القاهرة – «القدس العربي»: بعد عام برزت فيه بعض وسائل الإعلام في مصر كسلاح سياسي بل وأمني أحيانا، وكثرت فيه المعارك الإعلامية التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة، حسب بعض المراقبين ويتطلع الكثيرون إلى العام الجديد وما يمكن ان يشهده من إصلاحات وتنظيم. وتتعلق الأنظار تحديدا بتفعيل ما جاء في نصوص الدستور من اجراءات لاصلاح الإعلام، وبينها إنشاء الهيئة الوطنية والمجلس الوطني للإعلام، وكذلك التوصل إلى ميثاق شرف إعلامي، يلتزم به الجميع حفاظا على سمعة مصر وإعلامها قبل أي اعتبار آخر.
وتعد الهيئة الوطنية للإعلام هيئة مستقلة، تقوم على إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية والإذاعية والرقمية المملوكة للدولة، وتطويرها وتنمية أصولها وضمان استقلالها وحيادها والتزامها بأداء مهني ويحدد القانون تشكيل الهيئة ونظام عملها ويتولى المجلس الوطني للإعلام وضع لائحة العقوبات المالية عن المخالفات التي ترتكبها الجهات المرخص لها، والتي لا تقل عن 50 آلاف جنيه ولا تزيد على 150 ألف جنيه في المرة الواحدة، ويحق للمجلس وقف أي برنامج أو قناة أو صحيفة بما لا يزيد على 6 شهور، وعدم تجديد الرخصة أو التصريح إذا تكررت المخالفات وتجميد الترخيص في حالة عدم دفع الغرامات أو في الامتناع عن تمكين المجلس من البحث في إحدى الشكاوى التي تم تقديمها ضد القناة أو المحطة أو الصحيفة.
الدكتور ياسر عبد العزيز، أكاديمي وخبير إعلامي وعضو في اللجنة الوطنية للإعلام والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وواحد من الأصوات القليلة التي ترتفع في مواجــهــة الإنهيار المهني في الأداء الإعــلامي، التــقته «القدس العربي» لمناقشة أحوال الإعلام وما ينتظره في العام الجديد.
إعادة المهنية للإعلام
عن الدور الذي من الممكن ان تقوم به الهيئة الوطنية للإعلام في إعادة المهنية للإعلام المصري، قال:
«اللجنة الوطنية للإعلام هي لجنة مختصة في صياغة التشريعات الإعلامية، واللجنة الوطنية التي تمارس عملها الآن منوط بها إعداد تشريعات بإنشاء ثلاث هيئات نص عليها الدستور وأيضا تنقية قوانين العقوبات القائمة في مصر من المواد التي تسيء إلى حرية الصحافة والإعلام والتي تتناقض مع الإستحقاقات الدستورية، وبالتالي هذه اللجنة تنهض بعملها الآن ومن المفترض ان تنجز هذا العمل خلال شهر وفي حالة إنجاز مشروعات تتسم بالكفاءة والفاعلية والواقعية أيضا فإنه سوف يمكن بعد ذلك ترشيد الأداء الإعلامي بدرجة ملحوظة والحد من الإنفلاتات في الأداء، ويستند المجلس الوطني لتنظيم الإعلام على ثلاثة أركان رئيسية هي الحرية، والتنظيم الذاتي، الهيئة الضابطة ولذلك لابد من إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام لتشمل عدم الاحتكار والمسؤولية الاجتماعية وتفعيل حلول لمشاكل الإعلام المصري ولابد أيضا من إيجاد وسيلة لحل مشاكل الإعلاميين وهناك أكثر من نقابة للإعلاميين ويجب بلورة هذه النقابات لخلق المفوضية لتكون السبيل للخروج من المأزق لحين إنشاء نقابة الإعلاميين».
الأداء الإعلامي في 2014
وعن تقييمه لأداء الإعلام المصري خلال عام 2014 أكد الدكتور ياسر عبد العزيز ان: «اداء الإعلام المصري عام 2014 في مجمله كان سيئا وأعطى انطباعا سلبيا عن الإعلاميين المسلمين رغم ان هناك بعض الزملاء ووسائل الإعلام التي حاولت بقدر الإمكان ان تتوخى المهنية. وهناك 4 عناصر رئيسية في الأداء الإعلامي المصري في العام المنصرم، الأول هو التراجع الواضح في مستوى المهنية وهذا الأمر لا يعني ان الإعلام المصري كان معياريا ومتسقا مع المعايير الدولية طيلة الوقت ثم حدث التراجع ولكنه يعني ان الإعلام المصري بكل مشاكله وعيوبه ذهب إلى نقطة أبعد في الأداء المتدني وهذا الأمر ظهر بالفعل في مشاكل مثل التسريبات والمهاترات والشتائم والتهديد والتحريض والمشكلات الشخصية ونمط أداء بعض مذيعي «التوك شو» الذين يحولون برامجهم إلى حصص تلقين للجمهور معتبرين انفسهم قادة سياسيين ومخططين وعلماء وفلاسفة وهذا يسمى بالتدني المهني الذي تحتل فيه برامج «التوك شو» المرتبة الأولى، أما العنصر الثاني هو ان المنظومة الإعلامية المصرية اخفقت في ان تخاطب الخارج سواء الإقليمي أو الدولي وبالتالي ظلت التعبيرات الإعلامية المصرية جميعها داخلية وغير قادرة على مخاطبة العالم الخارجي. أما العنصر الثالث في أداء الإعلام المصري فيتعلق بعدم قدرة المنظومة الإعلامية المصرية على إعادة تنظيم نفسها وخصوصا عبر إنشاء نقابة للإعلاميين أو تطوير مشروعات القوانين التي نص عليها الدستور والذي تم إقراره في شهر كانون الثاني/يناير من العام 2014 ، والعنصر الرابع في الأداء الإعلامي يمكن ملاحظته في خفوض التعددية بدرجة كبيرة وبروز الصوت الواحد وهذا الأمر له إنعكاسات سلبية على النزعة النقدية في الأداء الإعلامي».
ميثاق الشرف الإعلامي
وعن رأيه في ميثاق الشرف الإعلامي وهل من الممكن ان يحد من أي تجاوزات؟ اعتبر ان:
«ميثاق الشرف الإعلامي جزء من منظومة كبيرة وهي منظومة التنظيم الذاتي وحينما يكون هناك ميثاق شرف إعلامي فعال ومحترم من قبل الجماعة الإعلامية وتكون هناك آليات للتنظيم الذاتي وهيئات ضابطة عادلة وعاقلة ومناخ للحرية، ينضبط الأداء الإعلامي ولكن التعويل على ميثاق الشرف بإعتباره الحل السحري لأزمة الإعلام المصري هو إختصار مخل، لأن ميثاق الشرف لا يجب ان يصدر إلا من خلال الجماعة المهنية ممثلة في نقابة الإعلاميين وحتى الآن لا نملك نقابة للإعلاميين، فيجب أولا ان تتواجد لدينا نقابة للإعلاميين يصدر عنها ميثاق الشرف ويكون بعد ذلك جزءا من آليات تقويم الأداء الإعلامي وليس كل هذه الآليات».
الأجور الكبيرة للمذيعين
وعن رأيه في الأجور الكبيرة التي يتقاضاها بعض الإعلاميين في القنوات الفضائية، قال: «هذه المسألة لا تخص الأداء الإعلامي في شيء لكن ربما بسبب هذا الصراع أو التنافس على الأجور الكبيرة يلجأ بعض الإعلاميين أحيانا إلى المطع بأحد بغرض تأمين قدر أكبر من الرواج، لكن إذا ازدهرت صناعة الإعلام وزادت الأجور هذا الأمر لا يمس المهنية المفترض من قريب أو بعيد، ولكن عندما يكون التنافس على الرواج من خلال التبني أو المطع بأحد فهذا هو الإشكال».
وعن مكانة الإعلام المصري حاليا مقارنة بالإعلام في الدول الاخرى، قال «الإعلام المصري أخفق في مخاطبة الإقليم والعالم وان التعبيرات الإعلامية المصرية كلها تعبيرات مغرقة في المحلية وغير قادرة على مخاطبة الخارج وان الإعلام المصري فقد جزءا من قدرته على الريادة والألهام».
هل يمكن التغلب على المشكلات التي تواجه الإعلام؟
«لابد ان نساند ما تفعله اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الإعلامية، وننجز التشريعات الإعلامية التي ستصدرها تلك اللجنة، ولابد من إنشاء نقابة للإعلاميين وتقوم النقابة بإصدار ميثاق الشرف الإعلامي ولابد من إعادة هيكلة وسائل الإعلام العامة المملوكة للدولة ونجعلها تدار بطريقة أكثر رشدا وعقلانية، وفي الوقت نفسه يجب ان نحسن مخرجات التعليم وان نولي اهتماما كبيرا بإختيار العاملين في وظائف الإعلام والصحافة وإخضاعهم للتدريب».
وهل يمكن ان يعرقل المال الخاص أي برامج إصلاحية للإعلام؟
«بالعكس تماما فالمال الخاص لا يجب ان يعرقل البرامج الإصلاحية وهذا غير مفترض، لان المسألة هي كيفية تنظيم المال الخاص أو الإستثمار الخاص في صناعة الإعلام وكيف يمكن ان ننظم مساهمات رجال الأعمال في هذا الأمر وبشكل يحافظ على التعددية ويمنع الإحتكار، فإذا استطعنا ان ننظم هذا المجال فسوف نستفيد من عوائد الإستثمار في هذه الصناعة وسوف نتجنب مخاطرها».
الغاء منصب وزير الإعلام
وعن قرار إلغاء منصب وزير الإعلام، قال الدكتور ياسر عبد العزيز «وزارة الإعلام ما زالت باقية بالرغم من إلغاء منصب وزير الإعلام، ولكن هذا القرار هو تسويقي لمجرد إعطاء الإنطباع وليس قرارا سياسيا ولم يترتب عليه أي تغيير يذكر، ولكن وزارة الإعلام قائمة والاستاذ عصام الأمير قائم بأعمال وزير الإعلام».
وعن رأيه في بعض القنوات الفضائية التي تبث برامج تسيء لبعض الشخصيات العامة والدول قال «ليست هناك آلية للضبط في مجال الإعلام المصري ونحن في صدد إستقلال التشريعات ولكن الإعلام المصري يعمل الآن دون رابط أو ضوابط ولا توجد سلطة معلنة تخضع الأداء الإعلامي للتقييم ولا توجد آلية معينة لتقييم الأداء الإعلامي».
هل لثورة 25 يناير تأثير على الإعلام المصري؟
«ثورة 25 يناير أعطت الإعلام المصري دفعة قوية في إتجاه المطالبة بتحرير الإعلام واستقلاليته ولكنها في الوقت نفسه القت بظلال سلبية على الممارسة خصوصا في أعقاب وصول الإخوان إلى الحكم وما استدعاه ذلك من حدوث انقسام مجتمعي كبير وما حدث لاحقا إلى ان بات المجال الإعلامي اقل تعددا، وبالتالي فإن ثورة يناير التي كانت الحرية أحد أهم شعاراتها أعطت الإعلام المصري الطموح إلى الحرية والاستقلالية ولكنها حتى هذه اللحظة لم تصل إلى الوسائل التي تمكنه من ذلك».
وعن تصريح سابق له قال فيه: «ان هناك مخاوف من ان يتحول المجلس الأعلى للإعلام إلى سلطة ديكتاتورية»، قال الدكتور ياسر عبد العزيز، «هناك محاولات تقوم بها اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحافية والإعلامية والدولة لديها أيضا لجنة لإعداد مثل تلك التشريعات، والمجلس الأعلى للتنظيم والإعلام يجب ان يكون سلطة ديمقراطية متوازنة ومستقلة حتى يستطيع ان يضمن إستقلالية الإعلام وحريته ولكن إذا تحول إلى هيئة بيروقراطية فسيكون عاملا من عوامل ديكتاتورية الممارسة الإعلامية مرة أخرى وهناك تجارب في المنطقة جاءت بأشكال بيروقراطية تحت عنوان التنظيم».
دور الإعلام في الانتخابات
وعن دور الإعلام المصري في الإنتخابات البرلمانية المقبلة وهل سيتسم بالحيادية من عدمه، قال «لا توجد كوابح لدور إعلامي مهني ومتوازن في التغطية الإنتخابية المنتظرة خصوصا وان معظم المشاركين في تلك الإنتخابات هم من انصار مسار 30 حزيران/يونيو وبالتالي لا يوجد خوف على كبح بعض القوى أو الأحزاب، واذ كانت هناك بعض القنوات التي تتبنى تيارات سياسية معينة أو تؤيد مرشحين بعينهم فعليها ان تعلن هذا التأييد بوضوح أما القنوات التي تعلن انها محايدة ومتوازنة فيجب ان يكون اداءها متسما بالحياز والتوازن وان تعطي فرصا متكافئة لجميع المرشحين».
وعن توقعاته لأداء الإعلام المصري عام 2015 ، قال الدكتور ياسر عبد العزيز، «اعتقد انه على أبواب عام 2015 يقف الإعلام المصري على مفترق طرق ويقع أمامة خطر كبير جدا وهو ان يسقط في فخ التدني المهني والمزيد من غياب التعدد والصوت الواحد وأمامه فرصة كبيرة جدا في إعادة تنظيم نفسه خصوصا إذا ما خرجت التشريعات الإعلامية والصحافية التي تعدها اللجنة الوطنية لصياغة التشريعات الصحافية والإعلامية على نحو فعال وقابل للتطبيق».
منار عبد الفتاح