محللون: الولايات المتحدة ليس لديها أي نفوذ لتحديد المسار السياسي في أفغانستان ولكن يمكنها الاستفادة من «محادثات الدوحة»

رائد صالحة
حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي»: سيطرت حركة طالبان على كابول بدون قتال كبير، تماماً كما فعلت في عام 1996 وغادرت المدينة في ظروف مماثلة في عام 2001 في أعقاب هجمات الحادي عشر ايلول/سبتمبر على مركز التجارة الدولي، وإذا خسرت ثانية فإنها على استعداد للذوبان مرة أخرى، ولكن تداعيات ما حدث مؤخراً في أفغانستان يتجاوز حدود البلاد، التي تمكنت حتى الآن من هزم ثلاث إمبراطوريات وقوى عظمى، إن جاز التعبير، وهي بريطانيا والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
بالنسبة للولايات المتحدة، سواء اعترف الرئيس جو بايدن أم لا، فقد قوضت الهزيمة في أفغانستان مكانتها كقوة عظمى، وتآكلت مصداقية أمريكا كحليف بسبب الطريقة التي تم بها التخلي عن الحكومة الأفغانية، كما تضاءل الخوف من الولايات المتحدة بين أعدائها.
وأشار محللون أمريكيون إلى أن الانسحاب الأمريكي ألحق الكثير من الضرر مع الحلفاء في «الناتو» الذين استثمروا الكثير من الأموال والدماء في الصراع على مدى 20 عاماً، وقُتل أكثر من 1100 منهم، وتم صرف مليارات الدولارات على العملية العسكرية وجهود إعادة الإعمار، كجزء من التزاماتهم بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقالوا إن إنسحاب بايدن كان صفعة في وجه شركاء الولايات المتحدة في أوروبا، حيث تركهم أيضاً لمواجهة مشكلة تدفق المزيد من الهجرة الجماعية.
وإذا تعرضت السفارة الأمريكية في كابول للهجوم في وقت ما، فقد ينتهي الأمر بالرئيس بايدن في عامه الأول، كما حدث مع الرئيس الأسبق جيمي كارتر في سنته الأخيرة كرئيس.
ووفقاً لتوقعات العديد من المحللين الأمريكيين، فإن سقوط كابول سيعمل على إنعاش الحركة الجهادية في العالم من المغرب إلى إندونيسيا، لتحدي النظام الأمريكي، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تبدو أكثر استعداداً للتعامل مع الجهاديين، إلا أنه من المتوقع عودة «الجهاد العالمي».
وقال المحللون الأمريكيون إن دوافع أمريكا للانسحاب من أفغانستان مفهومة للغاية، ولكن المشكلة كانت في طريقة الانسحاب.

أسوأ من سقوط سايغون

ورأت مجموعة من المحللين أن انتصار طالبان كان في الواقع أسوأ من سقوط سايغون، حيث انتظر شمال فيتنام أكثر من سنتين من رحيل القوات الأمريكية قبل السيطرة على عاصمة فيتنام الجنوبية.
وليس هناك أي سبب وجيه يدعو روسيا أو الصين، بعد مناورة الانسحاب الأمريكي، للوفاء بوعدهما بشأن عدم الاعتراف بنظام طالبان، ومن المحتمل أن تستشهد بكين وموسكو بعدم وجود معركة في سقوط كابول كمبرر للاعتراف، مما يوجه ضربة دبلوماسية أخرى للولايات المتحدة.
لا شكوك بشأن خسارة الولايات المتحدة في أفغانستان، والسؤال المطروح الآن هو ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لتقليل الضرر، وما هي توقعات واشنطن بشأن الأشهر المقبلة في أفغانستان؟ والإجابة التي قدمها العديد من المحللين والسياسيين الأمريكيين في الصحف الأمريكية الرئيسية، بما في ذلك «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«واشنطن بوست» و«بوليتيكو» أن طالبان ستقوم بالتوطيد التدريجي للسلطة والاستيلاء على المؤسسات الحكومية وتطهير المناصب، ولأن عدد عناصر الجماعية قليل نسبيا (75 ألف مقاتل) فإن الحركة ستقيم تحالفات مع السكان المحليين، وستبداً في إصدار القوانين والتشريعات.
وقال جيم كلابر، مدير المخابرات الوطنية السابق، إنه لا يعتقد بأن طالبان ستغير نهجها مشيراً إلى أن البلاد ستشهد الكثير من الفوضى، ولن يكون هناك اتساق بين كل المناطق.
ولم يعد للولايات المتحدة الآن أي نفوذ في أفغانستان، وعلى وجه التحديد، ليس لها بصمة عسكرية، وقد تخلت عن قاعدتها العسكرية الكبيرة في باغرام وغادرت البلاد بالفعل، وهي ليست في وضع يمكنها من إملاء الاتجاه الذي تسلكه أفغانستان ما لم تريد إعادة الانخراط في أفغانستان، وهو خيار غير مطروح الآن في واشنطن، ولكن يمكن أن تفعل الكثير على الصعيد الدبلوماسي.
وأكد المحللون الأمريكيون أن واشنطن يجب أن تحدد بالضبط ما الذي تريد أن تفعله طالبان وما لا تفعله، وأن عليها أن تستمر في استخدام القنوات التي بنتها في الدوحة للتواصل مع قيادة طالبان واستخدام أساليب الترهيب والترغيب في محاولة للتأثير على قراراتهم.
ويتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تعمل بشكل وثيق مع الدول الأخرى التي لها علاقات مع أفغانستان، بما في ذلك باكستان والصين وإيران وروسيا، وليس فقط مع الأوروبيين، حيث توجد مصالح مشتركة بين جميع هذه الدول.
وبالفعل، أجرت الخارجية الأمريكية محادثات دبلوماسية رفيعة مع طالبان في الدوحة، كما فعلت في العام الماضي، وركزت المحادثات على تأمين مطار كابول وضمان سلامة كل الأمريكيين، والأفغان الذين يأملون بالهرب من البلاد.
وتحدث المفاوضون الأمريكيون، بمن فيهم القائد الأعلى للقوات الأمريكية في أفغانستان، الأدميرال بيتر فاسيلي، عن قنوات عدة مع حركة طالبان، ولكن واشنطن لا تزال غير متأكدة بأن التعليمات من قادة الجماعة تسير عبر التسلسل القيادي إلى المقاتلين في الشوارع.
ويجري السفير الأمريكي السابق في أفغانستان جون باس، الذي عاد إلى كابول، محادثات يومية مع حركة طالبان لحل بعض المشكلات العالقة في استعادة النظام حول المطار وتسهيل الأمن للأمريكيين ولجميع الراغبين في مغادرة البلاد.

تفاهمات

ومن الواضح أن هناك تفاهمات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، من أهمها أن الجماعة ستسمح بمواصلة عملية الإخلاء من دون عوائق في المطار، وأن الجيش الأمريكي لا يخطط لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي خارج المطار.
وذكرت مصادر أمريكية أن هناك مجموعة من الخيارات الواسعة التي تجري مناقشتها حول الشكل الذي ستبدو عليه الأسابيع والأشهر المقبلة، بما في ذلك تمديد الوجود العسكري الأمريكي في مطار كابول إلى ما بعد نهاية الشهر.
وتحدث سياسيون أمريكيون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي عن حالة من عدم الوضوح في إدارة بايدن بالنسبة لما يحدث في أفغانستان، وعلى الرغم من تصريحات بايدن الإيجابية إلا أن مشاعر الغضب تسود صناع السياسة في واشنطن.
وقال محللون أمريكيون إن طالبان على ما يبدو تريد اعترافاً دولياً وهناك مؤشرات على أنها ستعمل على تشكيل حكومة أكثر شمولية، ولكن العديد من المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم بايدن نفسه، قالوا إنهم غير متأكدين من ذلك.
ولاحظ محللون أن بايدن أصر خلال مقابلة مع شبكة «إيه بي سي» على أن حركة طالبان وافقت على السماح للأمريكيين بالوصول إلى مطار كابول، على الرغم من اعترافه بالفوضى هناك، وقال إنهم يتعاونون ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إلى أولئك الذين ساعدوا الولايات المتحدة.
وبالنسبة بايدن فإن ما حدث في أفغانستان لم يكن عبارة عن فشل في التخطيط أو الحكم أو التنفيذ أو إصدار الحكم أو المعلومات، بل كان الأمر أكثر بساطة، حيث استقل رئيس البلاد طائرة وهرب إلى دولة أخرى، وخلعت قوات مدربة يزيد عددها عن 300 ألف سترتها ومعداتها وهربت.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية