محاكمة ياسين العيّاري: قمع لحرية التعبير أم تضخيم سياسي لقضية عادية؟

حجم الخط
1

تونس – «القدس العربي»: أثار إيقاف المدون التونسي ياسين العيّاري جدلا كبيرا في البلاد، وخاصة أنه صدر بحق العياري العائد من فرنسا حكم غيابي بالسجن بتهمة الإساءة للجيش، وهو ما اعتبره البعض مصادرة لحرية التعبير محذرا من عودة أساليب القمع التي كانت سائدة خلال عهد بن علي، فيما دعا آخرون إلى عدم الخلط بين حرية التعبير والتهجم على الجيش ودوره الكبير في حماية البلاد من خطر الإرهاب، مؤكدين أن الموضوع الجديد لا يرقى لمستوى «قضية رأي عام».

أول انتهاك لحرية التعبير

في العهد الجديد

وقال محامي العياري، سمير بن عمر إنه تم إيقاف موكله فور عودته من فرنسا بعد صدور حكم غيابي «قاسٍ جدا» في تشرين أول/نوفمبر الماضي من المحكمة العسكرية بسجنه لمدة ثلاث سنوات مع الإذن بالتنفيذ العاجل.
وأشار إلى أن التهمة الموجهة إلى العياري هي «المساس بكرامة الجيش الوطني» بعد كتابته عدة مقالات انتقد فيها أداء وزير الدفاع الحالي غازي الجريبي وحمله فيها مسؤولية «ضعف أداء الموسسة العسكرية» مستغربا عدم إعلام موكله بهذا القرار «بالرغم من أن المؤسسة العسكرية على دراية بمقره، باعتباره ابن أحد قياداتها وأحد شهدائها النقيب الطاهر العياري».
واعتبر بن عمر ان العياري «يدفع ثمن مواقفه السياسية» مشيرا إلى أن إيقافه وسجنه «يُمثِّل أول قضية لانتهاك حرية التعبير في عهد (الرئيس المنتخب) الباجي قائد السبسي».

شخصية مثيرة للجدل

ويُعتبر العياري من أكثر المدونين التونسيين إثارة للجدل وهو معروف بمعارضته لنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي أطاحت به الثورة التونسية 14 كانون الثاني/يناير 2011، وقد وجه مؤخرا انتقادات لاذعة للسياسي الخضرم الباجي قائد السبسي الذي انتخب مؤخرا رئيسا لتونس.
وكتب المدون المُقرب من حزب المؤتمر (حزب المرزوقي) إثر اعتقاله في المطار رسالة أكد فيها أنه فخور بكونه «أول سجين رأي في عهد ما بعد الانتخابات التي أفضت فوز نداء تونس في الانتخابات التشريعية والرئاسية».
وفي تعليقه على حادث اعتقال العياري، أشار الأمين العام لحزب المؤتمر عماد الدائمي إلى ان النظام الجديد انطلق في ممارساته حتى قبل أن «يضع أصلا الرجل في الركاب» مؤكدا أن حزبه سيتصدى لهذا الأمر و»لن نسمح لهم بالعودة بنا إلى ما قبل 17 ديسمبر (حادثة محمد البوعزيزي الذي مهدت لانطلاق شرارة الثورة)».
وكتب القيادي في «المؤتمر» طارق الكحلاوي على صفحته في موقع فيسبوك «يمكن ان نتفق والا نتفق مع ياسين العياري وخاصة اسلوبه في النقد، لكن اعتقاله بهذه السرعة وبحكم ثقيل مثل هذا وفي الوقت الذي سيكون فيه بعض وزراء الحكومة الحالية وزراء في حكومة نداء تونس الجاري تشكيلها وفي الوقت الذي يستعد فيه النظام القديم للعودة للسيطرة على دواليب الدولة، هو من الناحية الرمزية أحد المؤشرات الأوضح على العودة التدريجية لما قبل 14 كانون الثاني/يناير».
وأضاف «ياسين الذي عرفته قبل الثورة كان من الناشطين القلائل في سياق النضال ضد الحجب ومن أجل حرية التعبير (كنا مجموعة من خلفيات متناقضة أحيانا لكن عملنا مع بعض وأحدثنا الفارق وتفرقت سبلنا تدريجيا بعد الثورة) وتعرض للايقاف مثل غيره بسبب ما يقوله وليس بسبب أي عنف يمارسه، وبعد الثورة وارتفاع منسوب الحرية كتب العديدون الكثير من النقد وخاصة الشتم في حق مؤسسات الدولة بما في ذلك رئيس الجمهورية ولم يحاكم أحد، واذا تمت محاكمة كل من يفشي «أسرار الدولة» العسكرية والأمنية لتم اعتقال الكثيرين خاصة من أنصار النظام القديم الذي يستعد للحكم الآن».

محاكمة مسيّسة

وأكد القيادي في حزب نداء تونس خالد شوكات لـ»القدس العربي» أن الحكم الصادر على العياري قديم و»جاء حتى قبل انتصار نداء تونس في الانتخابات التشريعية والرئاسية، والأمر متعلق بمحكمة عسكرية».
وأشار إلى أن القضاء العسكري نزيه وبعيد عن الضغوط السياسية، مؤكدا بالمقابل أن حزبه ضد «أي تضييق على الرأي أو أي محاكمة ذات بعد سياسي أو متعلق بحرية الرأي والتعبير».
في حين اعتبرت ”حركة أطباء ضد الديكتاتورية” أن محاكمة العياري في هذا التوقيت «مسيّسة» مشيرة إلى أن المجتمع المدني سيقوم بالتصعيد لإطلاق سراحه، وأكدت أن العياري جاء إلى تونس في وقت سابق ولم يتم إيقافه.

توظيف حقوق الإنسان

وكتب أستاذ القانون الدستوري والمنسق العام لشبكة دستورنا جوهر بن مبارك في صفحته على موقع فيسبوك «لا أرى بعين مطمئنة إلى الاعتقالات التي تتوالى لأشخاص لمجرد كلام قالوه حتى و لو كان بعضهم يشتمني. مراجعة التشريعات المتعلقة بالقـضــاء العسكري ضرورية لأن مثول المدنيين لقضاء الجيش غير متناسب مع معايير حقوق الإنسان».
فيما كتبت الباحثة رجاء بن سلامة «إيقاف مطلوب للعدالة ومحرّض على العنف ليس ضربا للحرّيّات (…) لأنّ الشّرطة ألقت القبض على شخص مطلوب للعدالة مثل ياسين العيّاريّ، يحرّض على العنف منذ سنوات، ويتهجّم على الجيش الوطنيّ، وكنت أنا نفسي ضحيّة لإشاعاته المرضيّة، عندما لفّق صورة توهم النّاس بأنّني من أنصار بن علي، ومعي الأستاذة درّة محفوظ».
وأضافت «كفى استخداما لحقوق الإنسان في نصرة المارقين على القانون والمرضى والمبرّرين للإرهاب» مذكرة بأن «الحرّيّات ضربت في عهد الترويكا التي بدأت حكمها بسجن صحافيّين بسبب صورة، والتي مارست التّمييز على النّحو التّالي: حاكمت المثقّفين والمبدعين وأطلقت يد الإرهابيّين والمعتدين على الحرّيّات».
فيما انتقدت المحامية ليلى بن دبة محاكمة العياري من قبل القضاء العسكري معتبرة أن محاكمة المدنيين لا تكون إلا من طرف القضاء المدني، ودعت إلى تنقيح قانون العقوبات العسكرية و»خاصة الفصل 91 الذي ينص على أن المحاكمات العسكرية تشمل العسكريين والمدنيين» مطالبة بإطلاق سراح ياسين العياري بشكل عاجل وإحالة ملفه إلى القضاء العدلي.

منظومة الإفلات من العقاب

وأشارت المحامية إيمان الطريقي (رئيس جمعية حرية وإنصاف الحقوقية) إلى أنها تؤيد تطبيق القانون فيما يتعلق بتوقيف العياري بعد صدور حكم قضائي بحقه، لكنها أبدت في المقابل تخوفها من هذا النوع من الأحكام المتعلقة بحرية التعبير والتي تمهد لـ«عودة استعمال القضاء وتوريطه في معركة ضد الحرية» مشـــيرة إلى أنه كـــان من المفترض عدم إرفاق قرار الحكم بـ«التنفيذ العاجل» بهدف تمكين العياري من الدفاع عن نفسه وهو في حال إطلاق سراح.
وأضافت: «حتى نكون أمناء، فإن هذا الحكم صادر منذ فترة طويلة، ولا نستطيع أن نوجه للحكومة الحالية (الجديدة) أي مسؤولية في هذا الموضوع لأنها أصلا لم تتسلم الحكم بعد، ولكن هذا لا ينفي أننا نبدي تخوفاتنا وتحذيراتنا من أن المنظومة القديمة لا تزال سائدة وتريد أن تشوش على أداء القضاء وعلى الإعلام وكل وسائل الضغط العام والسلطات التي تحكم البلاد، سواء كانت سلطة قضائية أو تشريعية أو تنفيذية».
وأشارت إلى أن الحكم الذي صدر ضد العياري يأتي في إطار «منظومة الإفلات من العقاب لكل من مارس التعذيب، وهو ما نددنا به طويلا، فهناك قضايا تعذيب مستمرة بعد الثورة وهنالك ظاهرة الإفلات من العقاب وعدم متابعة الجناة».
وأبدت في السياق، «مخاوف حقيقية من المساس بحرية التعبير والتفكير والتجمع وحرية تأسيس الأحزاب وغيرها، في ظل وجود العديد من رموز النظام السابق، أو الأطراف التي كانت تشارك في عصابات التجمع المنحلة ضمن الحزب الحاكم الجديد».

التهجم على الجيش

واعتبر السياسي والناشط الحقوقي صالح الزغيدي أنه «ليس من الحكمة أن يتهم التهجم على قادة الجيش الذي يلعب دورا كبيرا في حماية البلاد من خطر الإرهاب بهذه الطريقة» في إشارة إلى التهجم المستمر و»غير المبرر» للمدون ياسين العياري على الجيش التونسي.
وأضاف: «لا يمكن اعتبار التهجم على الجيش وقوات الأمن حرية تعبير، وخاصة في هذا الظرف الدقيق الذي تعيشه البلاد، وثمة محاولة لتضخيم هذا الشخص وجعله يبدو وكأنه شخصية وطنية كبيرة، رغم أنه شخصية مثيرة للجدل ومن الخطأ تحويل موضوعه إلى قضية رأي عام».
ونبه إلى ضرورة عدم الخلط بين المنظومة السياسية والعسكرية، مشيرا إلى أن الجيش التونسي لم يتدخل بالسياسية منذ تأسيسه قبل ستة عقود، وبالــتــالي لا علاقة له لا بالمنظومة القديمة ولا الجديدة.
وأضاف «عندما نتحدث عن مكاسبنا في تونس، كثيرا ما نذكر مجلة (قانون) الأحوال الشخصية وحقوق المرأة والتعليم والصحة، لكن لا ننسى أيضا أن من مكاسبنا الكبيرة بالمقارنة مع بقية الدول العربية، أن الجيش التونسي منذ الاستقلال مُبعد بشكل كلي عن السياسة، ولم يلعب أي دور سياسي منذ 60 عاما، وهذه أحدى إنجازات بورقيبة».
وفيما يتعلق بعودة منظومة الاستبداد القديمة وأثرها السلبي على حرية التعبير، قال الزغيدي «المنظومة القديمة بشكلها السابق (نظام حزب الواحد والرئيس الواحد والصوت الواحد في البرلمان وفي الإعلام وضرب كل ما هو مستقل عن السلطة سواء أحزاب أو جمعيات أو صحافة والخلط بين الحزب والدولة) لا يمكن أن تعود في تونس، لأنها انتهت كما انتهت أغلب الأنظمة الديكتاتورية في العالم، لكننا قد نشهد في المستقبل بعض التراجع (على صعيد الحقوق والحريات) لأننا ما زلنا لم نكمل المسار الديمقراطي وما زالت الأخطار قائمة».
يذكر أن النيابة العسكرية في تونس أصدرت بلاغا أكدت فيه أن محاكمة العياري تأتي في إطار «فتح بحث تحقيقي وسماع المتضررين الذين تمسكوا بتتبع المعني بالأمر (العياري) نظرا للضرر الذي لحق بهم نتيجة ما ارتكبه من أفعال تتمثل بالخصوص في: ثلب (قدح) عدد من الضباط السامين والإطارات في وزارة الدفاع الوطني وقذفهم علنا ونسبة أمور غير حقيقية لهم، ونشر عدد من الإشاعات من شأنها ارباك الوحدات العسكرية والايهام بوجود مشاكل خطيرة في صلب المؤسسة على غرار المزاعم المتعلقة بتقديم رئيس أركان جيش البر الحالي لاستقالته واتهام عدد من القيادات بالقيام بتجاوزات مالية وإدارية دون تقديم أي اثباتات على ذلك».

حسن سلمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية