قضية الفساد المالي والإداري في صفوف المؤسسة العسكرية العراقية هي واحدة من أبرز الملفات الشائكة والخطيرة التي تواجه خطط وطموحات حكومة حيدر العبادي في الوقت الحاضر، وفي الوقت نفسه اثقلت كاهل الموازنة المالية للدولة وويتجلى ذلك في إعلان نسبة عجز يقدر بحوالي 35 مليار دولار دولار. وبدأ رئيس الحكومة العبادي بمواجهة خطر الفساد الذي استشرى في جسم المؤسسة العسكرية على مدى ثماني سنوات من حكم سلفه نوري المالكي بعد شهر على توليه رئاسة الحكومة في إطار الوقوف عند اعداد قوات الجيش والحفاظ على الأموال المهدورة. وأوقفت الحكومة العراقية بأوامر من العبادي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة دفع رواتب بقيمة عشرات الملايين من الدولارات كان يجري من قبل توزيعها على جنود لا وجود لهم في الواقع، والذين أطلق عليهم في العراق اسم «الجنود الفضائيين» ضمن حملة مكافحة الفساد داخل المؤسسة العسكرية واستعادة اليد العليا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
وتشكل هذه المبادرة جزءا من حملة العبادي لإعادة بناء القوات المسلحة التي تولت الولايات المتحدة تدريبها عقب انهيارها في العاشر من حزيران/يونيو الماضي أمام مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية. وكان من ضمن أولويات رئيس الحكومة الفعلية في مواجهة الفساد تطهير وزارتي الدفاع والداخلية من عدد من كبار المسؤولين الذين عينهم سلفه نوري المالكي.
ودفعت تلك الجهود في محاربة الفساد المالي والإداري في المؤسستين العسكرية والأمنية إلى تقليص حجم الجيش العراقي من 14 إلى 10 فرق. وحتى الآن نجحت الحكومة في تجنب خسارة أكثر من 47 مليون دولار في صورة إنفاق على الجيش الفضائي خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2014 معظمها في صورة رواتب كان يجري دفعها في السنوات الماضية لجنود قضوا نحبهم أو مفقودين أو لا وجود لهم واعتادت قيادات رفيعة المستوى الاستيلاء عليها. ويتقاضى الجندي العراقي راتبا متوسطا قدرة 750 دولارا أمريكيا، وهو ذاته الذي يتقاضاه أقرانه في وزارة الداخلية من الجنود. بينما يتقاضى الضباط في وزارتي الدفاع والداخلية، حسب الرتب العسكرية راتبا مضاعفا وأكثر من ذلك. وقال مراقبون مختصون ان رواتب الفضائيين خلال السنوات الثماني الماضية بلغت حوالي ملياري وثمانمئة وثمانين مليون دولار وهي كافية لبناء مئة ألف منزل للفقراء وإنقاذ البلاد من أزمة السكن.
وقالت اللجنة المالية البرلمانية أن الايرادات العامة الاجمالية المتوقعة في موازنة 2015 بلغت (99,802) ترليون دينار وبنسبة عجز بلغ (20,3٪). وأكدت تخصيص (25,2٪) من الموازنة لنفقات الأمن والدفاع، فيما وصفتها بانها موازنة أعباء وأعتمدت سياسة التقشف وضغط الانفاق.
وكانت الحكومة العراقية أعلنت رسميا أن إجمالي عدد القوات المسلحة وقوات الشرطة على مستوى البلاد مليون فرد، لكن مسؤولين عسكريين مختصين أكدوا أن المؤسسة العسكرية كانت تضم 238.000 مقاتل في مطلع كانون الأول/ديسمبر من العام 2014. فيما شكك مسؤول عسكري أمريكي رفيع المستوى بهذا الرقم وقال انه مبالغ فيه مقدرا أعداد القوات العسكرية العراقية بـ 125.000 على أفضل تقدير، بانخفاض عن 205.000 في كانون الثاني/يناير. وقال في اعتقادي أن ظاهرة الجنود الوهميين أكبر بكثير عن رقم الـ50.000 الذي أعلنه رئيس الوزراء دون ان يعطي رقما محددا في ذلك. وقدرت قيمة المبالغ الاجمالية للجنود الوهميين «الفضائيين « الـ50.000 ألف جندي بحوالي 450 مليون دولار على الأقل سنويا وهي رواتب زائفة باحتساب راتب الجندي بحوالي 750 دولارا شهريا. وفي الوقت الذي لم يتضح فيه بعد ما إذا كان أيا من المسؤولين المفصولين من بين المتهمين باختلاس أموال عامة، تعهد العبادي بمتابعة هذه القضية الخطيرة على مستقبل البلاد قائلا «سأتابع ذلك حتى لو كلفني حياتي» في إشارة منه إلى خطر المواجهة التي قد تستهدف حياته جراء نهج التطهير للفاسدين. و كرر رئيس الحكومة العبادي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة في الذكرى الـ 94 لتأسيس الجيش العراقي تعهده بالقضاء على كل أشكال الإرهاب وتطهير المؤسسة العسكرية من الفساد والمفسدين . وأضاف «نحن حريصون على إصلاح المؤسسة العسكرية». مبينا ان هذا الإصلاح سوف يعيد للجيش والجندي العراقي هيبته.
كما تعهد ضمن حملة فك الارتباط بين المؤسستين العسكرية والأمنية بإخراج الجيش من داخل المدن لحماية حدود الوطن وتسلم وزارة الداخلية لمهامها في الداخل. ويبدو ان قضية استئصال آفة الفساد والمفسدين واحدة من أبرز مهام القائمين على إدارة المؤسسة العسكرية.
وقال وزير الدفاع خالد العبيدي بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش التي مرت قبل أيام ان ما حصل من نكسة في العاشر من حزيران/يونيو الماضي في الموصل أمام تنظيم الدولة الإسلامية كان بسبب سوء أداء القيادات العسكرية وقلة الانضباط. مبينا ان انفراط الثقة بين الجيش وأبناء الشعب كانت أسبابا حقيقية للنكسة إضافة للفساد المستشري في البناء غير السليم في التسليح والتجهيز والإدارة والدعم. وأضاف لقد استطاع العراقيون تفكيك الأزمة وإعادة الأمور إلى نقطة الشروع الجديد ونحن عازمون على بناء الجيش من القمة باستبدال قياداته بعناصر وطنية لم يلطخها الفساد وستليها مراحل أخرى وبعد فترة قصيرة رغم التركة الثقيلة التي ورثناها ننهض من جديد يدفعنا نداء الوطن وأمل الناس للتحرير الكامل.
ولأول مرة منذ الغزو الأمريكي للعراق مطلع 2003 يحصل انسجام تام بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية والعمل بهدف مشترك هو اصلاح المؤسسة الأمنية والفساد ومعالجة الموازنة المالية للبلاد التي تعاني كسادا حادا. وفي هذا الصدد طالب رئيس البرلمان سليم الجبوري في ذكرى تأسيس الجيش كل القادة السياسيين بـمراجعة جادة وشجاعة وجريئة للغة السياسية في التعامل مع الكثير من الملفات وعلى رأسها المؤسسة الأمنية. وقال أصبح لزاما علينا العمل على شمول المؤسسة الأمنية بمشروع الإصلاح وذلك لن يكون الا بتطهيرها من كل أشكال الفساد. وأضاف ان الفساد في الجيش لا يشبه أي فساد آخر في أي مؤسسة ووجوده فيها يعني خرقا في الأمن القومي وهذا ما لا ينبغي التهاون فيه او تأجيله.
وأوضح ان قانون الحرس الوطني يمثل حالة تحول إيجابية في هيكل المؤسسة الأمنية وهو ما يدعونا إلى الدعوة للإسراع في إكماله من الجهات التنفيذية المختصة لتقديمه إلى البرلمان ليكون إضافة نوعية في تشكيلات جيشنا. من جهتها أكدت لقاء وردي النائبة البارزة في البرلمان العراقي إن اعداد الفاسدين سترتفع بشدة إذا شمل التحقيق رجال الشرطة الوهميين في وزارة الداخلية. وأردفت قائلة «أعتقد أن الجهود التي تبذلها الحكومة الحالية ستواجه مقاومة من بعض ضباط الجيش والأمن الفاسدين الذين جنوا ثروات من وراء هذا النظام الفاسد والجنود الوهميين».
وأكدت ان هدفنا ان نبعد المواطن عامة والموظف خاصة عن تأثير الموازنة من ناحية التقشف، وان لا يقع جزء من التقشف على كاهل المواطن، ونحاول تخفيض رواتب المسؤولين الكبار وأصحاب الدرجات الخاصة أو المخصصات. وتحت قبة البرلمان نشطت لجان تحقيقية لمساندة الحكومة في كشف الفساد ومعاقبة المفسدين، حيث قال عضو لجنة النزاهة في البرلمان محمد حميدي إن «اللجنة بدأت التحقيق مع وزارة الداخلية وفقا للشكاوى التي وصلت إلى اللجنة عن وجود عدد كبير من الوهميين في الوزارة ونحن الآن أمام شكاوى كبيرة والأرقام قد تكون كبيرة أيضا». وأضاف حميدي أن قادة الوحدات العسكرية في الجيش وآمري مراكز الشرطة يتسلمون رواتب مئات العناصر ممن يتمتعون بإجازات طويلة، في الوقت الذي يتعرض باقي الجنود ممن يستمرون بالخدمة إلى ارهاق متواصل بسبب زيادة ساعات الواجبات العسكرية لتعويض النقص في أعداد الجنود.
وتواصل حكومة العبادي جهودها في محاربة الفساد والتذكير بان المفسدين كانوا سببا في خسارة الجيش والقوات الأمنية في الأنبار والموصل وصلاح الدين. وأكد رافد جبوري المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء «تجري في كل مؤسسات الدولة عملية غربلة لكشف الفساد وهي قضية متواصلة ولن تتوقف حتى القضاء على الظاهرة». مضيفا أن «التعامل مع ملف الفساد في المؤسسات العسكرية يتم وفقا للقانون العسكري العراقي».
فاضل البدراني