“The home”العرض المسرحي العراقي: انحياز ضد الضحية

بدءا لا بد لنا من أن نبارك لنقابة الفنانين العراقيين نجاحها في إقامة المهرجان الأول للمسرح العراقي، الذي عقد للفترة من 1 – 7 آب/ أغسطس، والذي انتهى بحفل ختام أقيم يوم الاحد 8 أغسطس 2021.
في الوقت نفسه يحق لنا أن نسجل بعض الملاحظات الذي نجدها في غاية الأهمية والحساسية، حرصا منّا على استمرار المهرجان، وتلافيا لما يمكن أن يحدث من أخطاء في الدورات المقبلة، إلاّ أننا سنتوقف في هذا المقال أمام العرض المسرحي المعنون «ذا هوم « The home للمخرج غانم حميد، لأنه مارس عملية ضرب عنيفة وجهها إلى ما تحت الحزام، ضد طيف واسع من المجتمع العراقي، وهذا ما أصاب أغلبية من شاهده بالصدمة والذهول، خاصة أن المخرج ليس اسما طارئا في المسرح العراقي، على الاقل خلال الثلاثة عقود الماضية، حيث كانت معظم أعماله قبل وبعد عام 2003 ذات بنية جمالية عالية الحساسية، إضافة إلى أنه لم يسبق له أن أثار لغطا سلبيا حول ما تطرحه عروضه من محتوى فكري، إلاّ أن عمله الأخير جاء خروجا عن سياق الذاكرة الفنية الذاتية، التي أثثها لنفسه في خريطة المشهد المسرحي العراقي، بل عمل على إحداث تشويه في ملامحها الجميلة، وهذا أمر في غاية الغرابة عندما ينجرف الفنان بإرادته ووعيه إلى الضد من مسيرته الحافلة بالنجاحات، ما يستدعي التساؤل عن الأسباب والدوافع التي ساقته إلى هذا المنزلق الحاد.
أيضا من تداعيات هذا التحول أنه أحدث شرخا نفسيا في ذاكرة المتلقي، وهو يشاهد عرضا مسرحيا، ذهب به المخرج في مسار فكري معبد بمطبّات حادة وخطيرة، أطلق فيه أحكاما أخلاقية في غاية القتامة والتطرف والإجحاف، على مجتمع عراقي عريض، دون تمييز بين من وقف في وجه العاصفة الإرهابية، التي اجتاحت مناطق محددة من جغرافية العراق، ومن طأطأ رأسه ودفنه في الرمال. والسؤال الذي نطرحه على لجنة مشاهدة واختيار عروض المهرجان:
ما هي المعايير الفكرية التي اعتمدتموها في اختيار هذا العمل، مع أنه جاهر بحمل أسلحة فكرية مثلومة لم يتردد في أن يغرزها في أكثر المناطق حساسية من الناحية القيمية لدى الإنسان، خاصة أنه كان يقصد بها كل الذين سقطت مدنهم تحت سلطة تنظيم «داعش»؟ من لم يشاهد العرض أدعوه لمشاهدته في موقع الهيئة العربية للمسرح على اليوتيوب، وأنا على يقين من أنه سيصاب بالصدمة والغضب معا عندما يكتشف أن المخرج قد عمد إلى تقديم مجموعة شخصيات عراقية سلبية – نساء ورجالا – كلهم تنصلوا عن ثوابتهم الأخلاقية، بل وجدناه قد مال إلى الشطط بعيدا عن الفطنة عندما أوحى لنا بأن لديهم ما يكفي من الاستعداد المسبق للانجراف إلى مثل هذا الموقف، لأجل أن يحافظوا على حياتهم وينقذوا أنفسهم من الموت.
وفي لحظة ما من العرض لن تتردد الأم في مقايضة شرفها من أجل الحصول على طاقية الإخفاء حتى تتفادى الموت تحت سلطة الإرهابيين القادمين وهذا الموقف ينسحب أيضا على الزوج والزوجة.

03-7

نحن أمام شخصيات ممسوخة، فاقدة لقيم الشجاعة والتضحية والمروءة، تدفعها أنانيتها إلى التفريط، بأعز ما تملك من قيم، مقابل أن تنجو من الموت فقط. فهل يمكن قبول مثل هذا المنطق في تحليل أسباب سقوط بعض المدن تحت سلطة تنظيم «داعش» الإرهابي؟ وهل يمكن استيعاب هذا الخطاب في أي عرض مسرحي؟
أي متابع لمسيرة المسرح العراقي منذ بداياته في الربع الاول من القرن العشرين وإلى الآن يدرك جيدا أنه وقف مع الإنسان المقهور وليس ضده، ولم يتجرأ أي مسرحي أن ينحرف بهذه المسيرة المشرفة مهما كان متطرفا فكريا أو مذهبيا، ويمكن بذلك توصيف هذا العرض باعتباره سقطة في تاريخ المسرح العراقي، ينبغي التوقف عندها ومناقشتها ومساءلتها، لأنه من غير المقبول أن تمر مرور الكرام، دون أن تأخذ ما تستحقه من نقد، لأجل أن تأخذ حجمها الحقيقي، ولا يتم تأطيرها وتوصيفها بمصطلحات غريبة عنها، بهدف تلميعها من قبل البعض، بقصد إحداث تخريب في القيم التي ينبغي لأي عرض مسرحي عدم المساس بها وتشويهها.
والأسئلة التي تُطرح على المخرج:
لماذا الإصرار على أن تكون جميع الشخصيات منحرفة في مواقفها وقيمها في المدن التي سقطت تحت سلطة تنظيم «داعش»؟ ولماذا خلا العرض من أي شخصية تقف على النقيض من هذا الانحراف؟
نحن نوجه أسئلتنا حصريا إلى المخرج لأنه أكد في الندوة التي أقيمت صباح اليوم التالي الذي أعقب ليلة العرض، على أنه شخصيا خالق الفكرة والشخصيات والحكاية والحبكة وبقية التفاصيل، وأن مؤلف النص علي عبد النبي الزيدي لا علاقة له بما تم تقديمه، وفي هذا السياق جاء الموقف الذي عبّر عنه المؤلف علي عبد النبي الزيدي عندما أصدر بيانا أثناء انعقاد المهرجان أعلن فيه براءته من العرض، ليؤكد بذلك مسؤولية حميد عما اقترفه من تزييف وتسقيط بحق مجتمع، وقع ضحية لتعاون وتواطؤ حفنة من الساسة العراقيين مع مجتمع دولي تخادم من تحت الطاولة مع قوى الإرهاب بهدف تدميره وتحطميه. لا يفوتنا أن نتوجه بأسئلتنا إلى لجنة المشاهدة واختيار العروض التابعة للمهرجان: هل يمكن أن نداوي جروح من وقع عليهم ظلم ووحشية الإرهاب بمثل هذه العروض التي يتحرك محتوى خطابها الفكري بعيدا عن المنطق الأخلاقي، وبعيدا عن القيم الإنسانية، وبعيدا عن الإنصاف؟
هل بشيطنة الآخرين نعيد اللحمة إلى أبناء الوطن؟
هل نبتكر الجمال بالدعوة إلى الانحراف؟
هل سيصفق أسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس وبيتر فايس وبرخت لهذه الانتكاسة ويعدونها صفحة من تاريخ المسرح؟
وإذا ما كان المسرحي يحمل هذا القدر من القبح بما يحمله من أفكار ضد مجتمعه، فلا عتب على من يحترفون الإرهاب المسلح مهنة لهم. من الطبيعي أن يكون في الوسط الفني والثقافي أناس يحملون فيروسات أشد فتكا من كورونا، لكن من غير الطبيعي الاحتفاء بأعمالهم تحت غطاء مهرجان رسمي ترعاه الدولة والسماح لهم بتقديم عروضهم، رغم ما تحمله من معاول وسكاكين لتقطيع أوصال المجتمع.
فإما أن اللجنة لم تفهم رسالة العرض، وإما أنها خضعت لمعايير الصداقة والإخوانيات، وجاء ذلك على حساب الإساءة المتعمدة لمجتمع عانى وتحمل الكثير من الآلام والنكبات، ودفع آلاف القتلى من الأبرياء تحت سلطة الإرهابيين.
هذا العرض المخيب لتطلعات المسرحيين العراقيين والجمهور العراقي، يتحمل الجميع مسؤوليته، ابتداء بالمخرج الذي وصل به غروره أن يصف نفسه بالنبي، في معرض رده على من انتقد عمله، مرورا بلجنة المشاهدة وانتهاء باللجنة العليا للمهرجان.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية