دنيا : نظرة استشراقية لواقع المرأة المصرية
فيلم اللبنانية جوسلين صعب الذي اثار ضجة في القاهرة دنيا : نظرة استشراقية لواقع المرأة المصريةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: عادة ما تثير الأفلام التي تتناول قضايا اجتماعية شائكة جدلا واسعا وتتسبب في ارباك حقيقي لمفاهيم المتلقي، خاصة اذا كانت متصلة اتصالا مباشرة بالأخلاق او العادات والتقاليد أو الدين، وعلي الرغم من اقبال الجمهور الشديد علي الأفلام الاباحية بمهرجان السينما، الا أن هناك اشكالية غريبة في تعامله الخاص وردود أفعاله تجاه ما يتصور أن به مساس بالثوابت الاجتماعية، والجمهور المصاب بـ شيزوفرانيا السينما هو قطاع كبير يقف دائما بالمرصاد لأي محاولة تغيير في النمط الفني والمعالجات الدرامية.. وعلي هذا يتم وئد الأفكار التحررية قبل ميلادها أو أن أصحابها يتعرضون لاضطهاد شديد لو قدر لأفكارهم أن تخرج الي النور.من بين الأفلام التي عرضت خارج المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الفيلم المصري دنيا للمخرجة اللبنانية جوسلين صعب .. هذا الفيلم استحوذ علي الاهتمام الأكبر من جانب الصحافيين والنقاد وأثار عاصفة من الاحتجاجات والرفض ترجع بالأساس الي جرأة موضوع الفيلم وحساسية الجمهور من النقد اللاذع الذي وجهته المخرجة اللبنانية جوسلين صعب للمجتمع المصري، علما بأن أفلاما كثيرة قد تعرضت لسلبيات اجتماعية وسياسية أشد خطورة ولم يكن لها هذا الصدي العدواني، ويناقش الفيلم في سياق فني وأحد المحظورات التي فرضها المجتمع علي نفسه باسم الدين والأخلاق، ويضع في القلب منها قضية الحب بمفهومه الغريزي والصوفي والرومانسي، منطلقا من مرجعية علمية ترصد تداعيات الخلاف والجدل وتبحث عن الظاهر والمستتر في كتب التاريخ والأدب والشعر في محاولة للتأكيد علي شرعية الحب كاحساس انساني وسلوك ذات صلة وطيدة بحركة الكون ودورة التناسل الطبيعية الواجبة لاستمرار الأجيال وبقاء الحياة، ويتخذ الفيلم الذي كتبته أيضا المخرجة جوسلين صعب من التراث العربي القديم نماذج ابداعية لابن عربي وبشار ابن برد وحكايات ألف ليلة وليلة كوثائق ومستندات لتعامل العرب مع الابداع للتدليل علي أن حاجز الخوف شيء مستحدث لا يوجد له أصل في التاريخ القديم، حيث امتلأت مجلدات الابداع العربي القديم بعبارات الغزل الصريح وصور الاباحية، ولم يكن هناك سقف لدي المبدعين في التعبير عن أرائهم ومكنون مشاعرهم الرومانسية والحسية، وكي يكون الكلام علميا غير مرسل اعتمدت جوسلين في تناولها للمحظور علي ذاكرة استاذ جامعي مثقف محمد منير عكف علي البحث والقراءة لاستخلاص المعاني الدقيقة من أمهات الكتب التراثية عامدا الي تأكيد حرية الفكر والابداع وتخليص العقل من شوائب الرجعية والتخلف، دافعا بزخم هذه الأفكار في اتجاه الأسئلة التي تثار داخل رأس الطالبة الجامعية حنان ترك عن مفهوم الجسد ومعني الحب وأسباب المنح والمنع في هذا الخصوص، وحرية التعبير عن الرغبة أو التجرد منها وعلاقة ميولها الفطرية كفتاة تهوي الرقص بكل هذه الاشكاليات الصعبة!؟تدور احداث الفيلم المتقن من الناحية الفنية حول تفاصيل كثيرة من هذا النوع تتداخل بطبيعة البناء الدرامي مع قضايا عصرية لها خصوصية شديدة في المجتمعات الشرقية مثل قضية ختان الاناث التي تقف منها المخرجة بحكم تكوينها التحرري ونشأتها الغربية موقف الرافض المتعصب، حيث تعتبر ذلك جريمة ترتكب يوميا تحت سمع وبصر المجتمع دون أن يكون هناك رادع أو قانون يحمي الاناث من هذا العدوان الصارخ.. وفيما تري المخرجة اللبنانية الفرنسية ذلك عدوانا تؤمن علي الجانب الآخر بحرية الجسد واستثماره وتدين موقف الرافضين للرقص باعتباره عملا فاضحا يثير الغرائز وربما كانت تلك الآراء هي التي أدت الي فقدانها التعاطف الجماهيري، ودخولها الشرك الاجتماعي بقدميها لتواجه هجوما عنيفا اثناء الندوة التي أقيمت لمناقشة الفيلم عقب عرضه في اليوم الخامس للمهرجان.وأتصور أن الهجوم علي المخرجة جاء لكونها خلطت بين حقها في الطرح والمناقشة بشكل مجرد وبين اباحتها للعلاقات الغريزية واستخدامها لدلالات يفهم منها تأييدها للنظرة الاستشراقية للعرب بكل ما تحمل من اتهامات وتجن.. فهي تقيم مقارنة بين الرقص الايقاعي المدروس الهادف الي استغلال المهارات الفنية الحقيقية وهو الامتياز الذي تتمتع به الفتاة الجامعية ويقبله المجتمع كفن حقيقي معترف به أكاديميا وبين انحرافات الجسد في شارع محمد علي، حيث التحريك الغريزي هو السلعة الرائجة لدي العوالم وأساطين الأفراح البلدي.. وقد أغفلت المخرجة الفروق الانسانية في التعامل مع وجهي العملة.. مطلقة أحكامها الشخصية علي المجتمع ككل متهمة اياه بالغباء والجمود، غير أنها فشلت في صياغة أفكارها بشكل فلسفي يتناسب مع ما نوهت عنه في بداية الفيلم حول العلاقة الابداعية بمفهوم الحب، كما خانها ذكاؤها في النزول بأدواتها التعبيرية الي الاسراف في استخدام العري كوسيلة للمعالجة، خاصة في المشاهد التي كانت تجمع بين البطلة حنان ترك و فتحي عبد الوهاب الزوج الشهواني الذي لا يؤمن بوجود دور للمرأة الا في الفراش، وأيضا الاشارات المتكررة لحالات البرود الجنسي التي تعاني منها عايدة رياض و سوسن بدر نتيجة ختانهن وعكوفهن طوال الأحداث علي اسداء النصائح الحسية لحنان ترك لاشعال رغبات زوجها تعويضا عن هذا النقص.لا شك أن الفيلم تزاحم بالعديد من التفاصيل كان بعضها خارج السياق الدرامي ومثل وجهة نظر خاصة بالمخرجة وربما كان تجاوبا مقصودا مع صيحات المرأة المطالبة بالحرية. وهي التكأة لتبرير الجنوح والانحياز للأفكار الغربية بصدماتها الحضارية المتعارضة مع الفكر المحافظ في المجتمعات الشرقية التي لا تنكر علي المرأة حقوقها ولكنها تضع معايير لا ترضي الطامحين في مزيد من الحرية ـ الساعين الي فضاء مطلق.0