عودة ‘الجزيرة’.. والعربية .. والسنوسي… أهي مجرد أمانٍ في عهد إسلاميي المغرب؟

حجم الخط
0

الطاهر الطويل حينما واكبت ‘الجزيرة’ الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب مواكبةً وُصفت بالموضوعية، اعتبر الكثير من المتتبعين أن تلك الفضائية العربية بصدد تدشين عهد جديد في علاقتها مع المغرب، بعد شهور عديدة من الشنآن والضغينة بين الطرفين، ‘تُوّجتْ’ بإغلاق مكتب القناة القطرية في الرباط منذ أزيد من سنة.

كلا الطرفين أخطأ في حق الآخر، ‘الجزيرة’ أخطأت في حق المغرب أكثر من مرة، خاصة في موضوع الصحراء المغربية، وهو موضوع سيادي ذو حساسية خاصة، لا يجوز فيه التساهل (وهل يمكن لبلد ما أن يتساهل في سيادته؟). والمغرب أخطأ في حق ‘الجزيرة’ حينما اتخذ ذلك القرار المتسرع، والذي كان بالإمكان تعويضه بحلول أخرى دبلوماسية أو إعلامية أو غيرها.

اليوم، يعيش المغرب ظرفية مغايرة بصعود الإسلاميين إلى السلطة، وبوجود شخصيات في حزب ‘العدالة والتنمية’ يهمّها تقوية الروابط بين وسيلة إعلامية مؤثرة ووازنة كـ’الجزيرة’، بقدر ما يهم هذه الأخيرة أيضا وجود محاورين معها بين صفوف ذلك الحزب. لا ننسى، في هذا السياق، أن ‘الجزيرة’ كانت من أولى الفضائيات التي أجرت مقابلة خاصة مع رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران مباشرة بعد تعيينه من طرف العاهل المغربي محمد السادس. ولا ننسى أيضا أن زيارة أمير قطر حمد بن خليفة آل ثاني إلى المغرب حملت معها ـ بشكل ضمني ـ تباشير تبديد الغيوم بين البلدين، فهي حتى وإن تضمنت ملفات اقتصادية وسياسية، إلا أن الجانب الإعلامي لم يكن مستبعدًا فيها، بتقدير جل المراقبين. بدون شك، أن ملف ‘الجزيرة’ من بين الملفات التي توجد فوق مكتب وزير الاتصال الجديد الناطق باسم الحكومة المغربي الصحافي الكفء مصطفى الخلفي، لاسيما أن هذا الملف يتزامن مع قرب الإعلان عن منح تراخيص جديدة لقنوات تلفزيونية حرة ستنضاف إلى المشهد السمعي البصري بالمغرب، وهو ما يعني حرية أكثر في التعامل مع مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

ومن هنا، نعتقد أنه ينبغي على ‘الجزيرة’ أن تبتعد عن تضخيم تناولها لموضوع مفتعل يستفز المغرب والمغاربة ـ المواطنين وليس المسؤولين فقط ـ، أي الصحراء المغربية. فليس بموضوع كهذا تستطيع تلك القناة أن تخلق الحدث وتجلب المزيد من المشاهدين، لاسيما أن لا جديد فيه منذ سنوات عديدة، وما يحدث أحيانا على الأرض مجرد ردود فعل محدودة، يحاول بها بعض دعاة الانفصال لفت الانتباه إليهم. وهل بقي لأطروحة الانفصال مسوّغ في زمن التكتلات والمجموعات المتحدة؟

ثمة أكثر من حدث وقضية على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، يمكن أن تشكل مادة خصبة لتقارير ‘الجزيرة’ ولتحقيقاتها ولبرامجها الحوارية، بالموضوعية والتوازن المرجويْن. وما على المسؤولين المغاربة ـ من جانبهم ـ سوى أن يبدوا الليونة المطلوبة والتجاوب المنتظر وسعة الصدر مع أسئلة صحافيي تلك القناة حتى وإن كانت محرجة، وأن يمدوهم بالمعلومة الضرورية. والتعامل نفسه ينبغي أن يسري مع مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية.

فهل سيعاد فتح مكتب ‘الجزيرة’ في المغرب؟ وهل ستبث النشرة المغاربية انطلاقا من الرباط، كما كان عليه الحال قبل نحو سنة؟

تلك أمنية أولى في عهد حكومة الإسلاميين بالمغرب! الدفاع عن العربية.. ديماغوجية؟!

من بين المفارقات التي يعرفها المشهد التلفزيوني المغربي، تعدد المواد والفقرات المبثوثة باللغة الفرنسية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة الأمية المرتفعة في المغرب من جهة، وكذا تنصيص الدستور المغربي على أن العربية هي اللغة الرسمية للبلد بجانب الأمازيغية من جهة أخرى، فإننا نتساءل عن الجمهور المستهدف من المواد ‘المُفرنسة’، وحتى إذا وُجد هذا الجمهور، فإنه قليل مقارنةً مع عدد الناطقين بالعربية. كما أن النخبة ‘المفرنسة’ بالمغرب تبحث عن ضالتها عادةً في الإعلام الغربي، ونادرا جدا ما تجدها تتفاعل مع الإعلام المغربي.

الحلف الفرنكوفوني بالمغرب يُعادي كل ما هو عربي، ويعتبر أي حديث عن اللغة العربية نوعاً من الديماغوجية، كما حدث قبل بضعة أسابيع في برنامج تلفزيوني حواري يُقدّم باللغة الفرنسية ويتحدث عن كل شيء تقريباً، حتى إن صاحبه يطرح أسئلة في إطار ما يسمى ‘البورتريه الصيني’: (لو كنت شجرة ماذا تفضل أن تكون؟ لو كنت حيوانا… لو كنت كتاباً… وهلم جرا.) في نهاية الحلقة من البرنامج الملمح إليه، سأل صاحب البرنامج ضيفه: ما هو السؤال الذي تود طرحه أنت عليّ، فأجاب الضيف بالعربية وليس بالفرنسية: ‘لماذا لا تقدّم هذا البرنامج باللغة العربية؟’، سؤال كان مفاجئا للصحافي ‘المفرنس’ الذي ضحك قليلا ضحكة المُحرَج، وقال بعدما ترجم السؤال إلى الفرنسية:”Cest une question purement (stilia), je ne dirais pas d’magogique” أي ما معناه: ‘هذا سؤال استقلالي محض (نسبة إلى حزب الاستقلال الذي ينتمي إليه ضيف البرنامج)؛ ولن أقول ديماغوجيا.’ وهو نفي يفيد الإثبات، بمعنى أنه سؤال ديماغوجي!

ليس حزب الاستقلال وحده من يدافع عن العربية، ولكن ملايين المغاربة الذين يعتبرون هذه اللغة جزءا من هويتهم وكيانهم. فهل يبادر حزب ‘العدالة والتنمية’، وقد أمسك بزمام السلطة بما فيها السلطة الرابعة، بإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية في وسائل الإعلام المغربية ولاسيما في الإعلام المرئي والمسموع؟

تلك أمنية ثانية!

السنوسي بين الظهور والمنعهل صار حظ الفنان الساخر أحمد السنوسي أن لا يظهر إلا عرضا في نشرات الأخبار بالتلفزيون، في الوقت الذي يطالب فيه الكثيرون بحقه في التواصل الإبداعي مع جمهوره عبر الشاشة؟ فخلال تشييع جنازة الفنان الراحل محمد السوسدي، كان من بين الوجوه الفنية التي التقطتها كاميرا القناة الأولى وجه الفنان أحمد السنوسي الذي يحرص على تسجيل حضوره في المناسبات الإنسانية والنضالية والحقوقية. ومرت صورة هذا الفنان خلال نشرة الأخبار في بضع ثوان، بينما يُفترض أن لا يختزل السنوسي في مجرد لقطة، بل أن يبرز كحضور فني متواصل، يقلص ـ على الأقل ـ من سطوة رداءة الفقرات الكوميدية الثقيلة التي يفرضها التلفزيون على المشاهدين باسم الترفيه والفكاهة.

أحمد السنوسي فنان ملتزم بكل ما للكلمة من معنى، ملتزم بقضايا الشعب المغربي وبالقضايا القومية والإنسانية، ويمتلك قدرة قوية على التقاط اليومي ـ سواء كان سياسيا أم اجتماعيا ـ وإبراز مفارقاته من خلال صياغة لغوية ودلالية، تحول المألوف إلى إبداع ينتزع البسمة من المتلقي، بقدر ما يحفزه على التأمل واستخلاص الدروس. بعد سنوات من اختفائه القسري عن الشاشة، نرى أنه لا داعي اليوم ـ كما بالأمس ـ إلى حرمانه من تقديم عروضه في الفضاء الإعلامي العمومي. وبما أن مغرب اليوم ليس كمغرب الأمس ـ على الأقل حسب الظاهر ـ، فإن الظروف التي استدعت إقصاءه من التلفزيون لم تعد موجودة. فهل يبادر قياديو ‘العدالة والتنمية’ بإنصاف الفنان أحمد السنوسي ومعه جمهوره الواسع داخل المغرب وخارجه؟

تلك أمنية ثالثة!…………………………* كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية