوجود القوات الأمريكية أو في غيابها.
وأصدرت مجموعة إدارة الأزمات الدولية تقريراً مؤخراً بعنوان «دعاية طالبان: الفوز بحرب الكلام» يرصد الأساليب التي تنتهجها طالبان في المنطقة، ومظاهر تطورها وانعكاساتها على الحرب بصورة عامة في أفغانستان.
ويعتقد نيك غرونو نائب رئيس مجموعة إدارة الأزمات الدولية في تحليله، أن طالبان تسعى إلى مخاطبة الجمهور الدولي، من أجل إضعاف عزيمته، على البقاء في أفغانستان لفترة طويلة، وهي تحاول أي طالبان، أن تثبت تفوقها على المجتمع الدولي.
أما بالنسبة لمخاطبة الجمهور الأفغاني، فإنه لا يقل أهمية لأنهم يحرصون على كسب عقول وقلوب الأفغان، ويعتقد أنهم يتفوقون في هذا الإطار على المجتمع الدولي، ونجحوا في توصيل رسالتهم إلى الأفغانيين والتواصل معهم بشكل جيد.
ويرى أن التحديات التي تتعلق بمبدأ المساءلة واستشراء الفساد في الحكومة الأفغانية، لا ترتبط بمخاطبة الأفغان فحسب، بل تمتد إلى نظام الحكم في أفغانستان.
ويمضي في تحليله لشرح مجريات الميدان، إلى التحولات الجارية في البلد، مشيراً إلى أن طالبان كانت تحرم مشاهدة التلفزيون وسماع الموسيقى والإنترنت، وتصور الأشياء التي بها حياة خلال الفترة التي حكمت فيها أفغانستان، ولكنها حالياً تميل إلى استخدام الآليات ذاتها التي كانت تحرمها في الماضي القريب.

التمدد جنوباً

القضية الأفغانية والتوازنات الداخلية، أصبحت محسومة بين الجنوب والشمال والغرب، أي بين الحدود مع باكستان في الجنوب، والحدود مع دول الاتحاد السوفييتي سابقاً وهي تحت نفوذ روسياً شمالاً، وغرباً حيث إيران.
ويعتقد الباحثون، أنه قبل خروج القوات البريطانية عام 2006 لم يزد عدد عناصر القوات الخاصة في الجنوب عن 500 ولذا لم يكن من المستغرب أن تنتهز طالبان هذه الفرصة لملء هذا الفراغ وترسيخ جذورها هناك وإقامة شبكات في الجنوب، الأمر الذي جعل مهمة الحكومة الأفغانية صعبة للغاية عندما حان الوقت للتحرك ناحية الجنوب.
وحتى الآن سيطرت حركة طالبان على معظم المناطق المتاخمة للدولة الإسلامية الجارة أي باكستان.

