ظاهرةٌ صحِّية، في زمانٍ غير صحِّي، أن نتذكَّر غيابَ المشاهير في مجالات شتى: في مجالات غير السياسة التي أُتخِمَ أصحابُها مدحاً أو قدحا ًفي حياتهم، فلم يتركوا ما يقال بعد غيابهم إلاّ قليلاً من هذا الكلام أو ذاك.
يلاحظ المرء شدّة اهتمام وسائل الإعلام منذ شهور أو يزيد بأخبار الراحلين من كبار شعرائنا المعاصرين. الحديث عن شاعر فلسطين محمود درويش لا يكاد يغيب في هذه الصحيفة أو المجلة إلاّ ليعود في غيرها بعد أسبوع أو أكثر. ومثل ذلك الحديث عن شاعر العراق عبد الرزاق عبد الواحد، الذي غنّى لحبّ الوطن ما لم نجد مثله أو ما يقارب منه عند أي شاعر عراقي أو عربي معاصر، على الرغم من بعض اللمَزات غير الكريمة التي وصفته باسم شاعر البلاط. نجد تسجيلات المقابلات التلفزيونية تتكرّر وتتناول جوانب مختلفة من حياة هذا الشاعر أو أعماله. أما الأحاديث وتسجيلات المقابلات التلفزيونية مع آخر شاعرات العراق المعاصر، لميعة عباس عمارة، فهي من الكثرة بحيث أثارت كثيراً من التساؤلات: لماذا لم نجد هذا الاهتمام الكبير بالشاعرة المبدعة لميعة قبل رحيلها عن عالمنا في 18/6/2021؟
تعرّفتُ على لميعة أول مرّة في عام 1948 يوم التحقتُ بدار المعلمين العالية لدراسة الأدب الانكليزي في الكلية الوحيدة في ذلك الزمان. كانت لميعة في سنتها الثالثة بقسم اللغة العربية وفي صفّها من الشعراء عبد الوهاب البياتي وشاذل طاقة، وكنتُ أنا أرافق شعراء الدار وأولهم عبد الرزاق الذي كان في السنة الأولى بقسم اللغة العربية. كانت لميعة علامةَ بارزةً في صفِّها وفي الكليّة، فتاة أنيقة باحتشام، شديدة التهذيب، مُشرقة الابتسام، سريعة الاستجابة لأية نُكتةٍ عابرة. ولم نكن نعرف أنها شاعرة إلاّ بعدأن بدأت تظهر في القاعة الكبرى بالكلية، الساعة العاشرة من يوم الخميس حيث يتبارى شعراء الدار في تقديم قصائدهم.
كانت لميعة ذات جاذبيةٍ خاصة استهوت جميع شباب الدار، بمن فيهم الفنان الكبير جواد سليم الذي كان يشرف على»مرسم العالية» والذي استطاع أن يقنِعها بأن يرسم لها صورة شخصية رائعة، بقيت تزيِّن مكتبة أستاذي المرحوم جبرا إبراهيم جبرا، إلى أن عَبثت بها وبالدار جائحةٌ لم تبقِ ولم تذَر.
كان شاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب قد تخرّج في الدار عام 1948 إذ كانت لميعة في سنتها الثالثة ولا شك أنه كان مُعجباً بها مثل كثير من شباب الدار. وأبرز أولئك المُعجَبين بالشاعرة جماعةٌ صغيرة من «طلاب البعثات العربية» وهم من شباب سوريا ومن رهط كبيرهم الذي علّمهم السحر: سليمان أحمد العيسى، الذي كانت قصائده حاضرةً في كل مناسبة: قصائد في الحب مؤطّرة بالوطنية والشعور العربي الغامر: قصائده مقطّعات من أشطر متلاحقة تلتزم الوزن والقافية في الشعر التراثي وتنتهي بشطرين من لحن العروبة:
هذا هوايَ ولن أفنى به شَغَفا
مهما استبَدَّ ومهما في دمي عَصفا
قد كان حَسبيَ لولا أنّ لي هَدفا
عاهدتُ يو ماً عليه النُبلَ والشَرفا
حسناء قد سارت الدنيا وقد وَقفا
شعبي تُمزِّقُه أطماعُهم شُعَبا
فهل تلومينَ ذا روحٍ إذا غَضِبا
وفي مقطعٍ لاحِق يختتم بهذين الشطرين:
أأستحيلُ كغيري نحوَه خَشبا
وأُسخِط ُالله والتاريخ َوالعَرَبا؟
وهؤلاء الشباب السوريون، مثل سليمان، عُشّاقٌ بالطبيعة، كانوا يقفون بمحاذاة الحديقة الوسطى يترقّبون مرور الطالبات نحو المطعم لتناول الفطور. كان أكثرهم جرأةً في «التحرّش المؤدب» طالبٌ اسمه أحمد إبراهيم على ما أتذكر يتميز بشَعره القصير «نمرة صفر تقريبا» يوم كان الشباب يستعملون»بريلكريم» على الشعر الطويل على رؤوسهم. يبدأ أحمد إبراهيم مغرِّدا مع اقتراب أول مجموعة من الطالبات:
قِف بدارِ المُعلِّمين ونادِ يا لطيفَ الجمالِ في بغداد
وتَرقَّب مجيئهنَّ صباحاً ولتكُن حاضراً على استعداد
وتمُرّ طالبات من قسم الانكليزية فيستأنف الشاعر الهيمان:
أنا في قسم الاجتماع مُقامي وفؤادي في الانكليزي فؤادي.
وقد تحوّل قسم الإجتماع لاحقاً إلى قِسمَي التاريخ والجغرافيا.
ثم تمُرّ لميعة تتهادى في مشيها، مَرّ السحابةِ لا رَيثٌ ولا عَجَلُ، مثل هُرَيرَة في مُعلّقة الأعشى. لكنها لا تلتفت إلى أحدٍ في سيرها نحو المطعم، ولا تُلقي تحية الصباح على أحد. فينتفض الشاعر باللهجة السورية الجميلة:
ماذا جرى لك يا لميعة حتى انتهيتِ إلى قطيعة
لو عُدّتِ الغيدُ الحسان لكنتِ حتماً في الطليعة
ولا يحصل الشاعر إلاّ على «أوي!» زاجرة، لكنه لا ينزَجر بل يتابع:
أنا يا لميعةُ إن عَشِقتُ فإن عاطفتي فظيعة
لقد أبدعت لميعة في نظم الشعر بالقالب التراثي كما في شعر التفعيلة الذي يلتزم الوزن والقافية دون الالتزام بعدد التفعيلات في البيت الشعري التراثي؛ وبذلك تكون من شعراء الحداثة في العراق والعالم العربي. وشعر لميعة في قصائد الحب لا يبتعد عن نبرة حب الوطن على امتداد مسيرتها التي لم تتوقف في مُغترَبها الاختياري في سانتياغو في كاليفورنيا:
هَلا، وعيوني، بلادي هَواها وأحلى القِرى في الوجودِ قِراها
وثمة ناحية مُهمة في شعر لميعة لم يلتفت إليها الكتّاب كثيراً وهي قصائدها بالعامية العراقية التي لا تقصِّر في الرقَّة والجمال عن قصائدها بالعربية الفصيحة. وهذا ما يذكِّرني دائماً بما فعل دانتِه آليغييري في كتابه» فصاحة العامية» في القرن الرابع عشر إذ بيّن أن عامية اللاتينية التي صارت تدعى اللغة الإيطالية لا تقصِّر في التعبير عن اللاتينية الفصيحة، وقد كتب بها أهم قصيدة في العصور الوسطى الأوروبية» الكوميديا الإلهية».
وكتابة الشعر بالعامية العراقية كما تفعل لميعة ممكن أن يقف إلى جانب شعرها بالعربية الفصيحة ويعادله بالفصاحة والجمال. ويمكن للنوعين من الشعر الاستمرار في الإبداع في يد الشاعر المبدع. ولننظر إلى الشعر بالعامية اللبنانية، كما في أغاني فيروز، في مساره إلى جانب الشعر بالعربية الفصيحة من أعمال شعراء لبنان. ولننظر كذلك إلى الشعر بالعامية المصرية، كما في شعر أحمد فؤاد نجم، إلى جانب الشعر بالعربية الفصحى في مصر. لكن ليس من عاقل يريد أن يقوم الشعر بالعامية مقام الشعر بالعربية الفصيحة. ترى لميعة أن كلّ كلمة حتى لو كانت عامّية ممكن أن تكون شعرية بيد الشاعر القدير. لقد سبق لي الإشارة إلى كلمة «بصل» التي أصبحت شعرية بيد لميعة، مثل الاسم الأعجمي شهرزاد، وصفة «لوفات» الانكليزية في وصف الحليب منزوع الدسم:
وليفي من ورا الطوفة أبص له أريده لو على خبزة وبصله
نَعنتَ الله علَبوالواشي وَبَصله فرَق روحين يَنجانن سوية
ولفظ القاف والجيم مُعجمةُ كذلك.
ويصدق هذا الكلام على شاعر من وزن نزار الذي طوّع المفردات العامية أو «غير الشعرية» أو بعض ما يشبه حوشي اللفظ في صيَغ الأفعال وصارت «الجورب» في يده شعرية:
شارعُنا أنكرَ تاريخَه/ والتفّ بالعِقد وبالجَورَبِ…
قبِلنا علي مضض قول طرفه بن العبد:
فإن كنتَ لا تسطيع دفع مَنيَّتي فدَعني أبادِرها بما مَلكَت يدي.
ولكن»تسطيع» هذه أصبحت سائغةً شعريا في قصيده نزار:
«سامبا»
لا مفَرُّ /لستَ تَسطيعُ خلوصا / أكَلَ النَهدُ القميصا/ فهو جَمرُ.
وبعد هذا كلِّه هل يمكن لحديث الشعر والشعراء أن ينتهي؟