طالبان تقترب من حسم المعركة في كابول وبايدن يواجه لحظة سايغون الجديدة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

يراقب العالم بدهشة التقدم الذي حققته حركة طالبان ومواصلتها السيطرة على البلاد، وهو تقدم يذكر بخروجها السريع عام 1996 ردا على غطرسة أمراء الحرب الذين تغولوا على الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد. في ذلك الوقت كانت حركة طالبان مجرد مجموعات من طلاب المدارس الدينية الذين اندفعوا بحماس ضد المؤسسة الحاكمة وتوجوا انتصاراتهم بالسيطرة على كابول.
مضى أكثر من عقدين على الإمارة الإسلامية التي انهارت تحت القصف الأمريكي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 وبدأت واشنطن نظاما سياسيا وعسكريا اعتقدت أنه يستطيع تجاوز ذكريات تلك الإمارة.
لكن الأيام الأخيرة أدهشت الأفغان أنفسهم، فتساقط عواصم الولايات واحدة بعد الأخرى دفع الحكومتين الأمريكية والبريطانية لإرسال آلاف الجنود إلى كابول، لحماية مصالحهما وإجلاء الموظفين، وليس تقديم الدعم لحكومة أشرف غني التي تواجه أزمة في قواتها التي تفقد السيطرة على الموقف، إما بسبب تدني المعنويات أو انقطاع خطوط الإمدادات نظرا لسيطرة حركة طالبان على المداخل الرئيسية للمدن والمعابر الحدودية. وبعد قندهار ثاني المدن الأفغانية وهيرات ولاشقر غا في ولاية هليمند، تقول طالبان إنه لم يعد يفصل بينها وبين العاصمة كابول سوى 70 كيلومترا. وكتب محرر مجلة «لونغ وور» بيل روجيو: «تركز طالبان الآن على الشرق والطريق إلى كابول» وهو ما «يعلم نهاية اللعبة». ويحدث هذا وسط تساؤلات عن قدرة القوات الأفغانية التي أنفقت عليها الولايات المتحدة 88 مليار دولار، تدريبا وتسليحا. وما بين إعلان الرئيس جوزيف بايدن في 13 نيسان/إبريل و10 آب/أغسطس ضاعفت حركة طالبان من عدد الولايات التي أصبحت تحت سيطرتها. وفي غضون أسبوع واحد سيطرت الحركة على عدد كبير من الولايات، وهو ما دعا غني في 11 آب/أغسطس لعزل وزير دفاعه. وكانت هناك آمال في قيام الحكومة بقواتها التي تبلغ نظريا، ضعف قوات طالبان، وقف تقدم الحركة. وبدلا من هذا زادت تقييمات المخابرات الأمريكية حول بقاء نظام غني قتامة، فالعاصمة قد تحاصر وتقطع خطوط الاتصال إليها في شهر، وقد تسقط حكومة غني في مدى 90 يوما. وهذا قبل يومين من سقوط قندهار وهيرات، وهو ما يفسر إرسال آلاف الجنود الأمريكيين إلى كابول وقطر والكويت. وكانت واشنطن ولندن تتوقعان خروجا منظما من أفغانستان وألا تصل هذه الأمور إلى الحالة التي تعيد صور المروحيات الأمريكية على ظهر السفارة الأمريكية في سايغون عام 1975 وكذا الإنسحاب البريطاني من أفغانستان. وكانت كابول في الفترة ما بين 1928 – 1929 ميدانا لأول عملية إجلاء جوي حيث تم نقل الطاقم الدبلوماسي بكامله على متن سلاح الجو الملكي البريطاني فوق جبال هندوكوش هربا من الانتفاضة القبلية. والغريب في الأمر أن بايدن، قلل في 8 تموز/يوليو من أهمية التكهنات التي ذكرت بما حدث في فيتنام عام 1975 «لن تحصل ظروف سيتم فيها إجلاء أشخاص من على ظهر السفارة». وهذا لم يمنع الأفغان الخائفين من عودة طالبان التدفق نحو مطار كابول الدولي هربا إلى طشقند ودلهي وطهران واسطنبول. لكن هؤلاء هم من يملكون المال والصلات وحصلوا على التأشيرات، في وقت امتلأت فيه حدائق كابول بالأفغان الفقراء الذين فروا من قندوز وتاكر وغيرها من المناطق، وشهد العام الحالي هجرة 390.000 أفغاني. وترى مجلة «إيكونوميست» (13/8/2021) ان تقدم طالبان الخاطف جاء بسبب خيبة الأمل وعجز الحكومة وقواتها المسلحة، فقد استسلم حاكم غزني، جنوب- شرق، داوود لاغمني لطالبان بدون قتال. أما حاكم فرح في جنوب- غرب البلاد فقد استسلم ثم فر إلى إيران. وفي هيرات دخل مقاتلو طالبان إلى مقرات الفرقة 207 مثل الضيوف وشربوا الشاي بمعية قادة القبائل. وغنمت طالبان مدرعات ومروحيات خلفتها القوات الأفغانية الهاربة.

المهمة الصعبة

ويواجه غني وضعا كئيبا كما الحكام السابقين، ومن أجل وقف تقدم طالبان لجأ الرئيس إلى أمراء الحرب وسلح الميليشيات، ومع تقدم الحركة وسيطرتها على المعابر الحدودية تزداد قوتها وثقتها وبالمقابل يتداعى الجيش الأفغاني. ورغم تواصل محادثات السلام في الدوحة إلا أن طالبان التي تحقق إنجازات يومية على الأرض ليست في وارد التوقف، ومع أن سقوط كابول ليس محتوما إلا أن السيناريو بات محتملا أكثر من الماضي. مما سيزيد من منظور عودة طالبان في الذكرى العشرين لهجمات 9/11 هو الموعد الذي اختاره بايدن لإكمال انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان التي خاضت فيها أمريكا أطول حروبها في التاريخ.

لحظة سايغون

وفي ظل الأحداث المتسارعة، يواجه بايدن ما قال عنه ديفيد إغناطيوس بمقال نشرته «واشنطن بوست» (12/8/2021) لحظة سايغون التي حاول تجنبها. وأضاف أن الحرب الدامية في أفغانستان تقترب مما قد يكون نقطة تحول أخيرة، مع مسارعة حركة طالبان لتطويق كابول. وقال إن حملة طالبان لتحقيق النصر العسكري – وتجاهل التعهدات بالتفاوض على انتقال السلطة – ستثير تساؤلات حول ما إذا كان يمكن الوثوق بوعودها بمنع القاعدة من إعادة بناء ملاذات آمنة في أفغانستان. ونقل عن مقربين من بايدن قولهم إنه كان «حازما» في قراره بسحب القوات الأمريكية، على الرغم من التدهور السريع للوضع، والعودة المؤقتة للقوات لرعاية ترحيل معظم موظفي السفارة الأمريكية. فقد شعر بايدن بقوة منذ عام 2009 بأنه يجب أن تكون مهمة أمريكا في أفغانستان محدودة، وكرئيس تحرك بسرعة لسحب القوات على الرغم من النصيحة المخالفة من وزير الدفاع لويد أوستن والجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة. وكانت سرعة تقدم طالبان دليلا مذهلا على الزخم في ساحة المعركة، حيث يغذي كل نصر نصرا آخر، وعلى الأثر النفسي الهائل لقرار بايدن بسحب جميع القوات القتالية الأمريكية بدون خطة قوية لتحقيق الاستقرار في البلاد بعد ذلك. وبالنسبة لبايدن وغيره من كبار المسؤولين، فإن المفاجأة الأكبر هي أن أداء الجيش الأفغاني لم يكن أفضل في ساحة المعركة منذ إعلان سحب القوات الأمريكية. واعتبر الكاتب أن هجوم طالبان الخاطف فاجأ كبار المسؤولين في الإدارة. وتحركت طالبان في وقت مبكر في الشمال، مع العلم أن هذه المنطقة هي التي ولد فيها التحالف الشمالي الذي طرد طالبان من السلطة في عام 2001. ونشرت نسختها من قوات العمليات الخاصة، والمعروفة باسم «الوحدات الحمراء» والتي ساعدت على تقويض دفاعات الحكومة. وعندما استولت طالبان على عواصم مثل قندوز، أطلقت سراح السجناء المحتجزين هناك، وعززت قواتها. ويعتقد إغناطيوس أن ما يجري أمامنا هو معركة على كابول نفسها، مواجهة دامية تحاول إدارة بايدن تخليص أكبر عدد ممكن من الأمريكيين منها. مع أن طالبان قد تؤجل المعركة النهائية. ويأمل المسؤولون الأمريكيون في ردع طالبان من خلال تحذير من جيرانهم – باكستان وروسيا والصين وتركيا – بأنهم لن يعترفوا بحكومة طالبان إذا استولت على السلطة بالقوة. وهذا الضغط الدبلوماسي مرحب به، لكنه متأخر ومحدود، فقد أظهرت العديد من الدول الرئيسية المعادل الدبلوماسي للشماتة، وهو التمتع بمأزق أمريكا بدلا من التفكير في الصعوبات المستقبلية. وستواجه طالبان صعوبة في ابتلاع أفغانستان، رغم نجاحاتها في ساحة المعركة، فقد أصبحت أفغانستان مجتمعا حضريا وحديثا بشكل متزايد منذ الغزو الأمريكي عام 2001. وكما كتب كارتر مالكاسيان في كتابه «الحرب الأمريكية في أفغانستان»: «مثلت طالبان شيئا ملهما، وهو الشيء الذي جعلهم أقوياء في المعركة، شيء مرتبط ارتباطا وثيقا بما يعني أن تكون أفغانيا».

