السردُ المَدَنيُ: نحوَ رؤيةِ حضاريةِ للعالم

يؤكد الناقد الإنكليزي آيان وات، في بدء الفصل الأول من كتابه «نشوء الرواية» بعد أنْ وضع أسئلة مركزية حول الاختلاف والنشأة والتطور، أقول: يؤكد على أن هذا النوع السردي الرواية لا يمكن أنْ يظهر، ومن ثم ينشأ ويتطور اعتمادا على مفاهيم مثل: العبقرية والمصادفة، لأن هاتين القضيتين، وإنْ تحققتا ضمنيا، لا يعول عليهما كثيرا في تفسير وتحليل هذه الظاهرة الأدبية؛ لهذا يشدد على أن روايات (الجيل الأول) من الروائيين الإنكليز، لم تنهضْ أو تنشأ من مجرد مصادفة محضة، أو عبقرية الكُتاب أنفسهم، لأنه من الصعب إنتاج شكل أدبي جديد من قبل هؤلاء الروائيين، لولا مواءمة الظروف الثقافية للمرحلة التي كانوا يعيشون فيها.
وهو من خلال ذلك يوائم هذه النشأة والنهضة الثقافية والمدنية للمجتمع، مع وجود الشريحة المثقفة للطبقة المتوسطة، التي ارتبطتْ بها نشأة الرواية الأوروبية، ونشأة المدينة والمظاهر الحضارية، غير أن تكّون الأدب عموما، أكثر تعقيدا من أنْ يحصر بعامل أو مسبب واحد، أو حتى مجموعة أسباب، كونه مرتبطا بعمليات وإرهاصات، تجمع تأريخ الشعوب والمجتمعات، بطبيعتها المعرفية والثقافية، وبقضايا الانتماء والمواطنة، وكذلك بذائقتها الجمالية.
وهذا يعتمد على مفاهيم جوهرية، مثل التجانس والاستمرارية والطبيعة المشتركة للأجناس الكتابية، ثم الانتقال من صورة قديمة الشفاهية إلى صورة حديثة الكتابة ومن مقدس مرتبط بسلطة ثابتة وقيم معروفة، إلى دنيوي تحكمه الضرورة الكتابية نفسها حسب طبيعتها الثقافية المتحولة في مكان وزمان محددين، وهو ما عبر عنه الناقد الفرنسي ميشيل زيرافا بـ(الضرورة التخاطبية) لظهور الرواية وتحولها من مجتمع ديني قديم، إلى مجتمع حديث أنتجتْه الحضارة وطبيعته المدنية الساخرة، غير أن النقاد الغربيين لم يستقروا على رأي موحد في تفسير هذه النشأة، ما أحالها إجناسيا لمشارب مختلفة، إلا أن الرأي المشترك معرفيا بينهم جميعا، هو علاقتها بتحول المجتمع نحو المدنية، والصعود الصناعي والاقتصادي لمثقفي الطبقة المتوسطة، كون نضوج واستقرار وظهور الرواية وتلقيها، لا يتم في غير هذه الظروف الثقافية، حتى وإن كانتْ أصولها شعبية أو كرنفالية، أو نتاج مخيال فردي لقيط منقطع عن غيره.

وإلى مثل ذلك ذهب أغلب النقاد العرب، ممَنْ فسروا نشأة الرواية العربية، وفق طبيعتها المدنية والمدينية، وارتباطها ببزوغ فجر الفئة المثقفة وآمالها وطموحها في التعبير عن بنيتها الذهنية بصورة خاصة، وبعيدا عن الخلاف السلفي بين النقاد العرب حول تجنيس الرواية العربية، من حيث علاقتها بالموروث العربي السردي القديم، ومن ثم علاقتها بمحاكاة الرواية الغربية، فإنني أجد أن المستقر في ذهنية الناقد العربي هو العلاقة الجدلية الصريحة بين نشأة الرواية العربية وظهور مدنية الدولة، من خلال بروز ملامح التحضر والمدينة والعمران، كونهم انطلقوا لإدراك هذه الحقيقة من قاعدة أساسية مفادها، أن الرواية الغربية نشأتْ عندما تحطم التكامل بين الإنسان وعالمه في الرؤية الملحمية المتجسدة في المجتمع القديم، ما فرض حاجة جديدة لكي ينتج الإنسان قصته في عالم ناقص، للبحث عن رغباته وآماله مجسدة في الرواية، ضمن تعبيرها عن المجتمع الحديث، وبهذا بدأتْ رحلة روايتنا العربية للبحث عن هويتها، بين إرث قديم ورؤية ريفية آفلة، ثم الانتقال إلى رؤية حضارية جديدة، بدأتْ تتشكل مع بنيوية الدولة، وسياسة المدن، وسيادة نزق الطبقة المتوسطة وتعلقها بالكتابة، وهو الأساس الذي انطلقتْ منه، من حيث نهضةُ الكتابة والنشأة، والبحث عن هويتها من خلال خصوصية في التعبير والرؤية والتذويت الأسلوبي، كونها سعتْ للتفرد منذ (الريادة التأريخية) التي حققتها أعمال أولية ذات طبيعة فنية غير متطورة، لكنها ضمنيا تؤكد قيامة نوع أدبي جديد مرتبط بتحولات المجتمع الثقافية والاقتصادية نحو التحضر، مثل «زينب» لمحمد حسنين هيكل، و«جلال خالد» لمحمود أحمد السيد، وحتى «حدّث أبو هريرة قال» لمحمود المسعدي وغيرها.
وقد ترسخ ذلك لكي ينقل النص الروائي العربي لمرحلة من النضوج واكتساب الهوية الحقيقة مع (الريادة الفنية) التي ظهرتْ في الخمسينيات من القرن العشرين مع أفضل كتابها (نجيب محفوظ، يحيى حقي، يوسف إدريس، غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، مهدي عيسى الصقر وغيرهم) فقد استطاع هؤلاء الروائيون بشكل لا يقبل الشك، وضع اللبنات الأساسية التي استوعبتْ من خلالها روايتنا الحداثة، ثم الانتقال في ما بعد لمرحلة ما بعد الحداثية في التعبير الكتابي، وهي ضمن ذلك كله لم تتوقفْ عن ارتباطها بهموم الفئة المثقفة، وطبيعة الواقع في مجتمعنا العربي الحديث، وما تفرزه مدنه من قيم متصلة أو منقطعة عن الريف، والبحث في الوقت ذاته عن تكنيك سردي يؤهلها لتمثيل حالة مما يمكن أنْ أسميه هنا (رؤية مدنية/حضارية للعالم) ترصد الإنسان ضمن علاقته بالتأريخ والمكان والمعرفة، ومن ثم كشف القيم التي تحكم الوعي المدني، من خلال تركيبة سردية معبرة ومستجيبة للنوازع النقدية والأبعاد الأخلاقية، وحتى الطموحات التعبيرية التي يفترض أنْ تتحلى بها نتاجات هذا الوعي؛ كونه مرتبطا حتما بوعي المكان نفسه الذي تكون بفعل مديني، فقد انطلق من تلك القيم الريفية القديمة، ليعبر من خلالها عن مأساة الإنسان العربي، في متاهات المدن والبلدات التي عرفتْ المدنية، لكنها لم تهضمْها جيدا، فهل من جذورٍ معرفيةٍ في التفكير النقدي الحديث لمفهوم السرد المدني؟ وما مفهومُهُ حسب الطرح الذي تسعى إليه هذه الورقة النقدية؟

المستقر في ذهنية الناقد العربي هو العلاقة الجدلية الصريحة بين نشأة الرواية العربية وظهور مدنية الدولة، من خلال بروز ملامح التحضر والمدينة والعمران، كونهم انطلقوا لإدراك هذه الحقيقة من قاعدة أساسية مفادها، أن الرواية الغربية نشأتْ عندما تحطم التكامل بين الإنسان وعالمه في الرؤية الملحمية المتجسدة في المجتمع القديم، ما فرض حاجة جديدة لكي ينتج الإنسان قصته في عالم ناقص، للبحث عن رغباته وآماله مجسدة في الرواية.

في واحدة من الإشارات المهمة لإدوارد سعيد في كتابه «العالم والنص والناقد» يمكننا تشخيص ما أطلق عليه بـ(النقد الدنيوي secular criticism) وهو اتجاه نقدي روّج له سعيد، بغية الوصول إلى حالة من التعارض بين المنهجية النقدية ونظام السلطة عموما، بعد أنْ تحدث عن تجربته الخاصة في التعامل مع المناهج، عارضا ما رسخ منها، وهي أربعة أنماط من النقد تجسدتْ في النقدية الغربية الحديثة، وقد حفز ذلك ناقدا عربيا مهما مثل عبد الله الغذامي للحديث عن ما أطلق عليه عمليا واجتراحا من طروحات سعيد هذه، مجسدا ذلك بالاقتباس عن كلمة (الدنيوي/ المدني/ العلماني – secular ) مصطلح (الناقد المدني) الذي هو مصطلح يضع الناقد برأيه على حد الشفرة بين نظام المؤسسات الحكومية الذي يدير فعل النقد، والثقافة التي تتحدى عمليا هذا الفعل، مركزا من خلال ذلك على ذلك التعارض بين السلطة والثقافة عموما، ليكون الناقدُ مشاركا فعلا، من دون أنْ يفقد حريته في التعبير عن المواقف المشتركة بين النظام والثقافة، ولعل ما يعنيني هنا مما سبق ذكره لكي اجترح مصطلح (السرد المدني Civilian Narrative) قضايا التعارض بين رؤية المبدع والسلطة على اختلاف أشكالها، وحرية التعبير عن الموقف الثقافي الناتج عن الاشتراك بين الثقافة والنظام السلطوي السائد، للوصول إلى مصطلح خاص بطبيعة السرد وعلاقته بالمدنية والحضارة، بعد أنْ ارتبطتا في الطروحات السابقة بالنقد والناقد؛ لهذا لم اعتمد مصطلح (secular) كما فعل سعيد والغذامي، أو حتى ما انطلق منه جابر عصفور في كتابه «الرواية والاستنارة» للحديث عن وعي المدينة وعلاقته بنشوء الرواية تحت مسمى (النزعة المدنية secularism ) لأنه يبعدني عن الطبيعة المدنية التي أريد تحديدها في الرواية العربية، كون (مدني) خلافه (قروي).

وهذا ما يصعب تحققه في الوجه الآخر للوصف الذي حدده، كذلك لم اعتمدْ مصطلح (Metropolitan) الذي اعتمده الباحث الأمريكي جيسي ماتز، في دراسته عن الرواية الحديثة للتعبير عن المدينية؛ لأنه في أحد معانيه ينفتح على معنى المكان/ العاصمة، ومَنْ يعيش فيها، أو في معنى آخر يدل على معنى ديني مرتبط بالمطران، بمعنى أنه ليس وصفا متخصصا في التعبير عن الحضارة والتطور المدني مثل (Civilian) وعليه فقد فضلتُ بدلا من هذه المصطلحات جميعا مصطلح (Civilian) المأخوذ من (Civilization) كونه من نتائج مواصفات الحضارة والمجتمع المدني (civil society) حسب ما يؤكد الناقد الثقافي الإنكليزي ريموند وليمز، في قضية الجمع بين الحضارة ومدنية المجتمع والثقافة، وهو ما أردته عمليا في التعبير عن طبيعة السرد الروائي ونشأته المتداخلة مع نشأة الدولة وملامح الاقتصاد الرأسمالي، مؤكدا ضمن ذلك على مدى تعلق رؤية ودرجة وعي الكتابة الروائي، بمجتمع وثقافة مدنية معارضة وإشكالية إلى حدٍ كبير، وبهذا فإن (السرد المدني Civilian Narrative) كما أجده متجسدا في السردية الحديثة عند بعض الروائيين يعني (رؤية مدنية للعالم يقدم الروائي حكايته من خلالها، وفق أسلوب معارض ومحايد في الوقت ذاته، فهو (معارض) لأنه انتقادي وساخر إزاء ذاته والسلطة، وهو (محايد) لأنه غير منتمٍ بالضرورة لسلطة معينة أو أيديولوجية صريحة، أي مدني منطلق من تصورات الحداثة لطبيعة المدينة ضمن علاقتها بالإبداع، والنص بذلك قادر مع هذا النمط على إحياء الأقليات المهمشة في نظر السلطة، وإعادتها إلى مركز العملية السردية، من خلال مزج جمالي مقصود بين الظرف التأريخاني ومدنية التعبير مع رؤية الواقع الثقافي، مع ملاحظة أن وعي هذا المفهوم قابل للتغير والاختلاف بين روائي وآخر، حسب الطبيعة المعرفية والرؤية الخاصة للعالم، بما فيه من ذهنية جمالية ومعرفية تتحسس تحولات الإبداع الكتابي، من حيث التعبير عن المدنية بأسلوب رمزي غامض، كما في عالم فؤاد التكرلي مثالا، أو التعبير عنها بأسلوب وصفي راصد لمتغيرات الوعي المدني المنعكس، من خلال المكان والشخصيات والأحداث، كما في عالم نجيب محفوظ مثالا، أو التعبير عن طبيعة المدينة وكشفها من خلال إعادة إحياء الأساطير الدينية كما في روايات الروائي الأمريكي دان براون، عند هذا الحد من مفهوم السرد المدني يمكننا صوغ مفاهيم تحولات النص الحديث والمعاصر، من خلال بنيته السردية ورؤية مبدعه لعالمه المتخيل، لكن هل من الممكن رصد أثره في وعي المتلقي (الناقد) ومدى قدرته على إدراك تحولات هذه المدنية في نص روائي معبر عن عالمه الخيالي برؤية حضارية مدنية، بمعنى، هل يتطلبُ السردُ المدنيُ ناقدا مدنيا؟

يفرض هذا السؤال العودة إلى ما انطلقتْ منه المقالة، ولاسيما قضية اجتراح مصطلح الناقد المدني من قبل عبد الله الغذامي، اعتمادا على طروحات إدوارد سعيد في قضية النقد المدني أو الدنيوي، وما رسخناه بتأثير هذين الطرحين، وصولا لمفهوم السرد المدني عموما، أو على وجه الخصوص كما تمثل عند كثير من الروائيين، وحقيقة الأمر أن الغذامي لم يخطرْ في باله أثناء اجتراح مصطلحه هذا، الخوض في قضية علاقة طبيعة الوعي المدني للناقد بطبيعة الوعي المنتِج للنص الأدبي، سواء أكان مدنيا أو غير مدني، كونه نظر للأمر من زاوية واحدة وهي، علاقة الناقد بالنظام المؤسساتي المؤثر بشكل صارم في الفعل النقدي، من منطلق أن منتوج هذه العلاقة ممثلا بالثقافة، هو في حد ذاته، تحد عملي وصريح للسلطة، ومن هنا يتحقق التعارض بين الثقافة والسلطة، ما يجعل الناقد عاملا مشتركا بين القطبين، لينتصر بذلك وعيه المدني للجهة التي يمثلها، أي يبقى حرا في عدم انتمائه أيديولوجيا، ما يضمن موقفا نقديا حرا يتحرك فيه بين النظام والثقافة، لتتولد بذلك صورة المدنية التي ينتمي إليها، غير أنني هنا سأستثمر مفهوم الحرية هذا موجها إياه لقضية علاقة الوعي المدني المُنتِج للنص الروائي بالوعي المدني الناقد له، مبينا ومؤكدا على أن الناقد الذي لا يمتلك وعيا حضاريا مدنيا مركبا يتمكن من خلاله تفكيك النص، وفق رؤية مدنية واضحة للعالم الأدبي، لا يستطيع الوصول إلى ذلك التناقض الجدلي بين معارضة ذلك العالم وحياديته، ومن جهة أخرى يمكننا هنا أيضا أنْ نستحضر العلاقة الجدلية غير الواعية التي أكدها لوسيان غولدمان بين المبدع وما ينتجه، من خلال البنية الذهنية للفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها، فلو افترضنا وجود روابط معرفية تجمع بين النص الأدبي المكتوب بوعي مدني وحضاري ووعي الناقد، بشرط يكون هذا النص معبرا عن مرحلة ثقافية مرتبطة بتحولات المكان وتطوره عبر الزمن، وهما منطلقان من رؤية مدنية واحدة، يمكننا الوصول من خلال هذا الافتراض لما هو مخبوء فعلا خلف وعي اللغة الأدبية بذاتها، وتمويهها للواقع الذي تعبر عنه، كما حدث في عالمي محفوظ والتكرلي عند رصدهما للتحولات المدنية المنعكسة في المكان وفي نفوس الشخصيات، من خلال التجسيد السردي بمختلف أساليبه؛ لهذا يجب التأكيد هنا على أن جواب السؤال يكون (نعم) يتطلب السرد المدني وعيا نقديا مدنيا، لكي يستطيعَ اكتشاف أهم البنى الجمالية والمعرفية الخفية التي كُتِبَ النص بها، وهذا ما يميزه عن باقي النصوص الأدبية التي تحاكي ساخرة الواقع، من دون أي وعي منتج، وهو ما يميز النقد أيضا عن غيره من النقود التي تتأمل النصوص بعيدا عن وعيها منقطعا عن أدواته المعرفية المنتجة، ولعل هذا ما عنيته منذ البدء بتعريفي لمصطلح (السرد المدني) من خلال التأكيد على تصورات الحداثة للطبيعة المدنية وعلاقتها بالإبداع، انطلاقا من مزج جمالي مقصود بين الظرف التأريخاني ومدنية التعبير مع رؤية الواقع الثقافي، مما تجسد بوضوح كبير في تجارب الكثير من الروائيين في الثقافتين الغربية والعربية، الذين ساير نموُ سردهم المدني نموَ وتأريخ ونشأة الدولة، التي غدتْ مكانا لإنتاج نصوصه، وما فرضه ذلك من اشتراطات جمالية وأيديولوجية، أعلنتْ عنها أعماُلهم أو بقيتْ مسكوتا عنها في ضمن عالمهم المتخيل.

ناقد وأكاديمي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية