إن الضجة الكبيرة التي أثارها رئيس الحكومة عندما أخطأ ذكر اسم قناص حرس الحدود، برئيل حداريا شموئيلي، نجحت في التعتيم على الفشل العسكري الأكثر خطورة منها، وهو المسؤولية عن وضع شموئيلي في موقف غير محتمل. كالعادة، سيستخلص الجيش الدروس ويستوعبها ويستعد لكل السيناريوهات باستثناء المفاجأة والإخفاق. لم يكن على بينيت أن يخطئ في اسم الجندي، وكان على الجيش أن يفهم مسبقاً وليس بأثر رجعي، طبيعة الشرك الذي كان ينتظر شموئيلي. ولكن هذين الحادثين، خصوصاً عاصفة الغبار التي ثارت في وسائل الإعلام، تشير إلى سيطرة على وعي كاذب على الجمهور الإسرائيلي.
وحسب هذا الفهم، فإن الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة هو حرب مقدسة وأساس حيوي لوجودنا. من هنا، فإن أي خرق للمعادلة، سواء كان ببالون متفجر أو إصابة جندي أو إحراق حقل، هو تهديد وجودي. وكل تنازل أو ضبط للنفس، بالأحرى الامتناع عن الرد، ليس أقل من هزيمة وضعف وامتحان نهائي على قدرة الدولة على الدفاع عن حياة مواطنيها.
الحصار الأعمى والتعصب لمعادلة الردع، هما إيمان متجذر، إلى درجة أن أي انحراف عنه يعتبر كفراً بالمبادئ. وتوسيع منطقة الصيد وإدخال المواد الغذائية والمصادقة على انتقال الطلاب وتصاريح العلاج في إسرائيل أو في الضفة وتحويل الأموال لدفع الرواتب… كل ذلك يتم اختباره حسب معيارين، هما: سلامة الحصار وسلامة الردع.
قامت إسرائيل بمصادرة إرسالية بوزن 23 طناً من الشوكولاتة بذريعة أنها تساعد حماس على خلق مصدر دخل يتجاوز العقوبات.
تشويه الوعي هذا يتغذى على سيناريوهات رعب، إلى درجة أن أي تصريح أو أي اقتراح لإعادة فحص السياسة تجاه غزة وإقامة ميناء أو مطار أو زيادة عدد العمال في إسرائيل، يعتبر مؤامرة هدفها تصفية الدولة. هذا هو جوهر الخداع الذي يدفع ثمنه حوالي مليوني فلسطيني وعشرات آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون في غلاف غزة. هم الذين يتحملون عبء تطوير معادلة الردع الكاذبة.
ربما يكمن العلاج الأكثر نجاعة لهذا المرض المزمن في وصفة طبية كتبتها الوزيرة اييلت شكيد (قبل اعتذارها) بشأن كورونا: “اتخذنا قراراً غير سهل، قراراً استراتيجياً للعيش مع كورونا مع الإدراك بوجود لقاح. علينا معرفة كيفية استيعاب مرضى في حالة صعبة ووفيات، لأن هذه هي طبيعة الوباء، والناس يموتون في حالة الوباء”.
غزة ليست وباء عالمياً، ولا تجبي الأرواح مثله. ولكن مثل كورونا… لا يوجد ضد غزة “لقاح”. وأي عرض آخر للوضع يعد كاذباً. وبإعادة صياغة أقوال شكيد، هي حرب، والناس في الحرب يموتون. والدولة التي تقرر خنق غزة كأداة دفاع، عليها أن تستوعب المصابين والقتلى الذين يسقطون ضحية لهذه الحرب.
ولكن مصطلح “حرب” هو جزء من التضليل أيضاً. إسرائيل أجرت وتجري مفاوضات مع حماس، وتؤخر إعادة إعمار القطاع من أجل إعادة جثامين الجنود والمفقودين، ليس لأسباب أمنية. بينيت نفسه أوضح بأنه سيوافق على إعادة إعمار القطاع مقابل امتناع حماس عن زيادة قوتها العسكرية، أي أن الحصار بحد ذاته لم ينجح ولن ينجح في كبح قوة حماس. علينا انتظار وزير، أو وزيرة، يتجرأ على قول ذلك بدون ملحق اعتذار.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 25/8/2021