أمريكا عادت إلى البيت

وترى صحيفة «نيويورك تايمز» (13/8/2021) أن ما يجري في أفغانستان يثير الشكوك حول حديث بايدن «عادت أمريكا» بعد سنوات من الضياع في ظل دونالد ترامب. ونقلت عن المحلل الدفاعي الفرنسي فرانسوا هيزبورغ «عندما يقول بايدين: عادت أمريكا، يقول الكثيرون إن أمريكا عادت إلى البيت». وأضاف أن فكرة عدم التعويل على الأمريكيين ستتجذر بسبب أفغانستان. ومع أن أمريكا تقوم بسحب قواتها من الخارج منذ باراك أوباما إلا أنها صورة عن تحلل أمريكا من المسؤولية اللامحدودة للتحالفات. وهو ما سيزيد قلق الفلبين وتايوان وأكرانيا وأندونيسيا، ويفرح روسيا والصين.
ويرى توم توغينات، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني أن ما جعل «الولايات المتحدة غنية وقوية هو أن الجميع منذ 1918 -1991 وما بعدها كانوا يؤمنون بقدرة الولايات المتحدة للوقوف والدفاع عن العالم الحر». وقال إن الخروج المفاجئ من أفغانستان بعد 20 عاما سيثير أسئلة بين الحلفاء حول العالم ويجعلهم يختارون بين الديمقراطية والاستبداد وأن الأنظمة الديمقراطية لا حظ لها من البقاء.
وتراقب دول آسيا انهيار حكومة كابول القريب بنوع من الفزع والتسليم. إلا أن الصين كانت أكثر الدول التي عبرت عن قلق من انسحاب الأمريكيين السريع، فهي تشترك بحدود قصيرة وبعيدة مع أفغانستان وطالما اعتمد المتمردون في إقليم تشنجيانغ، غرب الصين على طالبان. إلا أن هذه المخاوف لم تمنعها من استقبال وفد كبير من الحركة ضم أحد مؤسسيها ملا عبد الغني برادار. ويرى جان ماري غوينو، الدبلوماسي الفرنسي السابق والمحاضر حاليا بجامعة كولومبيا، أن المسألة في أفغانستان ليست عن «مصداقية» أمريكا بل عن عدم قدرة الدول الغربية المضي على تحقيق أهداف التدخل حتى النهاية، فهي تأتي بعد الهزيمة في سورياـ مما يجعل الدول الغربية أكثر تمحورا حول الذات، قومية وبحثا عن المصلحة الذاتية.

مخاوف أوروبا

ولم تكن أفغانستان تمثل أهمية لأوروبا، فقد دخلت الحرب فيها تضامنا مع الولايات المتحدة بعد 9/11 لكن انهيارها السريع، يعطي صورة عما يمكن أن يحدث عندما توكل أوروبا القرار للولايات المتحدة. فقد ترك حلف الناتو لواشنطن القيادة، حتى عندما اشتكت دوله، وكان الشعار «دخلنا معا ونخرج معا» ولهذا سرع الحلف عمليات الخروج مع سحب القوات الأمريكية، ولا نية لديه للعودة من جديد. وما يقلق بال الدول الأوروبية هي الهجرة والإرهاب، النابعان بشكل كبير من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أكثر من أفغانستان. إلا أن بايدن يريد دعم الدول الأوروبية في موضوع أكثر أهمية له مثل التغيرات المناخية ومواجهة الصين وروسيا. ولا يتحمل بايدن اللوم بشكل كبير على ما يجري الآن، فقد فشلت الدول الأوروبية، وبخاصة ألمانيا وبريطانيا، بتحديد مصالحها في أفغانستان والمتركزة على الاستقرار الإقليمي وتأمين الطاقة ومنع الهجرة. ولعل تركيا هي الدولة الأكثر عرضة للمخاطر، فهي تستقبل 4 ملايين لاجئ. وموجة جديدة للاجئين ستزيد من أعبائها وتخلق توترا مع دول الاتحاد الأوروبي.

هزيمة متوقعة

ووسط تسارع انهيار الدفاعات الأفغانية، تم الحديث عن مليارات الدولارات التي أنفقت على القوات الحكومية، واتهام بايدن بمنح أفغانستان لطالبان، كما قال السفير الأمريكي السابق ريان كروكر، مع أن آخرين تساءلوا عن الدعم الأمريكي على مدى عقدين وإن كان أنفق بطريقة صحيحة. وبحسب صحيفة «الغارديان» (13/8/20121) فقد أخطأت القوات الحكومية في تركيز قواتها بالمدن وترك المناطق الريفية تحت سيطرة طالبان التي قامت بعزل المراكز الحضرية. ويرى جوليان بورغر في «الغارديان» (12/8/2021) أن واشنطن تجاهلت دورها في سوء إدارة الحرب في أفغانستان وتركت الحكومة الأفغانية تواجه قدرها أمام طالبان. وقال بايدن «عليهم القتال من أجل شعبهم» لكنهم لم يستطيعوا القتال، فانهيار الجيش كان أكبر مما توقع حتى المتشائمين، بشكل جعل الكثير من المسؤولين الأمريكيين يتحدثون عن سقوط كابول في أشهر إن لم يكن أسابيع. ويرى بورغر أن هزيمة الجيش الأفغاني هي نتيجة لعدد من العوامل المتداخلة والقرارات التي اتخذت في الأشهر الأخيرة. وعليه فتحميل الحكومة الأفغانية الفشل يخفي وراءه محاولة لتحلل أمريكا وحلفائها من المسؤولية. وكما كشف تحقيق «واشنطن بوست» (10/8/2021) والذي استند على تقرير للكونغرس «تعلم الدروس» فقد كان واضحا أن المشاكل التي نعايشها اليوم كانت موجودة منذ بداية الوجود العسكري الأمريكي. فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان وزير الدفاع في حينه دونالد رمسفيلد غير راغب في دعم بناء جيش وطني قوي، وبخاصة بعد هزيمة طالبان. وعندما أعادت هذه تجميع نفسها، بدأت أمريكا على عجالة ببناء قوة غير متماسكة. وجرى خلال السنوات الماضية تسويق قدرات الجيش الأفغاني في أمريكا على أنها قصة نجاح. ويعتقد والي نصر، المستشار السابق للحكومة الأمريكية، والمحاضر بجامعة جونز هوبكنز أن الرئيس غني يتحمل المسؤولية الكبرى «فقد فشل في بناء إجماع سياسي بكابول من أجل خلق مصدر مقاومة قوي ضد طالبان». وفي غياب القيادة سارع أمراء الحرب لعقد صفقات مع طالبان بدلا من مقاومتها. وزادت قرارات ترامب المتهورة بسحب القوات الأمريكية وتواصلت في عهد بايدن من سرعة الانهيار. بل وجاء توقيت إعلان بايدن القرار مع بداية موسم القتال في الصيف، مع أنه كان يستطيع تأجيل القرار إلى ما بعد نهاية الموسم والسماح للقوات الأفغانية بمواصلة العمليات وتلقي الدعم الأمريكي. وحتى لو حدث هذا فالهزيمة معروفة ومكتوبة، وعرف بايدن منذ البداية أن الاستمرار في الحرب يعني التزاما إلى ما لا نهاية، ولهذا قرر مواجهة لحظة سايغون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية