الدوحة ـ«القدس العربي»: تشهد العاصمة القطرية الدوحة تحرّكات دولية وإقليمية مكثفة، للدفع نحو تحقيق السلام في أفغانستان، وإنهاء العنف والاقتتال بين حركة طالبان والحكومة، مع محاولات حثيثة تبذلها مختلف الدول المعنية لنزع فتيل الأزمة.
وانطلقت مؤخراً، سلسلةُ اجتماعات الترويكا الدوليّة حول أفغانستان، لبحث آخر تطوّرات الملف الشائك، في ظل التحولات الأخيرة المتسارعة على الأرض.
وتأتي المحادثات وسط هجمات وتقدم لافت لحركة طالبان، في محاور عدة في أفغانستان، وسيطرتها على مراكز حدودية ومناطق محورية في البلاد.
وتطالب الأمم المتحدة من سمّتهم أصحاب القرار، باستخدام نفوذهم لإنهاء القتال وجمع الفرقاء إلى طاولة الحوار.
واختتم الوفد الحكومي الأفغاني، برئاسة رئيس اللجنة العليا للمصالحة عبد الله عبد الله، اجتماعاته مع وفود الدول المُشاركة في الاجتماع الدولي الموسع، لينضمّ بعد ذلك وفد من حركة طالبان إلى الاجتماع.
حتى الآن لم تتضح مخرجات اللقاءات والاجتماعات، التي تتم خلف أبواب مغلقة، مع رغبة تحذو الأطراف الراعية للمفاوضات للتوصل لتفاهمات تنهي الصراعات في كابول.
وتحتضن دولة قطر اجتماعات موسعة، لمجموعة من الدول، من بينها روسيا والولايات المتحدة، بهدف حشد الدعم والتوافق الإقليمي والدولي لتحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان.
الآمال معقودة على اجتماعات الدوحة
يؤكد الباحثون والمتابعون للشأن الأفغاني، أن الأطراف الدولية المعنية بالملف، تلعب أوراقها الأخيرة في سبيل نزع فتيل الأزمة، وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء.
وأكد الدكتور أنتوني ريفيز، عضو فريق الخبراء بالأمم المتحدة سابقاً بأفغانستان وأستاذ العلوم السياسية بجامعة إلينوي وعضو مجلس شيكاغو للشؤون الخارجية والسياسة الدولية في تصريح صحافي، أن الدوحة تشهد خطوات كبيرة لدفع مفاوضات السلام الأفغانية بين ممثلي الحكومة الأفغانية وحركة طالبان لرسم مستقبل أفغانستان بعد انسحاب القوات الأمريكية.
مفاوضات الفرصة التاريخية
وجددت قطر دعمها للأشقاء في أفغانستان في مساعيهم نحو ترسيخ السلام والأمن والاستقرار والتنمية، وأنها ستواصل سعيها في دعم كل الجهود مع الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين، مؤكدة أن مساعي دولة قطر المخلصة لدعم عملية السلام في أفغانستان هي انعكاس لسياستها الخارجية الراسخة التي تولي أهمية لتسوية المنازعات بالسبل السلمية والوساطة والتعاون الدولي، بما في ذلك التعاون مع الأمم المتحدة.
واعتبر ريفيز استئناف المفاوضات الحالية بأنها مفاوضات الفرصة التاريخية، التي يسعى الوفد الحكومي الأفغاني رفيع المستوى في تحقيق النتائج المرجوة منها، بصورة أكثر إنجازاً من وتيرة العشرة أشهر الماضية، والتي لم يتحقق فيها ما كان متطلعاً إليه من نتائج. وينبه في تحليل جديد أصدره، أنه مع استمرار تدهور الأوضاع بأفغانستان، الأمر الذي يعزز أهمية استئناف مفاوضات الدوحة الرئيسية هذه المرة في تحقيق نتائج يتطلع لها الفرقاء الأفغان والمجتمع الدولي.
وضم الوفد الأفغاني رفيع المستوى بقيادة رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية عبدالله عبدالله، بصلاحيات كاملة من الحكومة الأفغانية إلى جانب وزير الدولة لشؤون السلام سيد سادات نادري، ونائب الرئيس السابق كريم خليلي وعطا محمد نور رئيس فصيل الجمعية الإسلامية وكبير المفاوضين معصوم ستانكزي وسلام رحيمي وفاطمة جيلاني.
كما أكد جيم باريجون المستشار السابق والأكاديمي بكلية الحرب الوطنية في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» وعضو برنامج الأبحاث الأمنية بمركز السياسة الدولية بجامعة فيلادلافيا، والزميل غير المقيم بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، والخبير بالشؤون العسكرية والإستراتيجية بمركز الدراسات والأمن في أحدث تحليل له، أن الأنظار الدولية تتوجه مرة أخرى إلى الدوحة في اجتماع الترويكا الموسعة أو ترويكا أفغانستان والتي تشمل (روسيا والصين والولايات المتحدة وباكستان) خاصة مع التدهور العسكري الكبير في المشهد الأفغاني، وضعف قدرة العناصر الأمنية الأفغانية على الصمود أمام التوسع العسكري الكبير لحركة طالبان، فيما يشبه سيناريو حصار حول العاصمة كابول.
وهو ما عجل الدبلوماسية الدولية لاجتماع طارئ وحاسم من أجل الضغط المباشر على الأطراف الأفغانية، من أجل الوصول إلى تسوية سياسية ووضع خريطة طريق جديدة للمشهد الأفغاني.
وأكدت العواصم الغربية على أهمية اللقاء باعتباره مرحلة مهمة في جهود تحقيق الاستقرار بأفغانستان.
ودفعت التطورات الجارية لأن ترفع الأمم المتحدة راية الخطر المحدق، والكارثة الإنسانية، جراء توسع عمليات استهداف المدنيين، والفرار من مناطق النزاع، بأعداد مهولة.
ودفعت التطورات الميدانية، إلى تحريك أذرع الدبلوماسية الدولية للضغط من أجل تسوية النزاعات ووضع حد لأعمال العنف، وتتطلع الآمال الدولية الداعمة لمفاوضات السلام لاجتماع الترويكا الموسعة في الدوحة من أجل حسم الخلافات وتحقيق غايات الشعب الأفغاني في الاستقرار والتنمية.
وكان وفد الحكومة الأفغانية ووفد حركة طالبان توصلا لاتفاق على بيان ختامي مشترك لمفاوضاتهما الجارية في الدوحة بوساطة قطرية، على أن يعقدا اجتماعاً آخر قريبا ضمن مسار الدوحة، واتفق الطرفان على الإسراع بالمفاوضات لإيجاد تسوية عادلة للصراع الدائر في أفغانستان منذ عقود.
ونص البيان المشترك لوفدي الحكومة الأفغانية وطالبان على الاتفاق على الإسراع بالمفاوضات من أجل التوصل لحل عادل، على أن تتم على مستوى رفيع حتى تتم التسوية، واتفق الطرفان على ضرورة التوصل لتسوية تلبي مصالح الأفغان وفق المبادئ الإسلامية، فضلا عن تقديم المساعدات الإنسانية في جميع أنحاء أفغانستان.
طالبان تكثف هجماتها
كثفت حركة طالبان من هجماتها في محاور عدة، وهددت بالإطاحة بالحكومة واقتحام العاصمة إذا لم يتم التوصل لحل سياسي، وتركزت أبرز هجمات الحركة في الساعات الأخيرة على مزار شريف. وقال المتحدث باسم حركة طالبان إن الحركة ستقتحم المدن الأفغانية بما فيها كابل للإطاحة بالحكومة إذا فشلت المفاوضات.
وأضاف أن الحركة تتوقع أن تكون هناك تسوية سياسية قبل أن تصبح الحرب أكثر فتكا.
اتفاق تاريخي ينهي الصراع
وأشادت كل من السلطات الأفغانية، وحركة طالبان، بالجهود التي بذلتها قطر لإحلال السلام، في البلد الذي يعاني منذ 40 سنة اضطرابات وصراعات داخلية وخارجية.
وتستضيف قطر منذ 12 أيلول/سبتمبر الماضي جولة مفاوضات، بعد أن تكللت الجهود الدبلوماسية التي بذلتها مع الولايات المتحدة بتذليل العقبات التي كانت تحول دون انطلاق مفاوضات السلام الأفغانية.
ووقع في 29 شباط/فبراير 2020 اتفاق إحلال السلام في أفغانستان، برعاية دولة قطر، بحضور الدكتور خالد بن محمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الدفاع، والشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، ومايك بومبيو وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، والملا عبد الغني برادر نائب الشؤون السياسية ورئيس المكتب السياسي لحركة طالبان الأفغانية، وعدد من قادة طالبان.
وشمل الاتفاق انسحاباً تدريجياً للقوات الأمريكية، إضافة إلى إطلاق حوار أفغاني أفغاني.
وأنهى الاتفاق حربا في أفغانستان دامت 19 سنة، شهدت خلال هذه الفترة آلاف القتلى من المدنيين إضافة إلى الجنود الأمريكيين.
واستغرق التوصل لهذا الاتفاق أكثر من سنة من المفاوضات المكثفة في الدوحة، وكابول، وفي عواصم عدة أخرى.
ووصفت تلك الخطوة بأنها مهمة نحو إنهاء أطول حرب أمريكية، ولبدء العملية التي يأمل الأفغان في أن تضع حدا لصراع مدمر استمر لأكثر من أربعة عقود.
وحتى الآن تحاول المفاوضات إنهاء أربعة عقود من الصراع والمواجهات الداخلية والخارجية في أفغانستان، وكذلك الاتفاق على شكل السلطة في البلد، والمشاركة السياسية لمختلف أطياف الشعب الأفغاني.