القصور الصحراوية في الأردن: شواهد على عمارة أموية رغيدة

حجم الخط
0

عمان – «القدس العربي»: تستغرق الطريق من العاصمة الأردنية عمان إلى مدينة الازرق ما يقارب الساعة والنصف بالسيارة، حيث تتوزع القصور والقلاع على جانبي الطريق التي اختلفت الروايات حول أسباب بنائها ووجودها في الأردن.
أوضح بعض المؤرخين أن خلفاء وأمراء بني أمية كانوا حريصين على قضاء فصل الصيف في الصحراء بعيدا عن المدينة وضوضائها بهدف ممارسة الصيد وركوب الخيل لاستعادة ما ألفوه من هوايات في صحراء جزيرة العرب. وقد شكلت القصور التي أقاموها في الصحراء الممتدة بين الأردن وسوريا والعراق معلما مهمة في العمارة العربية، حيث تحتوي على المرافق الأساسية للحياة الصيفية الرغيدة بالإضافة إلى التحصينات التي تتمتع بها، إذ بنيت على شكل قلاع وحصون منيعة بما يناسب طبيعة الحياة الحربية في تلك الفترة ويتناسب مع الحياة في الصحراء.

حصون دفاعية

بينما ذهبت الرواية الثانية إلى ان تحصينات بعض القصور تدل على أنها كانت تستخدم كحصون دفاعية، لوقوعها على طريق الحج والتجارة من وإلى بلاد الشام والحجاز، إلى جانب استخدامها كمحطات للاستراحة والتزود بالماء والمؤن.
أما الرواية الثالثة فاعتمدت على ما تحتويه هذه القصور من فسيفساء وصور ورسومات جدارية تدل على اللهو والمجون، حيث ذهب بعض المؤرخين إلى هروب خلفاء بني أمية من العاصمة إلى هذه القلاع ليعيشوا حياة اللهو بخصوصية عالية.
المتعطش للخوض في تاريخ حضارات حفرت وجودها في صخور تلك القلاع وتصاميمها المعمارية الفريدة، سيستمتع بالنظر إلى قصور شهدت أحداثا تاريخية وسطرت اسمها في مجلدات المؤرخين وأهمها قصر «عين السل» وهو من القصور الأموية ذات المساحة الصغيرة حيث يبلغ طوله 17 مترا في شكل مربع بني من حجارة البازلت السوداء وسط مزرعة تابعة له في جهته الغربية ويحتوي حماما يتألف من ثلاثة أو أربعة غرف ويبعد باتجاه الشمال الشرقي عن قلعة الأزرق حوالي 1750 مترا.

قصر عويند

فيما يعود بناء «قصر عويند» أحد القلاع الرومانية إلى القرن الثالث والرابع الميلادي، وقد بني كقلعة دفاعية لحماية بوابة وادي السرحان، ويقع إلى جنوب غرب الأزرق على مسافة حوالي 15 كم.
المنطقة التي تتميز بطبيعتها الصحراوية ومساحاتها الكبيرة المفتوحة، كانت تتميز بمكانها الاستراتيجي للتجارة واللقاءات بين الخلافاء، مما أوجد ضرورة بناء مثل هذه القلاع والقصور، ويضاف إليها أيضا «قصر برقع» أحد القصور الأثرية الإسلامية يقع بما يقارب 25 كم إلى شمال غرب منطقة الرويشد – قرية أردنية تقع إلى الشمال الشرقي من الأردن وتتمركز على الطريق المؤدي إلى بغداد – وبني من حجارة البازلت السوداء ويعود تاريخه إلى سنة700م في فترة حكم الوليد بن عبد الملك ويقع هذا القصر على الضفة الشرقية لسد برقع.

قصر الطوبة

بينما لا يستطيع أي سائح زيارة قصر «الطوبة» لموقعه النائي، على مسافة حوالي 140كم جنوب شرق عمان. إلا انه يعد من القصور الأموية الخالدة التي حافظت على جزء كبير من بنائها رغم تعرضه للكثير من عوامل التعرية وأيدي العابثين التي حاولت النيل من هذا القصر كونه يقع على أحد الطرق التجارية والتي كانت تربط البلقاء مع شمال الجزيرة العربية، وبالنسبة لتاريخه يرجعه بعض الباحثين إلى عهد الخليفة الأموي الوليد بن يزيد 743-744 م.
أما قلعة الأزرق التي وجدت لحماية واحة الأزرق بما تحتويه من مياه عذبة وأشجار مختلفة وما انتشر فيها من حيوانات متنوعة، وهي من القلاع الرومانية المتميزة بقوة بنائها ومتانتها، تعود إلى القرن الثاني الميلادي، أما ما كتب على بوابتها الرئيسية يعود إلى سنة 1237 خلال حكم القائد الأيوبي عز الدين أيبك الذي أعاد بنائها، وتتخذ القلعة شكلا مستطيلا حيث يبلغ أبعادها 80 م طولا و 72 م عرضا وتتكون في الأصل من ثلاثة طوابق .وتقع إلى الشمال الشرقي في مسافة 15 كم من قلعة الأزرق في الصفاوي بالإنعطاف إلى الشرق وفي مسافة تقارب 8 كم.
بالوصول إلى أهم قصرين من القصور الصحراوية، وهما قصر «عمرة» الذي يقع في شمال الصحراء في منطقة الأزرق حوالي 75 كم شرقي عمان، ونسبة إلى بنائه الصغير يُسمّيه البعض بالقصير. وقد شيد في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك سادس الخلفاء الأمويين 705 – 715م.

طابع الرهبة

ويحوي القصر قاعة استقبالات للخليفة وملحقات منها حمامات ثلاثة للماء البارد والمعتدل والحار، وانفرد هذا القصر بضخامة الجدران الخارجية والبوابة بشكل غير عادي مما يوحي بأن الغاية هي اضفاء طابع الرهبة بما يتناسب مع الحصن والقلعة.
ويتكون القصر من قاعة استقبال مستطيلة الشكل ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة لكل رواق قبو نصف دائري ويتصل الرواق الأوسط في الجهة الجنوبية بغرفتين صغيرتين تطلاّن على حديقتين كانتا تستخدمان للقيلولة. وتزدان أرضية الغرف والقاعة بالفسيفساء التي تمثّل زخارف نباتية. أما الغُرَف الأخرى فمكسوة بالرخام. وللقصر حمام مجاور لقاعة الاستقبال يتكون من ثلاث قاعات، اثنتان مسقوفتان بأقبية نصف دائرية والثالثة مسقوفة بقبة صغيرة. يتكون الحمام، الذي ما زال في حالة جيدة، من ثلاث قاعات: باردة وفاترة وساخنة، الأخيرة مزودة بأنابيب للبخار. وملحق بالحمام غرفة كبيرة لخلع الملابس مزودة بمقصورتين.
زود القصر أيضا بشبكة مائية تمر من تحته، ففي ساحته هناك بئر ماء عمقها 40 متراً وبقطر 1.8 متر وتتسع لـ 100 متر مكعب من الماء الذي كان يملأ من وادي البطم عندما يهطل المطر وتنساب المياه في ذلك الوادي وكان يتم رفع الماء منها بواسطة ساقية قديمة ويوضع في خزان ماء بجانب البئر وكان الماء ينساب في خطين أحدهما يتجه إلى الساحة الداخلية ليغذي النافورة الموجودة على يسار المدخل والآخر يزود الحمام وغرفة الحمام ويمر في أنابيب فخارية.

مشاهد من رحلات الصيد

على جدران القصر رسوم تجسيدية ونقوش عديدة، تتنوع مواضيعها من مشاهد من رحلات الصيد والحيوانات التي وجدت في المنطقة في تلك الحقبة، ومنها الأسود والنمور والغزلان والنعام. وفي قبة الحمام تظهر الأبراج السماوية المرسومة ويتميز بهندسته ويشبه الحمامات الرومانية بشكلها ومكوناتها. في نهاية الرواق الأوسط لقاعة الاستقبال عثر على صورة جدارية للخليفة جالسا على العرش ومحاطا بهالة ومعه مرافقوه، وكانت هناك كتابة تشير لإسم الخليفة غير أنها تلفت دون أن يتمكن أحد من قراءتها.
تم تنفيذ رسوم قصر «عمره» عن طريق كسو الجدران بطبقة من الجص ومن ثم ترسم فوقها الرسوم المراد تنفيذها بالألوان المائية. وقد استخدمت الألوان الأزرق والبني الغامق والبني الفاتح والأصفر الداكن والأخضر اللازوردي.
أما قصر «الخرانة» الذي يبعد عن عمان 55 كم إلى الجنوب، فلا تتجاوز أبعاده 35 مترا لضلع مسقطه المربع، ويعود لعام 710 م أي زمن خلافة الوليد بن عبد الملك، ويعتبر فريدا بمدخله الوحيد الشاهق، وساحته في المنتصف.
ويتكون من 61 غرفة في طابقين من البناء المتميز بهندسـته المعمارية التي تجعله شبيها بالقلعة، ويقوم في كل زاوية من زواياه برج دائري، وآخر نصف دائري يقع بين كل زاويتين ويحتوي في الأعلى على فتحات لرمي السهام على الأعداء تماما كالتي سادت في قلاع وحصون العصور الوسطى.

محطة للتفاوض

ومن المعتقد ان هذا القصر بالذات لم تكن الغاية من انشائه الإنتجاع الصيفي كما وجد في قصر «عمرة» إلا ان النظريات السائدة بين علماء الآثار ترجح انه كان يشكل نقطة للالتقاء كمحطة للتفاوض أو الحوار أكثر من كونه قصرا عاديا.
ومن الملاحظ دقة التفاصيل والعناية بالحمام في القصر وبخاصة في غرفة الماء الحار مما يشير إلى أهمية المكان للاستشفاء وطلب فترة من النقاهة بعيدا عن أمور الحياة الروتينية اليومية والتي كان الأمراء يخلدون إليها ببناء هذه القصور الصحراوية ذات الحمامات على النمط الروماني.
وعلى جدران هذا القصر أيضا رسوم لملوك الأرض، ويبدو سقف قبة القصر التي تغطي حمام الماء الساخن وكأنه قطعة من السماء تظهر فيها الأبراج السماوية المرسومة بمهارة فائقة.
وسمي القصر بذلك لأنه يقع في وادي الحرانة؛ حيث تتناثر على سطحه آلاف الحجارة الصوانية التي يطلق عليها اسم الحرة.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية