لندن – «القدس العربي»: استهل المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي ولايته الثانية في القيادة الفنية لريال مدريد، بمواجهة ديبورتيفو ألافيس في آخر ساعات أمس السبت في افتتاح حملة الدوري الإسباني 2021-2022، بآمال وطموحات كبيرة لإعادة النسخة البراقة المعروفة عن النادي الأشهر عالميا، بعد الهبوط الواضح في المنحنى والنسق في السنوات الثلاث الماضية، بصورة مغايرة لما كان عليه اللوس بلانكوس في سنواته الخوالي في ذروة جيل «العاشرة»، الذي توج بكأس دوري أبطال أوروبا 4 مرات في الفترة بين عامي 2014 و2018.
تجديد الدماء
بالنظر إلى الأسباب الجوهرية، التي تسببت في معاناة الميرينغي في فترة ما بعد هدافه التاريخي كريستيانو رونالدو، سنجد أن أبرزها الشيخوخة الكروية التي ضربت جُل نجوم جيل «العاشرة»، وبالتبعية تأثرت المنظومة الجماعية بالإصرار على اللعب بأكثر من ستة أو سبعة لاعبين تخطوا حاجز الـ30 عاما، وذلك في الوقت الذي تتسابق فيه أندية البريميرليغ لتدعيم صفوفها بأغلى وأفضل نجوم العالم، لمواكبة التحول الكبير في موازين القوى، بالصعود الصاروخي للثنائي الثري باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي. والحل للتغلب على هذا الصداع، هو المضي قدما في سياسة «تجديد الدماء» حتى بعد التخلي عن سيرخيو راموس ورافاييل فاران، وذلك بعدم المبالغة في الاعتماد على ثنائي الوسط توني كروس ولوكا مودريتش، طالما أراد النادي الإبقاء عليهما، وهذا لن يحدث إلا بإعطاء المزيد من الثقة والدقائق لرجال الغد داني سيبايوس ومارتن أوديغارد، في ظل صعوبة اقتحام الميركاتو الصيفي لشراء لاعب بمواصفات وطموحات تتماشى مع الريال، رغم وجود فرص متاحة من نوعية الفرنسي بول بوغبا، المحتمل رحيله عن مانشستر يونايتد قبل غلق نافذة انتقالات اللاعبين، وهذا يرجع لتركيز بيريز ومجلسه المعاون على الهدايا المجانية والصفقة «السوبر» الوحيدة التي يستهدفها هذا الصيف، لعدم الإخلال باقتصاد الكيان بعد النجاة بأعجوبة من خسائر كورونا الفادحة، أما إذا سار كارليتو على نهج تلميذه زين الدين زيدان، ببناء مشروعه على الأسماء التي تشبعت بالبطولات وتجاوزت فترة الانفجار الكروي من دون دمج حقيقي مع المبدعين الجدد، فلن يخرج الملكي من الدائرة المغلقة، وسيبقى بنفس الصورة المتذبذبة التي يبدو عليها في المواسم الثلاث الماضية، بما في ذلك موسم الفوز بالثنائية المحلية «الليغا والكأس السوبر».
الصبر ونقطة الضعف
واحدة من أهم الأشياء التي يحتاج إليها أنشيلوتي في المرحلة القادمة، الحصول على دعم وثقة الجماهير، خاصة في الأوقات الصعبة المتوقع أن يمر بها مع أول تعثر، أو إذا تأخر اللاعبون في الاستجابة إلى أفكاره وتطبيقها على أرض الملعب، وسيكون في برج حظه إذا اكتمل الواجب الجماهيري، بالصبر على النتائج والأداء، إلى أن تظهر بصماته ويحين وقت جني الثمار. وفي كل الأحوال، هذا لا يمنع حقيقة، أن الريال في أمس الحاجة لمعالجة نقطة ضعفه الأكثر وضوحا من قبل، بعد رحيل راموس وفاران، بعدم وجود بدلاء على نفس مستوى الثنائي الأساسي، فما بالك بعد رحيل الاثنين دفعة واحدة، وذلك بدون أن توقع الإدارة مع بدائل، على أساس أن الوافد الجديد ديفيد ألابا، سينوب عن القائد التاريخي أو الأنيق الفرنسي بجانب واحد من الثلاثي إيدير ميليتاو وناتشو وخيسوس فاييخو. وبالنسبة للمشجع المدريدي، فهو يُدرك ويفهم جيدا قبل العدو والغريم، أن هذه الخيارات المتاحة في خط الدفاع، يصعب الاعتماد عليها على مدار موسم، لفارق الخبرة والجودة بينهم وبين راموس وفاران، فيما ستكون أشبه بالمقامرة من قبل بيريز ومجلسه المعاون، لخطورة بدء الموسم بهذا النقص العددي المفزع في مركز قلب الدفاع، من دون التفكير في العواقب الوخيمة لحدوث أي إصابة للمدافعين الحاليين، معها سيواجه نفس مصير ليفربول بعد فقدان فيرجيل فان دايك وجو غوميز في بداية الموسم، لذا لا بديل أمام أنشيلوتي سوى التشديد على دعمه ولو بقلب دفاع يمكن الاعتماد عليه، وإلا سيستفيق على الكابوس في منتصف الموسم، أو بالأحرى في فترة ضغط وتلاحم المباريات المحلية مع الأجندة الدولية.
إنقاذ المترنحين والجواهر
وسط هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الريال في الوقت الراهن، سيضطر أنشيلوتي لتقليب «الدفاتر القديمة»، على أمل أن يعثر على «روشتة» إعادة الحياة للنجوم الذين يتقاضون الملايين من دون أن يستفيد منهم النادي، والحديث عن المنبوذ غاريث بيل، العائد من إعارته الجيدة مع توتنهام، وشريكه في رحلة إدمان الانتكاسات بالقميص الأبيض إيدين هازارد، الذي يصنفه الجمهور والإعلام المدريدي، كواحد من أسوأ الصفقات التي أبرمها النادي في كل العصور، للطريقة التي استسلم بها للعنة الإصابات، والتي ترتب عليها ابتعاده عن التدريبات الجماعية في أغلب الأوقات، منذ ضمه من تشلسي قبل عامين مقابل 100 مليون يورو. وبطبيعة الحال، إذا فعلها كارليتو، ونجح في تحرير أغلى لاعبين في تاريخ ريال مدريد من الضغوط الإعلامية والجماهيرية، سيكون قد نجح في إبرام صفقتين من العيار الثقيل، أو في أقل الاحتمالات والتقديرات، سيقلل من الهبوط الصادم في القيمة السوقية لقائد المنتخب البلجيكي، وهو أشبه بما فعله رونالد كومان مع برشلونة، بإحياء قيمة وثمن الثنائي الفرنسي عثمان ديمبيلي وأنطوان غريزمان، بخلاف الاستفادة الفنية والتكتيكية في الثلث الأخير من الملعب، بالعثور على حلفاء وداعمين حقيقيين للمتوهج كريم بنزيما أمام المرمى، بدلا من معاناته مع «أنانية» فينيسيوس جونيور وتذبذب مستوى مواطنه رودريغو غوس من فترة لأخرى. أو قد ينجح الميستر في ما عجز عنه زيزو، بتفجير طاقة الثنائي البرازيلي، لما لديه من خبرة وكاريزما وتجارب سابقة في كيفية تحفيز النجوم المترنحة والجواهر الثمينة.
غالاكتيكوس العقد
بالإضافة إلى كل ما سبق، سيتعين على أنشيلوتي وبيريز، تلبية مطالب وضغوط الجماهير، بالحفاظ على عادة «الغالاكتيكوس»، التي ابتدعها بيريز في بداية صعوده على الساحة، حين وعد شعب ريال مدريد بنقل أفضل وأشهر لاعب في العالم عام 2000 لويس فيغو من برشلونة إلى معقل الميرينغي، إذا فاز بالانتخابات الرئاسية، ولأنها لم تكن مزحة، نفذ وعده مع وكيل أعمال النجم البرتغالي في صفقة هزت الرأي العام العالمي آنذاك، وتبعها بسلسلة الصفقات التي شكلت حجر أساس جيل «الغالاكتيكوس» الأول، أبرزهم زين الدين زيدان وديفيد بيكهام ورونالدو الظاهرة ومايكل أوين وباقي الأسماء التي لا ينساها عشاق النادي، وبالمثل مع جيل «العاشرة»، الذي بدأ العمل عليه باستقطاب كريستيانو رونالدو وريكاردو كاكا والأسماء الأخرى التي صنعت التاريخ مع أنشيلوتي وزيدان في ولايتهما الأولى، والآن يشعر المشجع المدريدي العادي، أنه حان وقت إنفاق المال لشراء «الغالاكتيكو»، الذي سيبني عليه أنشيلوتي جيل «الرابعة عشرة»، وفي نفس الوقت، سيحفظ للنادي صورته المحفورة في الأذهان والمفضلة بالنسبة للإدارة، بامتلاك ولو لاعب فائز بالكرة الذهبية. وبالنسبة لكيليان، فكل المؤشرات تظهر أنه المرشح الأول في السنوات القادمة لتسلم إرث رونالدو وميسي مع الجوائز الفردية المرموقة، هذا على المدى البعيد، أما في الوقت الراهن، ستكون بمثابة الصفقة «الإعلامية المثالية»، التي يبحث عنها القرش الأبيض والريال بأكمله، ليثبت بشكل عملي أنه ما زال قادرا على شراء أغلى وأفضل اللاعبين، حتى بعد اتساع دائرة الأثرياء في وجود باريس والسيتي والبلوز، كأفضل دفعة معنوية لأنشيلوتي وفريقه لرفع سقف مستوى الأهداف والطموحات في نهاية الموسم، إلا إذا فشلت كل المحاولات وأصر رئيس النادي الباريسي ناصر الخليفي على بقاء اللاعب لنهاية الموسم، وهو السيناريو المرجح، بعد الترويج الكبير لصورة قميصه مع نيمار والوافد الجديد ليونيل ميسي، كإشارة إلى تسلح «بي إس جي» بالثلاثي الناري لنهاية الموسم على أقل تقدير. فهل ستسير الأمور كما يخطط لها أنشيلوتي وينجح في مهمته بإعادة بريق وهيبة الملكي؟ أم سيدفع ثمن سياسة التقشف المفروض عليه حتى هذه اللحظة؟ دعونا ننتظر.