بغداد – «القدس العربي»: هل يمـكـن أن تكون الثقافة بمنأى عن الوضع العام؟ ربما يتبادر هذا السؤال لـذهـن المثقفين باعتبارها، أي الثقافة، نتاج مجموعات تبحث عن الجـمـال والإبـداع، وتنـبذ العـنـف والمشاكل السياسية التي يمر بها أيُّ بلد.
غير أن الأمر مختلف تماماً في العراق، فالماكنة التي عملت على تهشيم كل شيء جميل في البلد لم تترك أي صغيرة إلا وسحقتها بطريقها. فمثلما عمَّ الفساد في المفاصل السياسية العراقية، وعدَّ العراق في المركز ما قبل الأخير فساداً حسب الإحصائيات الأخيرة، كانت وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافة جزءاً من هذا الفساد العام.
ولا يخفى على المتتبع للشأن الثقافي القضية التي أثارها السينمائي العراقي محمد الدراجي ضد مدير عام دائرة السينما والمسرح؛ نوفل أبو رغيف، وحكم المحكمة الاتحادية باعتبار أبو رغيف مرتشيا وتغريمه.
أما الفساد الأكبر الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام، فهو ما حدث مع فعاليات بغداد عاصمة الثقافة والمليارات التي صرفت على فعاليات لا تستحق أقل من ربع المبلغ المصروف، من دون الالتفات إلى البنى التحتية، ولا إقامة مؤسسات يمكن أن تعيد بناء الثقافة العراقية.
في استطلاعنا هذا، نحاول الوقوف على أهم مفاصل هذا الفساد من خلال آراء بعض الكتاب الذين أرادوا أن يتحدثوا؛ بحرقة، عن مؤسسات تعنيهم ويتمنون أن تكون حاضنة لهم:
فساد الصمت
يرى القاص والصحافي منتظر ناصر أن المؤسسة الرسمية المتمثلة بوزارة الثقافة تتحمل الجزء الأكبر من اللوم، لأنها تعتاش على المثقف ونتاجه الإبداعي، وتلتهم مستحقاته المالية التي من المفترض أن تتحول إلى نتاجات وفعاليات ثقافية حيوية كإنشاء المسارح، ودور السينما، وغيرها. إلا أنها للأسف الشديد ذهبت إلى جيوب المسؤولين الصغار والكبار من أجل الحصول على مكاسب شخصية ومصالح فردية. مضيفاً أن هذه المصالح تتمثل بالمشاريع الفاشلة ذات النتائج السريعة والكلفة الكبيرة من قبيل خيمة مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية التي تم تأجيرها بملياري دينار لمدة ثلاثة أيام، أو المهرجانات الشعرية غير المجدية، أو دار الأوبرا الذي ظهرت فيه ملفات فساد غاية في الخطورة، بالإضافة إلى الأفلام السينمائية التي أنفقت من أجلها أموال ضخمة من دون نتائج ملموسة، فضلاً عن تعيين المدراء والموظفين غير الأكفاء في المراكز الثقافية خارج العراق. أو تذهب على شكل إيفادات لصغار وكبار المسؤولين، بشكل يزيد من ضعف الوزارة ويؤكد ركاكتها، لأنهم لا يمتلكون أدنى مؤهل لتمثيل ثقافة البلد، لمجرد رغبة هذا المسؤول أو ذاك في السفر خارج البلاد، والتمتع بأموال الإيفادات والسفرات، وهذا ما حدث مع أحد المدراء العامين في وزارة الثقافة حين أقام في لندن ستة أشهر، وفي باريس أربعة أشهر، بحجة تجهيز المراكز الثقافية هناك، كما قام أحد وكلاء الوزارة مؤخرا بالسفر إلى السويد، هو وعدد من موظفي مكتبه، ومسؤول حمايته، لا من أجل فعل ثقافي حقيقي، بل من أجل قضاء بضعة أيام هناك. ويؤكد ناصر أن المثقف يتحمل جزءاً من هذه المشكلة، لأنه لم يسجل رفضاً حقيقياً، والمطلوب هو الوقوف بحزم أمام مثل هذه السرقات الواضحة، وعدم السماح بها مطلقاً.
