حسن نجمي: «ضريح أنّا أخماتوفا»

حجم الخط
0

بعد مجموعته الشعرية الأولى «لك الإمارة أيتها الخزامى»، 1982، أصدر الشاعر المغربي حسن نجمي العديد من المجموعات الشعرية، بينها «سقط سهواً»، «حياة صغيرةّ»، «ليل يستريح على خشب النافذة»، «المستحمات»، «على انفراد»، «فكرة النهر»، و»أذى كالحبّ». كما أصدر مجموعة مشتركة مع الفنان محمد القاسمي، بعنوان «الرياح البنية»، وله في الرواية «الحجاب» و»جرترود»؛ ووقّع عدداً من الأعمال النقدية والمقالات، بينها «الشاعر والتجربة»، «شعرية الفضاء» و»الناس والسلطة». وفي الشعر كما في السرد والنصوص والأبحاث، واصل نجمي تطوير شخصيته الإبداعية والفكرية وصناعة بصمة خاصة انفرادية تميّزه على صعيد مجايليه ضمن التيارات الحداثية في المغرب خصوصاً، والعالم العربي عموماً.
مجموعته الجديدة «ضريح أنّا أخماتوفا» قوامها 75 قصيدة معنونة، تتوزّع على خمسة أقسام تحمل العناوين التالية: «كجثّة طفل ألقى بها البحر»، «بالقرب من الحياة»، «مرايا»، «قصائد المستشفى العسكري»، و»قصائد الكاريبي». ومن الطفل السوري الذي قضى على شاطئ البحر في الصورة المأساوية الشهيرة، إلى ضريح الشاعرة الروسية الأشهر، مروراً بمرايا أسئلة الوجود والمرض والموت المتعدد وبرازخ الحياة التي لا تقلّ تعدداً، يقترح نجمي سياحة في النفس الشاعرة البشرية، عريضة شاسعة الأبعاد، يهيمن ضمير المتكلم على معظم ضمائرها الناطقة، ويحضر التاريخ بأثقاله وهواجسه وعذاباته وإشراقاته، من دون أن ينكسر الحسّ الغنائي العالي الذي يطبع مناخات المجموعة. القصائد تعتمد شكل قصيدة النثر، على جري عادة نجمي، لكنها لا تقتصر على صيغة السطور بل تلجأ كذلك إلى الكتلة المرسلة أو التنويع بينهما، كما تتراوح الأحجام بين قصيدة في ثمانية سطور وأخرى في أكثر من 60 سطراً.
هنا قصيدة «وصيف الموت»:
قُلْ لي، لِمَاذَا تَجْرِي وَحْدَكَ نَحْوَ اللَّيْلِ؟
كَأَنَّكَ تَخْشَى أَنْ تُطِيلَ الوُقُوفَ طويلاً مَعَ الآخرينَ
تحت رَايَاتِ الضَّوْءِ.
كأَنَّ الأَرْضَ تَدْعُوكَ إِلى أَغْطِيَةٍ مِنْ طينٍ.

هُنَاكَ لَنْ تَعْثُرَ عَلَى لُهُبِ اللَّمْسِ التي اعتَدْتَهَا
لَنْ ترَّدَّدَ عَلَيْكَ رَائِحَةُ الخُبْزِ السَّاخِنِ في الأَلْوَاحِ.

هُنَاكَ لَنْ تَخِزَكَ إِبَرُ الحَيَاةِ.
لَنْ تتَذَّكَّرَ حَليبَ المَهْدِ والهَدْهَدَاتِ.
لاَقُبْلَةَ حُبٍّ
ولاَ ذِرَاعاً سَتَتَوَسَّدُهَا
لَنْ تَنامَ كَمَا كُنْتَ تَنَامُ كُلَّ مَسَاءٍ في سَرِيرِ شَيْطَانٍ.
لَنْ تَلْمَسَ تُفَّاحَكَ والأَعْنَابَ ولَنْ تَشْرَبَ مِنْ كُرُومِكَ.
لَنْ تَضَعَ يَدَكَ في حَقْلِ الزَّعْفَرانِ.
ولاَ جِدَاراً لتَسْتَنِدَ عِظَامُكَ حينَ تَعْرَى مِنْ لَحْمِهَا.
هُنَاكَ، في الغَوْرِ البَعِيد،ِ جِهَةَ الدِّيدَانِ.
في مَمْلكةٍ مِنْ صَمْتٍ وانْكِسَارِ جِنِرالاَتٍ وأَصْواتٍ تَتَرَجَّى.
سَتُحَاطُ بِالأَرْضِ واللَّيْلِ والذِّكْرَى.
تَصْدَأُ كَقِطْعَةِ حَدِيدٍ قَدِيمٍ
وَتَتَلاَشَى.
ثُمَّ سَيَكُونُ عَلَيَّ أَنْ أُصَدِّقَ أَنَّكَ سَتَصِيرُ بِذْرَةً.
ولَكِنَّكَ سَتَبْقَى وَحْدَكَ.

ولأَنَّني سَأَفْتَقِدُكَ، قَدْ أَلْتَحِقُ بِكَ عِنْدَ المَصَبِّ.
مَعَ أَنَّني أُفَضِّلُ أَنْ أَنْتَظِرَكَ هُنَا  –
قُرْبَ شَلاَّلِ الحَيَاةِ.
الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2021

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية