«مارد من رماد» نصب تذكاري في قلب المنشآت المدمرة داخل مرفأ بيروت تخليدا لضحايا الانفجار الذي ضرب المرفأ وأحياء مختلفة داخل العاصمة اللبنانية في 4 آب/أغسطس 2020.
المجسم، هو الأول من نوعه، بارتفاع 25 مترا ووزن ثلاثين طنا، من قطع الحديد التي جمعت مكوناتها الصلبة من بقايا عنابر المرفأ التي دمرت في الانفجار، للتعبير عن استمرارية الحياة والإرادة الصلبة في البقاء.
تم انجاز مجسم «مارد من رماد» بمبادرة وتعاون أصحاب الكفاءات والشركات والمؤسسات، في مدة لم تتجاوز 9 أشهر، هي الفترة التي فصلت بين مشروع الفكرة وتجسيدها واقعيا، ليعلو شاهقا تكريما لضحايا الانفجار وشهدائه وللتذكير الدائم بضرورة الوصول إلى الحقيقة.
واعتبرت الأمم المتحدة أن النصب التذكارية تشكل تجسيداً مادياً في مكان عام، يتعلق بأحداث محددة بغض النظر عـن زمن حدوثها (حروب ونزاعات، وانتهاكات واسعة أو جسيمة لحقوق الإنسان) أو للأشخاص المشاركين فيها (جنود أو محاربون أو ضحايا أو قادة سياسيون أو ناشطون سياسيون).
وأشار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في دورته الخامسة والعشرين، إلى أن النصب التذكارية هي من أبرز عمليات تخليد الذكرى وتتنوع طرائق التعبير.
وتشمل النصب التذكارية الرئيسية المواقع الأصلية مثل معسكرات الاعتقال ومراكز التعذيب والاحتجاز السابقة، ومواقع القتل الجماعي والقبور الجماعية، والآثار التي ترمز للنظم القمعية، والمواقع الرمزية مثل الآثار المشيدة الدائمة أو المؤقتة التي تحمل أسماء الضحايا، والشوارع أو المباني أو الهياكل الأساسية المعاد تسميتها، والنصب التذكارية، ومتـاحف التاريخ/تخليد الذكرى؛ والأنشطة.
وقد تغير الغرض من إقامة النصب التذكارية تغيراً جذرياً على مر الزمن. ففي الولايات الأغريقية القديمة كانت النصب التذكارية لساحات المعارك تُشيّد عمداً من الخشب لكي لا تتآكل بفعل عوامل التعرية، وبمرور الزمن، تحول الغرض من النصب التذكارية من منظور تكريم الجنود الذين يقتلون أثناء تأدية الواجب إلى منظور تكريم الضحايا.
وبداية من ثمانينات القرن الماضي، ارتبطت عملية إقامة النصب التذكارية بفكرة أن ضمان الاعتراف العلني بالجرائم التي ارتُكبت في الماضي أمر لازم للضحايا، وأساسي لمنع مزيد مـن العنف. وعادة ما يكون تخليد الذكرى مطلباً لأهالي الـضحايا.
وأسهم في زيادة الاتجاه نحو تخليد الذكرى ظهور مفهوم «واجب عدم نسيان» الجرائم الجماعية في ثمانينات القرن الماضي.
وإلى جانب النصب التذكارية الرسمية التي عادة ما تتخذ السلطات العليا قرار إنشائها، توجد مبادرات تنطلق من القاعدة يقودها فنانون أو مجموعات سياسية أو مجتمعات محلية ممن لديهم العزم على الدعوة علناً لإحياء ذكرى ضـحايا أغفلتهم أو أنكرهتم سياسات الدولة. مثلاً، أدى هذا الاتجاه، الذي ينطلق من القاعدة إلى القمة، إلى إنشاء التحالف الدولي لمواقع الضمير في عام 1999. وتوجد في جميع القارات أعداد لا حصر لها من المبادرات الشعبية ومبادرات المجتمع المدني المتعلقة بإنشاء نصب تذكارية .ويمثل شكل المعلم التذكاري عاملاً حاسماً في تحديد أثره الاجتماعي.
المعادن ومخلفات الانفجار
يقع مجسم «مارد من رماد» في القطاع المدمر داخل حرم مرفأ بيروت، تخليدا لضحايا انفجار 4 آب/اغسطس 2020 وتم تركيب المجسم بشكل مثير للدهشة من المعادن ومخلفات الانفجار الذي ضرب مرفأ بيروت.
ويتفق متخصصون في الشؤون الاجتماعية والنفسية على أن مجسم «مارد من رماد» هو نصب تذكاري هام وضروري ليس وفاء وتخليدا لذكرى ضحايا الانفجار فحسب، بل وفاء لأهالي الضحايا والتضامن معهم والتأكيد على أن المجتمع المدني خاصة سيبقى وفيا لأبنائهم ومخلدا لذكراهم من أجل نيل حقوقهم بإظهار حقيقة الانفجار والوصول إلى كشف ملابساته.
ابتكر مجسم «مارد من رماد» المهندس المعماري والفنان اللبناني نديم كرم الذي أشار إلى أن الدافع وراء إقامة النصب هو الرغبة في إبداء الاهتمام وتقديم لفتة طيبة لعائلات ضحايا الانفجار.
وقال كرم لـ»القدس العربي» إن المجسم عمل عملاق مصنوع من ركام وحطام ورماد المدينة وجروحها وجروح الناس التي لم تلتئم، معربا عن أمله أن يلقى العمل استحسان العائلات والأسر التي فقدت أولادها وأحبتها في الانفجار، مؤكدا على أن العمل كان شاقا واحترافيا ودقيقا في المجسم واستمر لمدة تسعة أشهر، تم جمع كمية من الحطام وبقايا الدمار والمعادن والرماد التي تناثرت بسبب الانفجار.
ويروي كرم تفاصيل سعيه لتنفيذ المجسم قائلا: «بعد أكثر من أسبوع على وقوع الانفجار، اتصلت بالمدير العامّ لشركة نيت للتجارة مراد عون، الذي يملك هنغارين دُمّرا تماماً، وأتلف بعدها بأيام قسم كبير من البضائع الباقية داخلهما، وعرضت عليه أن أستخدم الحديد الذي سقط من هذين الهنغارين لبناء مجسّم يعبّر عن إرادة اللبنانيين بالوجود. والأهمّ أنّ الحديد هو من لحم الانفجار. سيقف هذا المجسم حاملاً آثار الجروح فيه. وافق حينها عون، وأبقينا على شكل الحديد المحروق كما هو وبالشكل الذي خرج فيه بعد الانفجار».
استغرق إنجاز المجسّم نحو 9 شهور، بعدما أخذ كرم موافقة إدارة مرفأ بيروت وحصل على التسهيلات اللازمة فيه بمساعدة الجيش اللبناني. يقول: «كانت مراحل صعبة لأنّ العمل فردي بامتياز. وأشدّد لا جهة سياسية موجودة لمساعدتنا. لكن عندما ذاع ذكر المجسم الذي نعمل عليه، عرضت الكثير من الشركات رغبتها في دعمنا مثل شركة Watermaster التي جهدت لمساعدتنا في إخراج المياه من يد المارد، وغيرها من الورش التي نفّذناها في عزّ أزمة البنزين والمياه والمازوت التي يعيشها لبنان».
ويضيف: «بعد دخول الشركات في شكل عفوي، أعطى الجميع من وقته ومعدّاته وتفكيره رغبة منهم في إنجاز هذا المجسّم، نظراً إلى الرمزية التي يحملها. فضخامة المجسّم هي في الطريقة التي نُفّذ فيها لا بحجمه، لأنّ حجمه يبقى صغيراً جداً أمام حجم الجريمة التي ارتُكبت في حقّنا. وتكمن أهميته بوجوده في بيروت حتى تذكّرنا دائماً جروحاته بانفجار الرابع من آب، وليكون وقوفه مُخرِجاً من يده الماء إظهاراً لإرادة الشعب اللبناني بالحياة والوجود، ومطالباته بأن يكمل الطريق حتى نصل إلى الحقيقة والعدالة وراحة النفس».
ويؤكد كرم على أن المشروع بعيد كل البعد عن السياسة، موضحًا أن مجسم «مارد من رماد» هو عمل فني ثقافي اجتمعت فيه جهود كبيرة للتذكير بما حدث وليكون بمثابة تكريم للضحايا الذين سقطوا جراء هذه الفاجعة.
وقال جوزيف شرتوني (46 عاما) وهو مهندس معماري فقد والدته في انفجار مرفأ بيروت «عندما تكون لديك شركات مستقلة تدعم وتبني مثل هذا المشروع على مدى سبعة أشهر أو ثمانية أو تسعة .. فأنا أؤيد ذلك بالتأكيد».
رغم الجهود التي بذلت من أجل تنفيذ المجسم والشكل الإبداعي الذي نفذ فيه، والاهتمام الذي برز إعجابا بالمجسم وأهميته لتخليد ضحايا مرفأ بيروت، إلا أن النصب أثار مشاعر متباينة بين تأييد البعض ورفض آخرين يعتقدون أن الأولوية لتحقيق العدالة في هذه القضية.
وعبر رواد التواصل الاجتماعي عن استيائهم من شكل التمثال الحديدي التذكاري، وصنعه من بقايا الحديد الذي انفجر في الحادث حتى يخلد ذكرى الشهداء، ويرون أنه لا يليق ببيروت أن قطعا من الحديد البالي وبقايا الانفجار وركام المنشآت تخلد ذكرى أبرياء.
وطالب رواد التواصل الاجتماعي في لبنان بإعادة ترميم النصب التذكاري لشهداء مرفأ بيروت، بحيث يكون متمتعا بشكل أكثر جمالا من قطع الحديد.