باكستان وروسيا
ومحاولات الاستقطاب

يتحدث عدد من الباحثين عن دور باكستان، ويرون أن هذا البلد الجار لأفغانستان، لديه حساباته الخاصة، وترى مجموعة الأزمات الدولية، أن إسلام أباد، تسهم في تعقيد القضية الأفغانية، ومعظم المراقبين يدركون هذا الواقع، فمن الواضح أن المتمردين (إشارة لحركة طالبان)، يجدون ملاذاً آمنا في باكستان، ويعيدون تجميع قوتهم هناك واستخدامها كقاعدة لشن هجماتهم وإدارة الحرب الإعلامية.
وفي الجانب الشمالي، حيث روسيا، تعبر هذه الدولة التي تبحث عن تأمين مجالها الحيوي، أبرز اللاعبين الحاليين في الملف الأفغاني، وهي منذ التوصل لاتفاق انسحاب الولايات المتحدة من كابول، توسع من نفوذها في البلد، وتمد جسوراً، وتسعى جاهدة للعب دور جديد.
وذكر دبلوماسي روسي سابق ومحللون، أن خروج الولايات المتحدة من أفغانستان يمثل صداعاً بالنسبة لروسيا، التي تخشى أن يدفع القتال المتصاعد اللاجئين للفرار إلى فنائها الخلفي في آسيا الوسطى، ويؤدي إلى تسلل المتشددين، بل وقد يثير حرباً في إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابقة.
وتثير الاضطرابات قلق روسيا لأنها تعتبر المنطقة، وهي جزء من الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يُدار من موسكو، خاصرتها الدفاعية الجنوبية ونطاق نفوذ قد تنبع منه تهديدات الإسلاميين المتشددين.
وأوضح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن من غير المرجح أن تتدخل موسكو عسكرياً في أفغانستان، لا سيما وأن ذكريات الحرب الأليمة التي خاضتها في ذلك البلد من 1979 إلى 1989 ما زالت تطاردها إلى الآن.
لكن مصادر رسمية، قالت إن نزوح اللاجئين إلى طاجيكستان سيشكل، إن حدث، تحدياً إنسانياً، خصوصاً وأن طاجيكستان دولة فقيرة يسكنها 9.3 مليون نسمة، وخاضت حرباً أهلية شارك فيها مسلحون إسلاميون من 1992 إلى 1997.
وقد تواجه أوزبكستان وتركمانستان تداعيات أيضا.
وقال فلاديمير فرولوف وهو دبلوماسي روسي سابق رفيع المستوى، «طاجيكستان هي على ما يبدو الأكثر عرضة للخطر، فهي دولة هشة وفي خضم توريث الحكم لابن (الرئيس إمام علي) رحمان».
وأضاف «يكمن الخطر في أن تستغل قوات المتشددين الانقسامات الاجتماعية الحالية والمطالبات اليائسة بالعدالة من أجل إشعال الحرب الأهلية مجددا».
وتوجد أكبر قاعدة عسكرية روسية في الخارج بطاجيكستان قرب الحدود الأفغانية، وتضم نحو ستة آلاف جندي ودبابات وحاملات أفراد مدرعة وطائرات مسيرة وهليكوبتر، ولديها أيضا قاعدة جوية في قرغيزستان المجاورة.
وأبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الطاجيكي رحمان أن موسكو ستساعد دوشنبه في مواجهة أي تداعيات إذا لزم الأمر.
وما زالت أفغانستان ترمز لمشاعر وذكريات أليمة في ضمير روسيا القومي، بعد أكثر من 30 عاماً، عندما أنهى الاتحاد السوفييتي حملته العسكرية هناك عقب مقتل 14 ألفا من مواطنيه.
وقال أندري كورتونوف، رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، وهو مركز بحثي مقرب من الخارجية الروسية، «لا أعتقد أنهم يفكرون في تدخل عسكري مباشر في أفغانستان. إنها قضية حساسة للغاية لكثير من الروس».
وقال كورتونوف إن موسكو تستهدف الحيلولة دون أن تصبح أفغانستان مرتعا للإرهاب الدولي وتقويض دورها كمصدر كبير للهيروين.
ويرى باحثون ومسؤولون، إن خطة روسيا تشمل العمل مع طالبان، واستضافتها في موسكو من أجل محادثات السلام.
ونقلت وكالة «تاس» الروسية للأنباء عن وفد من طالبان يزور موسكو، قوله إن الحركة لن تهاجم الحدود مع طاجيكستان أو تسمح باستخدام أفغانستان قاعدة لشن هجمات على روسيا.
وقال فرولوف «موسكو تراهن على أن طالبان قوة قبلية محلية إلى حد بعيد، وليس لديها بالتالي مصلحة أو طموح لفرض قوتها وسيطرتها خارج حدود أفغانستان».
وأضاف «الرهان هو أن عدم شن الحرب على طالبان (حتى دعائياً) سيؤتي أُكله بالتوصل إلى تسوية مؤقتة مع الحكومة الجديدة في كابول التي تسيطر عليها طالبان».
أما السيناريو الذي تريد موسكو تحاشيه فهو إعادة انتشار قوات حلف شمال الأطلسي في المنطقة. ويكشف المسؤول أن «موسكو وواشنطن دائما ما تلعبان لعبة صفرية في أفغانستان، فالسيء للولايات المتحدة جيد لروسيا والعكس صحيح».

إيران: عينها على شيعة أفغانستان واستمالة طالبان

يرى الباحث فرزين نديمي الزميل المشارك في معهد واشنطن، أن القادة الإيرانيين يحرصون على حماية المكونات المسلمة الشيعية (وبالتالي السيطرة عليها) في أفغانستان، خاصة الآن بعد أن استولت حركة «طالبان» السنية على أول مدينتين شيعيتين لها في محافظة باميان.
وعلى الرغم من صعوبة تحديد المعطيات الخاصة بالطائفية في أفغانستان، إلّا أن ما يقدر بنحو 15 إلى 29 في المئة من السكان هم من الشيعة (معظمهم من الطائفة الإثنا عشرية التي تهيمن على الجمهورية الإسلامية، ولكن أيضاً بعض الشيعة الإسماعيلية).
وتشير الخرائط الإثنوغرافية، إلى أن هؤلاء الشيعة يتركزون إلى حد ما في وسط البلاد، وتتواجد جيوب أصغر في الشمال والغرب (خاصة في هرات) والجنوب الغربي، ويشار لهذه المكونات أحياناً (الهزارة).
وترى الدول الغربية المعنية بالملف الأفغاني، بجدية في إمكانية أن تتصور طهران تطبيق النموذج السوري أو العراقي في أفغانستان، ربما باستخدام الميليشيات الوكيلة لإنشاء ملاذ آمن للشيعة في محافظة هرات وأماكن أخرى.
وبمرور الوقت، يمكن أن تنتج مثل هذه الاستراتيجية قوة عسكرية قوية تدعمها إيران بالتوازي مع قوات الأمن الأفغانية، ويشبه ذلك إلى حد كبير ما حدث مع «الحشد الشعبي» العراقي.
ويعبر مراقبون من خشيتهم أن يتحول التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، نحو اختلاق رجات ارتدادية في أفغانستان، ويرجح خبراء أن تكون – بحكم الجغرافيا وخصوصية العلاقات الثنائية – في مرمى حمم ثوران بركان واشنطن وطهران.
ويرى أحمد سعيدي الخبير السياسي الأفغاني، أن طهران لديها نفوذ وتأثير في أفغانستان، سواء على الحكومة أو حركة طالبان وحتى على الشعب الأفغاني.

فرع الدولة الإسلامية

كشف أعضاء في فرع لتنظيم الدولة الإسلامية قرب الحدود الأفغانية الباكستانية ومسؤولون أفغان، إن الفرع يعمل على مد نفوذه إلى مناطق جديدة وتجنيد مقاتلين جدد وتوسيع نطاق عملياته في المنطقة.
وكشف بعض أعضاء الفرع المسمى «ولاية خراسان» إن التنظيم يقف وراء الهجوم الأخير على ضريح صوفي في باكستان الذي أسفر عن مقتل 90 شخصاً، وإن مسلحين من التنظيم هم المسؤولون عن قتل ستة من العاملين في مجال الإغاثة في شمال البلاد بعيدا عن معقلهم في شرق أفغانستان.
وتحوم الشبهات حول التنظيم في عدة هجمات على أهداف للأقلية الشيعية في أفغانستان كما أن التفجير الانتحاري الذي وقع في شباط/فبراير شباط بالضريح الباكستاني كان يحمل بصمات التنظيم.

الحل الدبلوماسي

يؤكد المتابعون للملف الأفغاني أن وضع نهاية وحد للصراع الدموي في البلد الذي سجل حروباً طاحنة داخلية، وخارجية، لن يكون سوى سياسي، وعبر تنازلات مختلف الأطراف.
ويعول كثيرون على ما ستتمخض عنه محادثات الدوحة، وترجمة لبيانات اجتماع الأطراف المعنية، من حلول واقعية، تضمن السلم والأمن في أفغانستان، التي ظلت عبر التاريخ عصية على أي غزو. ويؤكد الجميع أن الحل لابد أن يكون أفغانياً، حيث اقتنع الجميع أن الحوار هو السبيل الوحيد والأوحد لنهاية الأزمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية