أنطاكيا- «القدس العربي»: عادت رايات المواكب الشيعية الأفغانية لترفع في المناطق الشيعية بعد إزالة بعضها من قبل حركة طالبان فور سيطرتها على البلاد، وقد أعادت الحركة رفع تلك الرايات وسمحت بتنظيم إحياء الشيعة الأفغان فعاليات عاشوراء بل وأمرت مقاتليها بتوفير الحماية للحسينيات والمواكب العاشورائية، وهو ما ينظر إليه على أنه تطور في أسلوب الحركة نحو الأقليات الدينية في أفغانستان.
وقد زار قيادي من الحركة يدعى أمير خان في رفقة عناصر من طالبان أحد مجالس العزاء الحسيني، ونشرت الحركة فيديو للقيادي وهو يتحدث خلال المجلس الحسيني بأن طالبان لا تعارض التشيع و«لا تنتهج منهج داعش».
كما اطلعت «القدس العربي» على كتاب صادر من قيادة الحركة في ولاية هيرات الأفغانية يوجه عناصر الحركة «بحماية الحسينيات الشيعية وعدم تعكير أجواء الاحتفالات» بالولاية التي يكثر فيها أتباع المذهب الجعفري.
هل تغير سلوك الحركة نحو الأقليات؟
كما تشير الصور الواردة من المناطق الشيعية في أفغانستان إلى تواصل الاحتفالات وانعقاد المجالس الحسينية مع قدوم يوم عاشوراء في كل من مسجد الفاطمية في قندهار ومزار الشريف والعاصمة كابول وباميان حيث تتركز أقلية الهزارة الشيعية.
ويظهر أحد المشاهد حواراً بين عناصر حركة طالبان وبعض المشاركين في أحد المواكب الحسينية، يسأل فيه عنصر من طالبان إن كان «الإخوة الشيعة» لديهم أي مشكلة، ثم يضيف: «نحن في خدمتكم، الإمارة في خدمتكم، كلنا إخوة مسلمون».
وبينما سرت أنباء عن تفجير الحركة لتمثال شخصية معروفة من طائفة الهزارة الشيعية في باميان، نفت الحركة ضلوعها في ذلك، وقال ناشطون محليون إن الحركة ستعمل للقبض على الجناة.
وقد يبدو من المبكر الحكم على حقيقة سياسات الحركة والتحولات في أدائها، إن كان فيما يتعلق بالتعامل مع الأقليات الدينية، أو القوانين التي ستطبق على المرأة، لكن مؤشرات عديدة توحي بأن نهج حركة طالبان قد تغير.
وقد تحدثت «القدس العربي» مع الصحافي الأفغاني روح الله عمر المقرب من طالبان والذي كان متواجداً في المؤتمر الصحافي للمتحدث باسم حركة طالبان ذبيح الله مجاهد، في كابول، وتعقيباً على سؤالنا حول سياسة الحركة، قال روح الله إن تعامل الحركة لم يتغير مع الشيعة، لكن الإعلام كان ينقل صورة مغايرة، وأضاف روح الله عمر: «صحيح أن الأقلية الشيعية قاومت الحركة في الماضي وبالتالي الحركة كانت تقاومهم، ليس لأنهم شيعة، بل لأنهم مخالفون ويقاومون الحركة، لكن حالياً الشيعة يبايعون الحركة ولا خلاف لنا معهم، ولهم عقائدهم، نحن نترك حتى المسيحيين واليهود ليمارسوا دينهم ومن الأفضل أن نترك هؤلاء».
وقال فرحان جيفري، المحلل المراقب للشأن الأفغاني، إن السياسة الرسمية لطالبان تجاه الشيعة هي أنهم سيكونون أحراراً في ممارسة الشعائر الدينية، وقد ثبت حتى الآن صحة ذلك في كابول وغزنة وهيرات، وأضاف لـ «القدس العربي»: «في هرات أمرت طالبان مقاتليها بعدم دخول المساجد الشيعية، وبالفعل في هذه الأماكن حتى الآن لم يتم الإبلاغ عن أي حوادث بخلاف الحادث الذي وقع في كابول، حيث قام بعض مقاتلي طالبان بإنزال بعض الأعلام الشيعية ووضع علم طالبان هناك، ولم يبلغ الشيعة المحليون في كابول عن أي مشاكل». لكن جيفري، وهو من أصول باكستانية، يحذر من «أن هناك أيضاً متطرفين في الرتب الدنيا من طالبان، لديهم وجهة نظر متطرفة ضد الشيعة. وقد يفعلون أشياء قد تحرج قيادة طالبان، لذلك سيتعين علينا أن نرى مدى اتباع أوامر قيادة طالبان على الأرض».
لكنه يعتقد أن قادة طالبان تعلموا من تجارب الماضي وهم يريدون هذه المرة أن يفعلوا الأشياء بشكل مختلف، «لكن لا يمكننا الوثوق بهم حتى الآن ولذا علينا أن نراقب سلوكهم باستمرار على الأرض ثم نقرر مدى التغيير الذي حدث بالفعل».
وعلى مدى السنوات الماضية تعرض شيعة أفغانستان للتضييق ولاعتداءات أودت بالمئات منهم، أشهر تلك الحوادث كانت مزار الشريف 1998 فبعد قتل أسرى لطالبان في مزار الشريف، شنت الحركة هجوماً أدى لما يعرف بـ«مجزرة الهزارة» أعقبه الهجوم الشهير على السفارة الإيرانية ومقتل 9 دبلوماسيين، ورغم تبرير الحركة بأن الاعتداء نفذه مسلحون غير منضبطين، إلا أن الحركة ظلت هي المسؤولة عن المذبحة نظراً لكونها المسيطرة آنذاك على مزار الشريف، وفي عام 2001 نسب إلى طالبان تنفيذ إعدامات جماعية بحق الهزارة، لكن المجازر الأقسى نفذها تنظيم «الدولة الإسلامية» في أفغانستان، حيث استهدفت هجمات انتحارية عام 2016 شيعة الهزارة المحتفلين بذكرى عاشوراء في كابل وشمال البلاد وقتل وأصيب يومها أكثر من مئة شخص.
وسبق أن تعرضت طائفة الهزارة للتهجير بسبب حروب شنها أمراء من قبيلة البشتون، فقي بداية القرن العشرين شن أمير يدعى عبد الرحمن خان هجوماً على قرى الهزارة، واستصدر عدة فتاوى دينية بتكفير الشيعة الهزارة، ويقول كاتب شيعي أفغاني هو سيد عسكري، إن نصف سكان الهزارة قد هاجروا للهند وخراسان في إيران، ما أدى إلى تزايد نفوذ قبائل البشتون، رغم أن البعض يعارض هذه الرواية عن سبب تناقص أعداد الهزارة وتوافد البشتون السنة لأراضيهم، ويقول إنهم هاجروا بسبب البحث عن فرص العمل.