أ. د. علي الهيل أحدث التسريبات من دوائر اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة (إيباك) وردهاتها أو لوبياتها في أوروبا الغربية، أن ضغوطا مارستها قوى الضغط والنفوذ السياسي والإقتصادي على الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) وحكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالتحديد لحث الجيش المصري الحاكم العسكري للبلاد والحكومة المصرية على حماية الأقباط. أمر غريب ومستغرب ويثير الكثير من علامات الإستفهام وكأن أقباط مصر دخلاء وليسوا أُصلاء وخيوطا تاريخية وثقافية أساسية في النسيج الإجتماعي المصري.
من وجهة مفكرين أقباط مصريين عروبيين من داخل مصر وخارجها كبولس رمزي وجورج إسحاق فإن أقباط مصرعاشوا منذ الفتح الإسلامي نهاية القرن السابع للميلاد في سلام ووئام مع إخوانهم المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. ولعل القصة التاريخية المشهورة عندما ضرب إبن (عمرو بن العاص) رجلا قبطيا على وجهه بالسوط لأنه سبقه في سباق الخيل وقال له أتسبق إبن الأكرمين؟ في إشارة لكون أبيه والي مصر في عهد ولاية الخليفة (عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاهُ) مما جعل القبطي يسافر إلى مدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شاكيا إبن والي مصر، فما كان من أمير المؤمنين الفاروق عمر إلا أن استدعى إبن عمرو بن العاص وطلب من القبطي أن يضرب بالسوط وجه إبن الأكرمين. هذه الواقعة وغيرها من صور العدالة الإسلامية حببت أقباط مصر إلى العيش في حمى الإسلام وإن وقع لهم شيء سيء فهو صادر من مسلمين أفراد ولا يمثل رأي المصريين المسلمين. المهم إذن أن السيناريو الغربي تجاه أقباط مصر مؤامرة مبيتة بليل كما يبدو. و قد قادها منذ اسابيع (الرئيس أوباما) بشكل لافت وتنبعث منها رائحة نتِنة لأن الرسالة الأمريكية الغربية تصب في خلق فتنة طائفية في مصر لإجهاض كما يبدو مكتسبات ثورة الخامس والعشرين من كانون الأول (يناير) مع صعود التيار الإسلامي في مصر بطبيعة الحال وتجلي رصيده الشعبي العالي واحتمال تشكيل حكومة إئتلاف مع الأحزاب والحركات السياسية الأهم على غرار الفعل التونسي وإنشاء حكومة كتلك التي في تركيا سيَّما وأن (حزب الحرية والعدالة المصري) الجناح السياسي الجديد (لجماعة الإخوان المسلمين) إشتق إسمه تقريبا من نظيره التركي (حزب العدالة والتنمية) في رمزية واضحة لاقتفاء أثره في الحكم.
إذن أمر فوز الإسلاميين المصريين وإنْ أبدى الغرب ترحيبا ظاهريا به كونه جاء عن طريق صناديق الإقتراع الديمقراطي النزيه والشفاف بَيْدَ أن الغرب بدرجة متساوية تقريبا يخشى الحكم الإسلامي حتى ولو كان مدنيا كتركيا. ومكمن السبب قطعاً هو هوس الغرب بحماية مصالح (إسرائيل) وعلى رأسها (إتفاقية كامب ديفيد) ذات الرصيد الشعبي المصري الصفري أو المتدني على الأقل، وهذا الهوس بالمناسبة مفروض على حكومات الغرب نتيجة للنفوذ السياسي والإقتصادي لقوى الضغط تلك، وليس بالضرورة إقتناعا من الحكومات الغربية وفقا لمصالح شعوبها بقدر ما هو مراعاة لمصالح (إسرائيل) والتي تبدو مسيَّرة من قِبَلِ اللوبي (الإسرائيلي) حسب (جون ميرشيمار وستيفن وُلت) في كتابهما الأشهر ‘اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية’. لا شك أن الأصوليين الأقباط وهم لمن لا يعلم جزء أيديولوجي ميثولوجي عقائدي من المسيحية الأصولية الغربية والتي منها ينحدر معظم الرؤساء الأمريكيين والغربيين ومن بين الأقباط علمانيون متشددون معادون لفكرة العروبة والإسلام مقيمون في أمريكا والغرب ومنهم نفر في داخل مصر وهؤلاء أكثر تشددا من الأمريكيين والغربيين أنفسهم، ورغم تأكيد (جماعة الإخوان) للأمريكيين إلتزامهم باتفاقية (كامب ديفيد) المرفوضة شعبيا وهي خطوة ذكية من (جماعة الإخوان) لأنه لعب سياسة، فإن الشعب المصري الذي انفجر في شوارع مصر وفي ميدان التحرير مطالبا بسقوط نظام (مبارك) وإعدامه كان ضمنيا يطالب بإسقاط (كامب ديفيد). وقد صرح الثوار أحيانا بإلغائها باعتبار أن مبارك ونظامه وجيشه الذي يدير البلاد حاليا هم جميعا يحمون (كامب ديفيد) وشاركوا (إسرائيل) في إحكام الحصار على (غزة). وبالتالي فما عساها الحكومة الإخوانية القادمة فاعلة إذا ما انفجر الشعب هذه المرة خصيصا مطالبا بوأد (كامب ديفيد)؟ أكيد سترضخ لإرادة الشعب لأن المصريين كسروا حاجز الخوف من الحاكم والحكومة وأنهوا أسطورة الحكم الشمولي وظاهرة الحاكم الفرد المطلق. وساعتها يُرجح أن يمرر الغرب بإيعاز من (الإيباك) واللوبيات سيناريوهات أخرى من بينها محاولة تدبير إنقلاب عسكري باستعمال رموز (نظام مبارك) العسكريين على حكومة (الإخوان) الشعبية، غير أن مثل هذا السيناريو الذي يراهن عليه الكثير في الغرب من أجل سواد عيون (إسرائيل) سيُفشله الشعب حتماً، لأن الجيش حتى وإن أراد لن يستطيع مواجهة العقل الجمعي المصري. هذا بالضبط ما تقوله لنا مؤشرات الواقع المصري.’ أكاديمي وكاتب قطري