تزوير مغاير
ويشير الشاعر والناقد جمال جاسم أمين إلى أننا اعتدنا أن نستخدم كلمة فساد بمدلول جنائي (سرقة مال عام مثلاً) أو تزوير عقود… الخ، في الثقافة تزوير من نوع آخر وفساد آخر في الضرورة، بمعنى أن تشويه الفعل الثقافي أو تقديم المشوه يؤدي ما يؤديه الفساد. ويعطي أمين مثالاً على ذلك، ففي العراق تبدأ التشوهات الثقافية بالمثقف نفسه الذي لم يغادر أنساقه المضمرة أو يتكسب بمقولات ثقافية ولا تنتهي بالنصوص ذاتها، ضجيج إعلامي وتراكم نصوص تتشابه وفعاليات نفعية لكن دون جدوى أو أثر حقيقي، بل مزاولات فردية تستغلها المؤسسة لتأثيث فراغها. ويضيف: نحتاج توصيف قانوني لأهداف الثقافة وفعاليات تعبر عن روح هذا التوصيف مثلما نحتاج مثقف رسالي عابر لنرجسيته، وهو الأمر الذي لا تتيحه ثقافتنا الاجتماعية، ثقافة التغالب والربحية، في العراق باختصار سوء فهم لأهداف الثقافة و»أنا برأيي أن أهم هدف للثقافة هو صناعة المعنى، فكل فعالية لا تتجاوز نمطيتها إلى فضاء ابتكار مدهش وجديد أعدها احتفالاً لا علاقة له بالثقافة وكل مال ينفق عليه يدخل في باب الفساد لأنه مال مهدور بلا طائل».
اتفاقات انتخابية
ومن وجهة نظر الشاعر والتشكيلي مازن المعموري، فإنه غالباً ما يكون التركيز على الفساد المستشري في الإدارات المالية والمشاريع والشركات، دون الانتباه إلى سرطان أكثر خطورة يمس الثقافة العراقية بشكل حاد ومتوتر لأسباب تتعلق بالاتفاقات الانتخابية والامتيازات التي يحصل عليها كل شخص من أعضاء الهيئات الإدارية في الاتحاد العام للأدباء وكلٌّ حسب أهميته ومستواه الاجتماعي وحجم تأثيره على الآخرين، لذا نجد أن الانتخابات مجرد لعبة اتفاقات سرية تتم وفق مصالح خاصة، ففي الوقت الذي كان الاتحاد العام يمنح الفروع 500000 خمسمئة ألف دينار (ما يقارب 400 دولار) لكل فرع سنوياً، اكتشفنا فجأة أن موارد الاتحاد تتجاوز 3 ملايين دينار (ما يقارب 2500 دولار) ولا نعلم أين كانت تصرف تلك الموارد المتبقية، وعندما يواجه أغلب أعضاء الاتحاد تصرفات سيئة من رئيس الاتحاد فإن كل من يجلس في المجلس المركزي يصم آذانه وعيونه تحت عنوان «هذه من صغائر الأمور» وكأن كرامة الناس أصبحت صغائر في عيون من انتخبناهم لرئاسة اتحاد أدباء العراق، وكل من يتكلم بصوت عالٍ يواجه عاصفة من الكلام والتوصيفات المهينة لأنه يريد أن يقول كلمة حق أو ينتقد موقفاً والمشكلة أن التبريرات متوفرة دائماً طالما أن هناك اتفاقات تخص الانتخابات المقبلة وطالما أن هناك لاعبين خاضعين للتقييس والسيطرة النوعية في اتحاد الأدباء.
مرضٌ عضال
لكن الشاعر مهدي القريشي يرى أن الفساد في مؤسسات الدولة العراقية بصورة عامة ليس بجديد ولا مستحدث، بل هو آفة أدمنت العيش بسلام وأمان في المجتمع العراقي المنخور أصلاً بالفساد، وحتى الآن لا يوجد في الأفق وعلى المنظور القريب وضع وتفعيل برامج وطنية لمكافحته. مشيراً إلى أن الثقافة العراقية ليست بمنأى عن هذا المرض العضال بسبب تأزم المفاهيم الوطنية وعقم التفاعلات الاجتماعية الصحيحة والركون إلى اللعب بالهويات الفرعية كلاعب رئيسي على حساب الهوية الوطنية الأم. «من هذه الأوراق الصفر حتماً سيخلق اصطفاف خطير داخل المنظومة الثقافية تخضع بالضرورة لآيديولوجيات أو مزاجية الأشخاص القائمين والمنفذين للسياسة الثقافية في الوسط الثقافي (الرسمي أو شبه الرسمي)، وبالتالي سيولد اصطفاف طائفي أو مناطقي أو آيديولوجي عندها تسقط المعايير الأخلاقية والأدبية وحتى الإدارية، ومشروع بغداد عاصمة الثقافة خير دليل على عمق الفساد الإداري والنهب المالي، كذلك مشروع النجف عاصمة الثقافة الدينية والذي لم يكتمل رغم ما صرف عليه من أموال طائلة ذهبت إلى جيوب المستثمرين والقائمين على المشروع».
ويبين القريشي أنه إذا تفحصنا جيداً هيكلية وزارة الثقافة، سنجد أن معظم الموظفين لا يمتون بصلة قربى للثقافة ولا حتى (جيران) للأدب. وقد يتباين الفساد في المؤسسات الثقافية حسب المصداقية في التعامل والإخلاص للثقافة والأمانة على روح المشروع الثقافي من قبل القائمين عليه. وإذا استثنينا اتحاد الأدباء وبعض المؤسسات الثقافية الأخرى والتي لم يصــلــها الفساد بعد، فإن مصطلح (الفضائيون) طال منظمات وأشخاصا وأدباء أيضاً، إذ يشكل انتماؤهم للثقافة نكوص خنجر في خاصرة الأدب والثقافة العراقية… فالثراء على حساب الثقافة العراقية صار سنة حسنة لكل من يريد أن يبرر السرقة حسب الاجتهادات الدينية أو السياسية.
فضائح دائمة
لكن الشاعر والصحافي حسين العامل يؤكد أن فضائح الفساد في المؤسسات الثقافية ووزارة الثقافة العراقية لم تعد خافية على أحد، ففي كل موسم ثقافي أو مهرجان أدبي لنا فضيحة مدوية تلوك تفاصيلها وسائل الإعلام المختلفة لعدة أشهر، وهذا الأمر يتطلب عملية إصلاح عاجلة لإدارة المؤسسات الثقافية وإقصاء كل من تلوثت أفكاره بلوثة الفساد. الفساد كظاهرة أخذت تستفحل وتستشري في معظم مفاصل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في العراق، وما يؤسف له أن تطال هذه الظاهرة جسد المنظومة الثقافية ومؤسساتها ومنظماتها واتحاداتها، سواء كانت ثقافية منها أو إعلامية، فقد أصبحت المنظومة الثقافية اليوم غير محصنة ضد الأمراض الاجتماعية بعد أن تعرضت مؤسساتها إلى جملة من التدخلات الحزبية وباتت مسرحاً لتجاذباتها وتخضع لمحاصصتها المقيته التي جاءت بأفراد غير مؤهلين لقيادة المؤسسات الثقافية وإدارة الفعاليات والمهرجانات الأدبية والأنشطة الثقافية والفنية. مضيفاً أن التدخل الحزبي السافر في الشأن الثقافي أسهم بتردي الواقع الثقافي وانعكس سلباً على مجمل المنظومة الثقافية والأدبية والفنية والإعلامية وتسبب بتراجع أداء المؤسسات المعنية بها حتى بات الانتماء لهذه المؤسسات الثقافية لا يبعث على الفخر مثلما كان في السابق.
ثقافة مناطقية
القاص نبيل جميل كان يتوسم خيراً بعد تغيير نظام حزب البعث، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، فقد تعاظمت كلمتا الفساد والمفسدين منذ عام 2003 ولحد الآن وفي كل الوزارات وما يتشعب منها من دوائر حكومية، «لكنني لم أتوقع أن يصل الفساد إلى وزارة الثقافة كونها تمثل واجهة أدب وفن، وهما من سمات البلدان المتحضرة، لكن الظاهر بأن التغيير لم يكن تغييراً جذرياً، وذلك بما قرأته عن المبالغ الطائلة التي صرفت على مشروع بغداد عاصمة الثقافة مثلاً، التي لو استثمرت بشكل صحيح لكانت الآن البنى التحتية للأدباء والفنانين هي من أرقى البنايات. وأيضاً بالنسبة لإنشاء دور نشر معترف بها عالمياً مدعومة من الحكومة ترتقي إلى مستوى دور النشر العالمية». ويتساءل جميل: لماذا إلى الآن يعاني الأديب من عدم تمكنه من طباعة ونشر كتبه وترويجها خارجياً؟ فكل دور النشر الموجودة هي عبارة عن دكاكين أهلية محلية، وبالنسبة للمشاركات خارج البلد إلى الآن تحتكرها أسماء من العاصمة، أما أدباء المحافظات فيعانون التهميش، على الحكومة إن أرادت الاهتمام بالثقافة والمثقفين أن تسند إلى من له علاقة وصلة وطيدة بالأدب والفن ويكون تأريخه مشرّفاً ونزيهاً ولا ينتمي إلى أيّ حزب أو كتلة سياسية، لأن الثقافة تمثل كل العراق ووجب عزلها عن السياسة وأمراضها المعدية.
صفاء ذياب