سيرة النهضة الناقصة
خيري منصورسيرة النهضة الناقصةما من مرة يصدر فيها كتاب لأحد النهضويين العرب في القرن التاسع عشر، الا وتعود جملة من الاسئلة المزمنة، منها ما يتعلق باجهاض ذلك المشروع، ومنها ما يتعلق بنقصانه، ومنها ايضا ما يفتح بابا واسعا علي مصراعيه امام تأملات لا حصر لها حول ثنائية النهضة والسقوط، فثمة اجماع مثلا علي ان كتب عبد الرحمن الكواكبي ومنها أم القري وطبائع الاستبداد قد يحول الرقيب العربي المعاصر دون نشرها رغم انها لحظة صدورها اخترقت حدودا وأسوارا وان كان صاحبها قد دفع الثمن فمات مسموما في القاهرة، بعد ملاحقات الباب العالي، وبعد ان لعب الوالي العثماني في مسقط رأس الكواكبي دورا بالغ القذارة في مطاردته واحكام الحصار عليه.وقد يري البعض من مؤرخي تلك الفترة التنويرية انها تأسست علي مفهوم الانتقاء. وبكلمة اقل تهذيبا (التلفيق) لأن التحديث لا يقبل علي صعيد رؤيوي مثل ذلك المزج بين القديم المتهالك الذي انهي التاريخ صلاحيته وبين ما هو جديد، يلبي احتياجات طارئة.وكان رموز تلك الفترة المثيرة قد انتهوا بلا استثناء نهايات دراماتيكية، فمنهم مَنْ سُممَ ومن قتل ومن خذل ومن تعرض الي التجويع حتي الموت، لهذا فالنهضة العربية التي تنحصر تاريخيا في القرن التاسع عشر تراجيديا بامتياز، وان كانت قراءتها قد تفاوتت بل تباينت بين اختزال واسقاط ورغائبية واعادة انتاج.لهذا علينا ان نصغي الي ما قاله بعض هؤلاء في مذكراتهم علي ندرتها، وقد تكون مذكرات الشيخ محمد عبده التي حققها طاهر الطناحي نموذجا يمكن الاهتداء به لفهم عدة ظواهر ملتبسة، ومتعلقة بتلك الفترة الحرجة..ہہہأول ما يقوله محمد عبده في مذكراته هو البحث عن تسويغ لكتابتها، لهذا فهو يذكرنا بالعبارة التقليدية التي تستعيذ بالله من ضمير الأنا..يقول: ما أنا ممن تكتب سيرته ولا ممن يترك للاجيال طريقته، فاني لم آت لأتي عملا يذكر ولم يكن لي فيها اليوم اثر يؤثر حتي اكون لأحد منها قدوة.ويستطرد الشيخ بعد ذلك مطولا وهو يعتذر عن كتابة مذكراته والتي ما كان له أن يكتبها لولا الحاح اهل العلم من ثقافة اخري، لأنهم الأدري من أمته بأهمية أفكاره.يقول مثلا: عرض لي أن زرت يوما بعض اصدقائي من الغربيين ممن نظروا في الآفاق وبحثوا في العادات والاخلاق، وذكرت لهم ما عندي فرأوا فيما ذكرت شيئا يستحق أن يذكر ولا ينبغي ان يهمل أو يهدر.وبالطبع فان هؤلاء القوم الذين يبحثون ويعرفون اكثر مما يعرف ذوو القربي بالنسبة للشيخ محمد عبده هم الانكليز فقد ارتبط الشيخ فترة بالمستر ويلفر بلنت، ويقال انه اقام في بيته، وأثير سجال طويل حول علاقة كل من الامام عبده والأفغاني بالمستر بلنت. يهمنا في هذا السياق شيء آخر هو كتابة السيرة في ثقافة عربية تاسع عشرية، كانت فيها الذات مغيبة اكثر مما هي غائبة، وليست هذه هي المناسبة الاولي أو الوحيدة التي تثار فيها مسألة السيرة الذاتية عند العرب، فقد سبق لآخرين منهم الانثربولوجست والنفساني وعالم الاجتماع وناقد الأدب أن قالوا آراء كثيرة حول هذا الموسوع منه علي سبيل المثال الاحتراز من الاعتراف والكشف عن باطن الذات وما يدور في عالمها السفلي.لهذا لم تثر كتب السيرة العربية المترجمة الي لغات اخري أي اهتمام يذكر قبل صدور سيرة المغربي محمد شكري، التي منعها الرقيب العربي ووجد فيها عورة يجب سترها.ان مذكرات الامام محمد عبده تندرج في تلك السلالة المعرفية لكتابة السيرة الذهنية التي تبلورت من قبل لدي ابن سينا، حين روي مصادر علمه ومعلميه، لكنه اهل حياته الشخصية وبالتحديد الجسر، الذي لا سيرة بدونه.قد لا نتعرف علي الكثير من حياة الامام محمد عبده من خلال مذكراته المبتسرة بل المكتوبة علي استحياء لكنها تدلنا بوضوح عل آرائه في ثقافة قومه وأخلاق أمته، عندما يأخذ في المقارنة بين هؤلاء وبين الانكليز حتي لو لم يسمهم بالاسم.يقول الامام: أولئك قوم يقدرون الآثار ولا يبخسون شيئا حقه ولا ينكرون عليه ما استحقه وما لفتهم الي دعوتي لتحرير سيرتي نزر قليل مما أقصه علي أبناء جلدتي كل يوم، وهم يسمعون ما بين عابث بلحيته ولاه بكبريائه وعنجهيته ومعجب بسنه وشيخوخته.هذه المقارنة بين ثقافة الآخر اجادة والتي تتقن الاصغاء وبين الثقافة السائدة في عصر الامام محمد عبده توضح جانبا مهما من ادراك النهضويين العرب في القرن التاسع عشر للهوة السحيقة التي تفصلهم عن الغرب وقد يكون ذلك بدء التمهيد لدعوات لاحقة رأت في الأوربة الخلاص، وفي احتذاء الغرب حلا وحيدا لمجابهة الانكفاء والتخلف. وثمة ما يغري قارئي هذه المذكرات بالعودة الي تلك الآونة، وفحص السائد المعرفي فيها، ولو صدق السائح الفرنسي السيد فوليني فيما نقله عن القنصل الروسي في القاهرة في تلك الايام، فان عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة لا يزيد علي مئتين، ويذكر (بورنج) ان بلاد الشام كانت تخلو من بائع كتب واحد، اما الجبرتي، فهو يصف الاعوام الاولي من القرن التاسع عشر علي نحو غرائبي، قد لا يقبل التصديق، وسأكتفي بمثال واحد مما قال:التقي الوالي التركي بشيوخ الأزهر في قلعة الجبل، وتولي والد الجبرتي الحديث مما دفع أبرز الشيوخ في ذلك الوقت وهو الشيخ الشبراوي الي أن يقول لوالد الجبرتي: سترك الله كما سترتنا فلولاك كنا جميعا عنده حميرا.ونحن لا نستغرب من هذه الروايات رغم ان بعضها يبالغ في الوصف، لأن العثمنة كانت قد بلغت ذروة التجهيل والاغلاق، وحولت الأمية الي ما يشبه القدر لأمة ذات تراث ثقافي عريق.ان اول ما يمكن لمؤرخ و باحث رصده وهو يقرأ مذكرات كاتب او اديب في عصر ما هو المزاج الثقــافي والحساسية السائدة في ذلك الزمن، لهذا قد تصـلح السير الذاتية مداخل نموذجية لمثل هذا الاستقراء وما كتبه القديس اوغسطين وجان جاك روسو او شاكوبريان لم يكن نصوصا محررة من جاذبية التاريخ وشروط الواقع، حتي عندما يزعم اصحاب تلك النصوص ذلك.وقد يشعر قارئو مذكرات الامام محمد عبده بالاندهاش من ذلك المدخل الذي بدأ به قبل الشروع في كتابة السيرة، فهو أولا يعتذر عن ذاته لأنها ليست استثنــــائية، وهو ثانيا يقول بأنه نشأ كمـا نشأ كل واحد من الجمهور الأعظـــــــم من الطبقة الوسطي من سكـــــان مصر، اما الاخـــتلاف عن تلك الطبقة فلم ينشـــأ كما يقول الامام الا عندما افترق عن الآخرين من أمثاله حول تحرير الفكر من قيد التقليد ومنهم الدين علي طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف.وما يحدده الامام من افتراق عن الآخرين من أبناء طبقته عقلاني محض، ولا علاقة له بالتربية والاعداد النفسي ونوازع الجسد ومكبوتاته وصراعاته.ان القوس الساقط من مذكرات كهذه يذكرنا بالأقـــــواس الساقطة من سير ذاتية تم تدجينهــــــا بل اخصـاؤها، اما فرارا من سطـــــوة الأعـراف والتقاليد أو لأن وعي الذات لم يكن قد بلغ الحد الذي تتبلور فيه الفردية بكل ما تعنيه كمصطلح ذي دلالات سايكولوجية وسوسيولوجية وسياسية.وما علق به مستشرق فرنسي حول كتب الأيام لطه حسين قد يصبح مضاعفا لدي مذكرات الامام، لأنها اشد تحفظا وتهريبا للذات وصراعاتها الداخلية.وقد يري البعض اننا نبالغ في خلع ظاهرة ما من سياقها التاريخي، خصوصا بعد ان عرفنا ما عرفنا عن أحوال المجتمع العربي تحت الحكم العثماني، وما آل اليه من تهتك وذبول وأمية متعددة الأبعاد، لكن الغرب عرف مذكرات قبل التاسع عشر ومنها ما يزال حتي الآن مجالا بالغ الحيوية للاستقراء النفسي، رغم ان الغرب لم يكن علي امتداد تاريخه متسامحا مع من يقررون الاعتراف.ان من أغرب ما يقوله الامام في مذكراته هو أمر متعلق بالانساب عند العرب والمسلمين، فهو يتعجب مثلا من انتهاء هذا النسب عند حدود الاسم الثلاثي.. أي ذكر اسماء الحفيد والأب والجد، ولو استمر الاعراب في ذكر اسمائهم وفقا لاشجار النسب وغاباته، لأصبح توقيع أحدهم علي مقالة او قصيدة واحيانا علي كتاب اطول من كل ما كتب.واذا شئنا التوقف عند كل ما يصرح به الامام و يلمح اليه من افكار فان المذكرات تتحول الي خطبة طويلة، فهل كانت ظروف تلك الحقبة وما كان يمور فيها من تغيرات صادمة سببا في هذا التخارج بين الذات والآخر؟ان اسئلة من هذا الطراز تبدو غير مبررة بل مستنكرة من قبل هؤلاء الذين يصرون علي ان الانسان عقل فقط أو هو في أحسن الأحوال مجرد ذاكرة معرفية، شغوفة بالتجريد علي حساب المحسوس والمرئي والمعاش.انصافا للامام وعصره، وسائر الكوكبة التي حاولت ازالة الصدأ المتراكم علي بوابة القرن العشرين، علينا ان نقر بأن هؤلاء رغم انتقائيتهم، ووسطية بعضهم بالنسبة لمقاييس ايامنا كانوا راديكاليين بامتياز بالنسبة لأهل زمانهم، والاجهاض الذي تعرضت له نهضتهم لم يكن مجرد كبوة، بل هو نكوصي الي ما قبل القرن التاسع عشر، لأن الأحفاد بددوا الميراث، وأوغلوا في حذف الذات انسجاما مع خرافة العصرنة من خلال التقريد وليس التقليد فقط.أخيرا فان النقصان الذي يلوح للمؤرخ وهو يقرأ تلك الآونة لا يعادله سوي نقصان آخر لدي الشهود.. ومنهم من شهد حتي استشهد.وقد يتعذر علي الخيال ان يحذف تلك الآونة من تاريخنا، حتي لو كان ذلك علي سبيل الافتراض او الاجرائية، لأنها كانت بكل المقاييس جملة معترضة في كتاب الرماد.0