لندن – «القدس العربي»: يقول الكاتب والصحافي الأمريكي فيليب غوريفيتش في رده على حادثة «شارلي إيبدو»: «نحن، أصحاب الأقلام، نحب أن نقول، أن نعتقد، أن القلم هو أقوى من السيف. ثم، عندما يهاجمنا شخص ما بالسيف (أو الكلاشينكوف) لإختبار هذا الإدعاء، نكتشف اننا لسنا على يقين مما ندعيه. وفي الواقع، فإن السلاح أقوى، أو بتعبير أوضح، إن قوة القلم تعتمد على قوة السلاح».
لم يهدف غوريفيتش بتعليقه هذا، الذي أتى ضمن مقال نشره في مجلة «نيويوركر» بعنوان «القلم في مواجهة السلاح» أن يرفع راية اليأس، أو أن يشكك في قوة حرية التعبير حين يعترضها الإرهاب، أو البربرية، كما سماها البعض. بل ان قراءته جاءت مختلفة بعض الشيء، عن معظم رسامي الكاريكاتير حول العالم الذين فجروا، بعد ساعات قليلة من وقوع الجريمة، ثورة كاريكاتيرية كان بطلها القلم، اجمعت معظمها على رمزية صمود الأقلام في وجه السيوف والبنادق. فبعد الهجوم الدموي على مقر «شارلي إيبدو» باتت وسائل الإعلام أمام المفاضلة بين خيارين: حرية التعبير والأمن الشخصي. وقد إنعكست هذه المفارقة بعد أن قررت صحيفة «يولاندس بوستن» الدنماركية التي كانت قد أثارت غضب المسلمين في عام 2005 بسبب نشر الرسوم الكاريكاتيرية المثيرة للجدل للنبي محمد، عدم إعادة نشرها للصور بسبب المخاوف على سلامة موظفيها. وأعلن رئيس تحرير الصحيفة غورن ميكلسن القرار بعد يوم واحد من وقوع الهجوم على المجلة موضحا أن الصحيفة لن تطبع أيا من الرسوم التي ظهرت في «شارلي إيبدو» خلافا لبعض الصحف اليومية الرائدة الأخرى في الدنمارك، والنرويج والسويد.
ولا شك أن رسومات أشهر رسامي الكاريكاتير في الصحيفة الفرنسية الساخرة شارب وكابو وولينسكي وتينوس كانت قوية، حيث كان من ضمنها رسوم مسيئة للنبي محمد في عام 2006 الأمر الذي أثار موجة احتجاجات في دول عربية وإسلامية، وآخرها، قبل حوالي شهرين، كاريكاتير يسخر من أبو بكر البغدادي رئيس تنظيم «الدولة الاسلامية». وقد كانت ردة الفعل، كما قال غوريفيتش، معتمدة على قوة القلم، وتُرجمت بالهجوم الذي نفذه مسلحون على الصحيفة الفرنسية الساخرة والذي خلف وراءه 12 شخصا معظمهم من الصحافيين ورسامي الكاريكاتير في هجوم يعد الأكثر دموية منذ 40 عاماً. ومع هذا، فقد أصرّ معظم الرسامين على التعبير عن صمود القلم في وجه الإرهاب، فغمرت رسومات كاريكاتيرية غاضبة شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي من فنانين من جميع أنحاء العالم للتضامن مع صحافيي المجلة.
ونشرت صحيفة (برلينغسكي) الدنماركية على صفحتها الأولى رسما يصور ورقة بيضاء كتب عليها اسم «شارلي ايبدو» بالأسود تحيط به آثار 12 رصاصة نسبة إلى القتلى الـ12 وتحت الرسم نص يؤكد ان «الديمقراطية وحرية التعبير لا يجب ولا يجدر خنقهما». وتابعت «لكنه من الجلي ان الاستخلاص الواضح بنظر العديدين سيقضي بتجنب الظهور والتستر وتفادي اثارة انفعالات قوية. لكن يجدر بنا عدم الاختباء، لاننا عندها نكون رضخنا لثقافة تهديد غير مقبولة». واحتل رسم كامل الصفحة الأولى لصحيفة «دي مورغن» الناطقة بالهولندية يصور بالأحمر على خلفية بيضاء إرهابيا يشهر رشاش كلاشنيكوف ويصيح «انهم مسلحون!» في مواجهة شخص خارج الصورة يظهر منه فقط قلم يحمله. وتداول نشطاء على مواقع التواصل الإجتماعي في جميع أنحاء العالم عددا كبيرا من الكاريكاتيرات، تضامنا مع الضحايا، مؤكدين على أهمية حرية التعبير وصمود القلم ضد مجازر السيف. من جانبه، رسم رسام الكاريكاتير السياسي الهولندي روبن أوبنهايمر قلمي رصاص في وضع رأسي مع طائرة تحلق تجاههما، ليستحضر هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية التي استهدفت مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك.
ورسم ساتيش أشاريا، وهو رسام كاريكاتير هندي، صورة لرجلين ملثمين أمام كومة من الحطام وهما يحدقان في قلم ويتساءلان «ما هذا السلاح الصغير الذي يؤذينا كثيرا؟». ونشر الرسام في صحيفة «كانبرا تايمز» الأسترالية ديفيد بوب كاريكاتير عبر حسابه فى موقع «تويتر» لمسلح تخرج الأدخنة من رشاشه الآلي بعد قتله لصحافى، ليستخدم عبارة تلمح لحجج منفذي العملية الإرهابية: «هو الذي رسم أولا».
وقال بوب على حسابه على تويتر «لا أستطيع النوم هذه الليلة، أفكر في زملائي رسامي الكاريكاتير الفرنسيين، وعائلاتهم ومحبيهم». ورسم رسام الكاريكاتير البرازيلي، كارلوس لاتوف، تصويرا مختلفا للحادث، حيث رسم شخصين مسلحين وهما يطلقان النار على مبنى شارلي إيبدو، التي تخرج من مدخلها بركا من الدماء، وفي خلف المبنى يظهر مبنى إسلامي متأثرا بهذه الضربات. ومن مصر، شارك الرسام مخلوف، في حملة التضامن مع الصحافيين الفرنسيين، قائلا «نحن نعلم أن سلاحنا أقوى من سلاحكم». وعلقت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية بكاريكاتير، قائلة «اعتداء قاتل على صحيفة فرنسية ساخرة، ولكن القلم سيصمد». وكتب رسام صحيفة «لوموند» الفرنسية، بقلم يكتب بالدماء «كل قلبي مع شارلي إيبدو». أما كاريكاتير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، فرسم رسما مرفقاً بتعليق: «بدون الفكاهة، سنكون جميعا أموات». وبالإضافة إلى هذه الرسومات، أعرب رسامو الكاريكاتير الأوروبيون عن غضبهم فى «تويتر». فيليب جيليك وهو رسام بلجيكى قال: «أشعر أن ما حدث يشبه إلى حد كبير هجمات 11 ايلول/سبتمبر في نيويورك. وأشعر أنه لن يكون هناك قبل وبعد 7 كانون الثاني/يناير. منذ هذا الصباح، وأنا أحاول أن أقوم برسم بعض الرسومات. لا أستطيع». وفى إيطاليا، رسم جانلوكا كوستانتيني
كاريكاتيرا سياسيا بلافتة تقول: «نحن جميعا تشارلي إبيدو. اقتلونا جميعا». وفي بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، نشأت حملة على موقعي التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر»، بعنوان «إسلامهم ليس إسلامنا»، معبرين من خلالها عن استيائهم من هذا الهجوم الدموي، وعدم اتفاق دينهم معه. وكرمت الصحف الفرنسية في اطر سوداء ورسوم كاريكاتيرية القتلى الـ12 ضحايا الاعتداء. وعنونت صحيفة «ليبراسيون» اليسارية «جميعنا شارلي» مكتوبة بالأبيض على خلفية سوداء وقد رفع العديد من المتظاهرين لافتة تحمل هذا المربع الأسود خلال التجمعات التي جرت مساء الاربعاء كما نقلته الكثير من الصحف على صفحاتها الأولى. وأوردت اذاعة «كادينا سير» في افتتاحية نشرت على موقعها الالكتروني ان «الرسوم الكاريكاتيرية لم ترتكب اي ذنب، ولا النكات، ولا آخر كتاب (للاديب الفرنسي ميشال) ويلبيك الذي يتنبأ بفرنسا إسلامية عام 2022. لا، دعونا لا نخطئ في العلاج: ليس الحل في بتر الحريات، بل في محاربة التعصب والحقد الأعمى والظلامية والجهل».
ريما شري