‘عكس التيار’ لمحيي الدين اللاذقاني: الأبقار المقدسة وبركة التماسيح

حجم الخط
0

مهند النابلسي يتحدث محيي الدين اللاذقاني في كتابه ‘عكس التيار’ عن الأكاذيب الثقافية والزيف والابتذال، كما يتطرق لظاهرة ‘الأبقار المقدسة’ ويدعو لذبحها. ويقول ان تصفية الشعر من ظاهرة الأبقار المقدسة بحاجة إلى شخص كالسياب يضع الفن قبل المصلحة، حسب رأي الكاتب (المشاكس)، فالقصيدة التي لا تأسر قارئها عاهة في جبين الشعر، حيث يعقد مقارنة معبرة بين شعر سميح القاسم الخطابي المباشر وشعر المتنبي الرائع فنيا.

ففي حين يشكل الأول مقطعا شعريا باستخدام الألفــاظ المتــقاربة والـمــختلفة المعاني مثل ‘تبعت وبعت.. عبدت وبدت.. أسرت وسرت.. بعدت وعدت.. ومــت ومــت..’ حيث، حسب تعبير الكاتب يمــكن وصف هذا المقطع بالترهات المسكونة بالخطابة والرتابة والمباشرة، فإننا نسمع بالمقابل المتنبي يستخدم نفس اللعبة البلاغية القديمة ويقول:

كفى بك داء أن ترى الموت شافياوحسب المنايا أن يكن أمانياكما يشبه الصحافة الأدبية ‘ببركة التماسيح’، ويسلط الأضواء على ظواهر ‘النفاق والشللية والروتين’، التي تعيق الإبداع الحقيقي والأصالة، والتي تفتح منابرها ‘للمرضي عنهم’ وتستنكر بل وتقمع هؤلاء الذين خارج الشلة والموجودة اسماؤهم في ‘اللائحة السوداء الخفية’. ويلخص الواقع الثقافي العربي السائد بإيجاز معبر، حيث يقول في الصفحة 116: ولغاية غير مفهومة في التكوين البشري يحمل المثقفون الانتهازيون وجوها حمراء خبيثة وأقفية أكثر احمرارا من المقدمة لكثرة ما كيل لأصحابها من صفات نفسية وجسدية، ولو أخذنا عينات عشوائية من كل جيل للمثقف الانتهازي وعكسه، لاستطعنا أن ندرك المأزق الذي تقع به الثقافة العربية المعاصرة، فالأول يعيش ويسافر ويحضر الندوات والمؤتمرات والمهرجانات، ويتصدر المجالس ويفتي ويفعل ما يريد، فيما الثاني يتشرد مفلسا في وطنه وفي بقاع الأرض.

فبعض النقاد السينمائيين العرب، على سبيل المثال، لا يخرج مجمل نقده وتحليله للأفلام عن ‘كليشهات’ مكررة تحشر تعبيرات مجترة هنا وهناك، وهي جاهزة دوما لكي يصف بها معظم الأفلام حتى السخيفة والتجريبية، ولا يتجرأ، نفاقا وحفظا للعلاقات والمكاسب، على توجيه نقد لأي عمل سينمائي مهما بلغت رداءته وتوجهاته السياسية أو الخطابية المباشرة، والمثال الجديد واضح في التمجيد والمدح المبالغ الذي تم إطلاقه بحق فيلم ‘خزانة الألم’، ذلك لأنه حصل على الاوسكار بغير وجه حق، في اعتقادي، ثم لأنه صور في دولة عربية، على الرغم من الخطابية الفجة غير المباشرة وتمجيده السافر للغزو الأمريكي واحتلال العراق، وإظهاره المبالغ به لبطولات الجنود الأمريكيين، وبالمقابل إظهاره للعرب والعراقيين وكأنهم ليسوا إلا مجموعات إرهابية وسادية وهمجية. والغريب أنه حتى الجمهور الأمريكي بذائقته الفنية الراقية قد ‘عاقب’ هذا الفيلم فلم يحقق أية مكاسب تذكر على شباك التذاكر. وهنا نلاحظ تدخل التوجهات السياسية في تحديد الفيلم الفائز بالاوسكار، فقد وصف بعض نواب الكونغرس فيلم ‘آفاتار’ بأنه معاد لأمريكا، فيما اعترض أعضاء جمعية (المحاربين القدامى) على المــشــاهد ‘غير الواقعية’ التي تضمنها فيــلم ‘خزانة الألم’، إلا أنه نجح في السباق أخيرا بغرض تبرير وتزيين الاحتلال الأمريكي للعراق. ويمكن أن أسوق أمثلة أخرى كشريط ‘فجر العالم’ العراقي الذي نال المدح والثناء فقط لتعرضه بالنقد اللاذع لممارسات نظام صدام حسين وللحرب العراقية ـ الإيرانية، والذي مولته فرنسا، علما بان هذا الشريط مليء بالمغالطات والمبالغات ولا يوجد فيه ما يثير الانتباه، إلا التصوير الذي تولاه مصور فرنسي شهير، كذلك أشير لبعض الأفلام ‘البالغة الرداءة’ الذي تعرض سنويا في مهرجانات السينما الأوروبية ـ العربية، التي تقام في العواصم العربية والتي لا يتعرض لها ناقد عربي (إلا في ما ندر)، وكأنه يتملق السفارات الأوروبية واستهتارها بذائقة الجمهور العربي. كذلك يشير محيي الدين اللاذقاني للزيف والمواربة والسطحية الخطابية، ويستند لمقولة ارنست همنغواي: ‘إن النثر عبارة عن بناء معماري فني حي، وليس مجرد زخارف على الهامش’، ويثني على نجيب محفوظ لكونه واحدا من الكتاب القلائل الذين تصدوا للأسئلة الصعبة، وينتقل إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن الغرب لا يترجم بالنظر إلى أهمية العمل، بل بالنظر إلى زاوية الرواج الغربي وهذا ما يفسر معرفة الغرب كله لـ’مئة عام من العزلة’ لماركيز، فدور النشر الغربية تبحث عن العمل المليء بفلكلور الشعوب والطقوس القديمة وصور الحواري الشعبية التي يختلط فيها الرقص بالأذان وبقرع طاسات العرقسوس والدخان المتصاعد من جلسات الكيف (ص166). هكذا يفسر وهم العالمية الذي يتراكض كتابنا لتحقيقه، وحتى المخرجون العرب الذين يعيشون في الغرب فهم أحيانا يتخلون عن جلودهم ويصبح همهم إرضاء المتفرج والناقد الغربي، حتى لو تخلوا عن المصداقية والنكهة الواقعية لمسار الأحداث في أفلامهم، كمثال رشيد بوشارب في فيلمه الشهير ‘الخارجون عن القانون’، الذي حول زعماء الثورة الجزائرية في فرنسا لرجال عصابات، أو حتى في شريط الجزائري مرزوق علواش ‘نورمال’ الذي تناول ببراعة سينمائية لافتة هموم ومشاكل الشباب الجزائري، ولكنه حصرها في الحرية الشخصية والاحتقان الجنسي، ناسيا أو متناسيا الكم الكبير من مشاكل الطغيان والفساد والسكن والبطالة وغيرها من الأسباب، التي أدت لانطلاقة ربيع الثورات العربية المتأجج. في الروايات الأربع التي قرأتها خلال العام الماضي (شيكاغو، واحة الغروب وعزازيل والقبطي)، اجتهد كتابها لوضع شحنات ‘استشراقية’ لافتة مع مشاهد جنسية مباشرة وغير واقعية، ولا تضفي بعدا فنيا لمجمل العمل، وكأن عينهم على الجوائز والترجمات العالمية وفرص تحويل رواياتهم لأعمال سينمائية، ووصل التمادي في رواية القبطي لتمجيد اليهود وطقوس البداوة الوثنية وحتى بإظهار الإسلام كدين فتوحات (تماما كما يدعي بابا روما)، وكل ذلك بغرض نزع جائزة عالمية لإطلاق شهرة الكاتب وفتح المجال لترجمة رواياته للغات العالمية.

وبعد فان ‘عكس التيار’ كتاب رائع يستحق أن يقرأ لأكثر من مرة. وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد ونصف العقد على صدوره، إلا أنه يبدو وكأنه يصف بمرارة الواقع الحالي للثقافة العربية وتناقضاتها، ما يؤكد أن أمورنا الثقافية كما السياسية تسير للأسوأ. ‘ عضو رابطة الكتاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية