كانت النية معقودة على تناول «حُمَّى» الانتخابات النيابية القادمة، التي كلما اقترب موعدها تضاعفت حملاتها وكثرت أموالها مجهولة المصدر. وأتصور أنه لو لم تكن الانتخابات إرضاء للغرب لكان الوضع مختلفا ولاستكملت الثورة طريقها بتكلفة بشرية ومادية أقل.
وأسوأ ما في الإعداد الجاري للانتخابات عودة عدد من منتهي الصلاحية السياسية والعُمرية إلى صدارة المشهدين السياسي والاعلامي، وما جرى يوم الأربعاء الماضي؛ في ذكرى مولد السيد المسيح عليه السلام، وذهاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه إلى القداس السنوي في الكاتدرائية المرقسية بالقاهرة وتهنئته لأخوتنا المسيحيين بالمناسبة، التي تحل في السابع من كانون الثاني/يناير من كل عام بالتقويم الشرقي.
هذه زيارة قال عنها البابا تواضروس الثاني؛ بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية: «لم أتوقع حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي بالكاتدرائية للتهنئة بقداس عيد الميلاد، وحضوره أثلج صدورنا جميعا وعلامة من علامات العهد الجديد في مصر، وبمثابة رسالة لكل المصريين، أن المسيحيين لهم كل الحقوق بهذه الصورة الحضارية، ونتمنى تكرار تلك الصورة». وهذا الموقف من جانب السيسي يمثل فرصة للتعرف على مسار العلاقة بين الكنيسة ونظم الحكم المتعاقبة منذ تموز/يوليو 1952.
إذا بدأنا من الآخر كما يقول عامة المصريين؛ نقول سبق للرئيس السابق عدلي منصور أن زار الكاتدرائية لنفس السبب العام الماضي (لم يحضر القداس)، وأحيا بذلك تقليدا يؤكد على معنى الوحدة الوطنية. وهذه لفتة عاكسة لمناخ جديد تعيشه مصر منذ ثورة 25 يناير 2011.
وعلى مدى أكثر من ستين عاما مضت والعلاقة بين رئاسة الدولة والكنيسة تمر بقليل من المد وكثير من الجزر، وحالة الجزر، وقد بدأ في أول عهد كل من أنور السادات والبابا شنودة الثالث عام 1972، واشتعال أول فتنة طائفية بضاحية «الخانكة» في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة، وأحدثت تلك الفتنة أول شرخ في جدار الوحدة الوطنية، التي ميزت عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر؛ الذي ساوى بين المواطنين؛ بغض النظر عن معتقداتهم الدينية وأصولهم العرقية، ولا يزال مسيحيو مصر المخضرمون يذكرون تبرعه من جيبه الخاص، ومن «حصالة» أطفاله لبناء كاتدرائية جديدة؛ وضع لها حجر الأساس بحي العباسية القاهري. ولا ينسى المخضرمون من المصريين علاقة الصداقة والإعجاب المتبادل بين عبد الناصر وكيرلس الثاني، ولم تشهد تلك الفترة أي تدخل حكومي في الشؤون الداخلية للكنيسة.
وكان ذلك طبيعيا بعد خروج الاحتلال البريطاني، واحتراق ورقة «حماية الأقليات» بين يديه، وكانت تتخذ مبررا للهيمنة وبث الفرقة وتعميق الكراهية، وكان ذلك ضروريا لإعمال سياسة «فرق تسد».
بدأ تسليم السادات بتلك السياسة منذ بداية حكمه، فتعطل مسار الوحدة الوطنية، ومن المؤكد أن مصالح اليمين الديني المسيحي مثلها مثل مصالح اليمين الإسلامي، فالأول يعتبر التحرر من الهيمنة الأجنبية؛ عسكريا واقتصاديا وثقافيا عداء للمسيحيين وتسبب في هروبهم إلى الخارج، وهناك مسلمون ارتبطوا بنفس المصالح، وهربوا بعد التأميم، وكانت إجراءات وتحولات الستينات تستهدف الحد من العبودية الإقطاعية وتخفيف الاستغلال الرأسمالي، ولم تستهدف شخصا محددا ولا دينا بعينه. وادعاء أن جماعة «أقباط المهجر» ظهرت لذلك السبب عار من الصحة تماما، وقد ظهرت في ثمانينات القرن الماضي، بعد رحيل عبد الناصر بزمن، وعقب زيارة السادات للقدس المحتلة وتوقيع معاهدة «كامب ديفيد»!!
وعند التدقيق في ملابسات الجزر نجده مرتبطا بنمو التشدد الطائفي، واختراقه لمكونات المجتمع الإسلامية والمسيحية فيما بعد فتنة «الخانكة»، وتوالدت منها أحداث «الزاوية الحمراء» في 1981، وواكبت صعود نجم الإخواني «القطبي» محمد عثمان اسماعيل، مساعد السادات، وصاحب مخطط تأسيس «جماعات إسلامية» في جامعات مصر؛ وفر لها تمويلا وتدريبا وتسليحا مكثفا، ثم أطلقها تنهش الشباب الوطني المعارض للسادات.
وكلما انتشرت تلك الجماعات ضاقت الأرض بالشباب الوطني، واختفت المساواة، وشهد ذلك الواقع توترا شديدا بين الرئاسة والكنيسة، وذلك بسبب زيارة البابا شنودة للولايات المتحدة (أبريل عام 1977) واجتماعه بالرئيس الأمريكي «جيمى كارتر»، وأزعجت المظاهرة التي استقبلته والشعارات التي رفعتها عن اضطهاد المسيحيين؛ أزعجت السادات. ولم يكن البابا شنودة يخفي امتعاضه من إطلاق يد «الجماعات» وتهديدها للمسيحيين والاعتداء على كنائسهم وممتلكاتهم، ووصل التوتر حد عزل البابا وتحديد إقامته بدير «وادي النطرون» وتشكيل لجنة لإدارة الكنيسة، ولم يعد البابا إلى كرسيه البابوي إلا سنة 1984، بعد ما يقرب من ثلاث سنوات من حكم حسني مبارك!.
ومر عهد مبارك مع الكنيسة بحالة من الاضطراب والشد والجذب، وعملت الرئاسة على الاستعانة بالبابا في الوساطة بينها وبين المسيحيين، واستطاعت توظيف فزاعة التطرف «الإخواني» لبسط حمايتها عليهم، في وقت ابتزتهم أجهزة حكومية في إزكاء الفتنة لتغطية القمع وتبرير الجمود السياسي وتقنين الفساد. وخلال حُكم «مكتب الإرشاد» زادت العلاقة مع الكنيسة سوءا، وشاعت حالة خوف مسيحية بصعود «التيار القطبي»، بما يمثل من خطر على الوجود المسيحي ذاته.
وخطوة الرئيس السيسي «ضربة معلم» أكسبته ظهيرا وطنيا قويا، وجاءت فاتحة لتخليص النفوس المحتقنة وعلاج تقرحات استشرت لأكثر من أربعة عقود، وفجرت هذه الخطوة عواطف إنسانية ووطنية جياشة، وأحدثت تحولا نفسيا فاق التوقعات. وقد وقع اختياري على رسالة إنسانية ورقيقة ذات دلالة من بين تعليقات كثيرة على مواقع الصحف المصرية، وهذه رسالة لقارئة على موقع «اليوم السابع»؛ دونتها لحظة الزيارة الأربعاء الماضي وكان عنوانها: شكر واعتذار لـ«منى»! من نجلاء حلمي، تَأْمُل إعادة النظر في المواقف من اصحاب الديانات الاخرى، وسردت موقفا مرت به أثناء دراستها الثانوية، بعدما التقت في حصة «الهوايات» بزميلة تشاركها نفس الهواية من صف دراسي آخر؛ وصفتها بأنها «رقيقة دمثة الأخلاق تقاربت ميولنا مثلما تطابقت هواياتنا»، وكلتاهما تعرف عن الأخرى اسمها الاول، وكان اسم الزميلة «منى».
واعترضت زميلاتها على مدرس الرياضيات «المسيحي»، وتطور الاعتراض حد «القذف بالهوية الدينية» ـ على حد تعبيرها ـ وتضامنت معهن وبررت ذلك بحداثة السن والمراهقة، ومر وقت، وفي حصة الهوايات التقت بـ»منى»، التي استفسرت عن المشكلة.. أخذت تسرد لها ما حدث وهي تكيل السباب للمدرس دون تدخل من «منى» او اعتراض إلى أن قرنت سبابها بديانة المدرس، وسألتها «منى» ما دخل الخلاف بدين المدرس، وكان ردها «الساذج» حسب وصفها «ان دينه هو ما دفعه لهذا الأسلوب في التعامل»، فسألتني: «وهل ترين فيَّ هذه الأخلاق مع كوني مسيحية؟، فكان الرد «اكثر سذاجة»، كما تقول: لماذا تقولين عن نفسك ذلك.. انت مؤدبة كثيراً وراقية الأخلاق والطباع، ولا يمكن ان تكوني مسيحية، ولم أصدقها الى ان اطلعتني على الصليب على يدها، هنا فقط تغيرت نظرة «نجلاء» لكل شيء واحست بضآلتها وسمو زميلتها، التي «لم تتفوه بكلمه خطأ او تنفعل»، ومن وقتها قررت إعادة ترتيب اوراقها، وغيرت نظرتها للناس وابتعدت عما يثير الفتن، واعتذرت للمدرس، وطالبت صديقاتها بألا يتمسكن بالخطأ، ولا ينصتن لمثيري الفتن. «وقالت: لقد ضرب الرئيس (بالأمس) المثل في الحب والوحدة فدعونا نسير على خطاه»!
وزيارة الرئيس لامست الوجدان، وطيبت الخواطر، وأراحت نفوسا متعبة أنهكتها الكراهية وتمكن منها الحقد، وأيقظت غافلين كانوا في سبات عميق.
هل تنتقل هذه الروح إلى المتصارعين على المقاعد والباحثين عن المقاعد والحصص في قوائم انتخابية من المتوقع أن تعيد الفلول إلى الحكم، وإذا عادوا لن يكون انتقامهم أقل من انتقام فلول «حكم المرشد» ودمويته!.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب