نزار قباني وصلاح عبد الصبور (1.3): كيف دافع الشعراء الرواد عن «يوتوبيا» الذات في سياق الحداثة؟

أخذت شعرية رُواد الحداثة تتكون في إطار ما ساقوه من حدوسهم النظرية وآرائهم الديالكتيكية والدوغمائية مع اختلافٍ بينٍ بينهم في لغة هذا الخطاب وأطره وخلفياته المعرفية. وعدا ما حملته من أفكار ومواقف متنوعة ومتدافعة حول مفاهيم الشعر الحر، أو الحديث، كان يحمل كثيرٌ منها إجاباتٍ على هواجس الذات الشاعر وهوية القصيدة ولغتها وحداثتها، في ما هي كانت تُراهن على مراجعاتٍ جمالية بقدر ما تعكس التوتر بين الممارسة والنظرية، بين الأنا والآخر، بين الذاتية والموضوعية في المجال الشعري. وبالتالي، لم تكن مثل هذه الآراء، المعلنة والمضمرة، معلومات عامة سيقت كيفما اتفق، بل هي تقع في صميم التجربة الشعرية التي احتضنت مشاريع التحديث الشعري.

حداثة التواصل

كتب نزار قباني عمله السيرذاتي «قصتي مع الشعر» بلغة مجازية يغلب عليها الاسترسال العفوي، الذي يقترب من الشعرية، وأحيانا تصدر عن وعي يمزج بين مفهوم السيرة واستدعائها شعريا، قائلاً: «إن هذا الكتاب سيكون نوعا من السيرة الذاتية» ومُبررا كتابته لها بأمرين: أن السيرة تكاد تكون مجهولة في تاريخ الأدب العربي، وكأن «الأديب العربي لا يحب السفر إلى داخل نفسه، ولا يحب استعمال المرايا» ولا يفهم «المونولوج الداخلي» إلا نوعا من «الغرور والنرجسية». ثُم لأنه لا أحد يمكن أن يكون أقرب للشاعر من نفسه وأدرى بذكرياته وحالته، «فالشعر- حسب تعبيره – نباتٌ داخلي من نوع النباتات المستقلة التي تتكاثف وتتوالد في العتمة». لقد كان لنزار مثل هذا التصور المفارق منذ ديوانه «طفولة نهد» (دار الآداب، 1973)، حيث أوضح في مقدمته له، أنه لا يستطيع «تحديد جوهر الشعر.. لأنه يهزأ بالحدود» رافضا التعريف التقليدي للشعر بأنه «هو الكلام الموزون المقفى». وتاليا، في كتابه «ما هو الشعر» يعيد تأكيد رفضه تعريف الشعر: «ليس هناك نظرية للشعر.. كل شاعر يحمل نظريته معه».
وعدا تفصيلات عن شخصية نزار وماضي طفولته التي اعتبرها المفتاح إلى شخصيته وأدبه، وأجزاء من حياته اليومية ورؤيته للعالم وعلاقته بالمرأة، فقد تطرق نزار في قصته مع الشعر إلى جملة من القضايا التي تخص تجربته الشعرية ومصادرها، وتلقيها ومغامرتها بخاصة، أو تلك التي تخص القصيدة العربية الحديثة عموما، بوصفه شاعرا رائدا بادر إلى التجديد مُبكرا.
يقول نزار بخصوص مفهومه للشعر: «ليس عندي نظرية لشرح الشعر» وإذا كانت فهي خاصة به. لكنه يسوق إيحاءات وانطباعات ذاتية تكشف عن تصور لغوي، نفسي، جسدي وإيقاعي للشعر كما يكتبه ويعيشه؛ فـ«الشعر هو الرقص»؛ «رقص باللغة» «رقص بكل أجزاء النفس» بحيث «يتخطى فيها الراقص جسده، ويتجاوز الإيقاع المرسوم، ليصبح هو نفسه إيقاعا». وبالتالي، فالشعر ليس «وصفة»؛ إنه «كيمياء الكتابة».
وقد تفاعلت مع هذا كله لغته الشعرية الذي يرجع أكثر ثروته منها إلى مزاجه ونشأته وبيئته الدمشقية. وإذ يطرح سؤالا إشكاليا مثل هذا: «هل هناك قصيدة عربية حديثة؟» يُؤكـد الشاعر أن هذه القصيدة قد ضربها «زلزالٌ مفاجئ، فغير تركيبها العضوي والجيولوجي تماما» واكتشفت معه صوتها الخاص، ووجد أن أخطر ما أتت به يتعلق بزمنيتها الخاصة، وابتداع لغتها الجديدة، وارتباط وظيفتها بالدهشة والغرابة وخلخلة التوقع، وتحررها من «جبرية» العروض العربي وهندسته، لأن موسيقاها الجديدة «تأتي من فعل الكتابة نفسه» ومن «المغامرة مع المجهول اللغوي والنفسي» وتحول حركتها من «البرانية» التي تشد إليها يقين الحواس الخمس إلى «الجوانية» التي تعني «شطحات الحلم وتركيبات العقل الباطن». ومن هنا، استخلص نزار قباني أن هذه «الانقلابات» قادت إلى تطور في بنية القصيدة العربية الحديثة نعته بـ«انفجار مخالف لكل قوانين التاريخ الأدبي وتوقعاته» حتى أصبحت هذه القصيدة متقدمة على «الذوق العربي العام» لأنها لا تتعامل مع المعلوم والكسل والثبات، بل المجهول واللاطمأنينة والتغيير. لا يخفي في «مرافعته» خوفه من فكرة النموذج والمتشابه على الشعر الحديث في ظل مقولة الالتزام، التي سادت لسنواتٍ طويلة، وهو ما كان يتهددُ خاصية التفرد، غير أنه خلق لنفسه سائدا تحول مع الوقت إلى تيارٍ قائم الذات، وهو يسن قوانين ويجمع حوله أَتْباعا ومُريدين، منذ أن صار اهتمامه بموضوع المرأة يأخذ من خلال جماليات لغته الحسية شكل سلطة، ويُقرب إليه جمهورا عريضا يتماهى مع مخياله وذائقته الفنية، بل مع مكبوته الاجتماعي والسياسي حينا، وجوعه «الجنسي» حينا آخر؛ أي عندما استعمل الحدث السياسي شعريا، وعندما سَـيس الغزل، عبر مَنْظورٍ تحريضي – غريزي يستهلك لغته برطانةٍ حماسيةٍ وإغواء عابر وآني، وكأنه كان يتسلى مع هذا الجمهور ويغنم سخطه المتعاظم من واقع الهزيمة. ولم يكن نزار راضيا عن عمل النقاد، لاسيما ممن بحثوا في جوانب تستثير المعالجة التحلينفسية، قائلا في أحد حواراته: «يترك الناقد شعري ويتناول سيرتي الشخصية وشؤوني الصغيرة الخاصة، وأنا أفضل أن أُقدم نفسي للقارئ كما أنا وليس بالصورة التي يكوّنها الناقد على مزاجه».

يقول نزار بخصوص مفهومه للشعر: «ليس عندي نظرية لشرح الشعر» وإذا كانت فهي خاصة به. لكنه يسوق إيحاءات وانطباعات ذاتية تكشف عن تصور لغوي، نفسي، جسدي وإيقاعي للشعر كما يكتبه ويعيشه؛ فـ«الشعر هو الرقص»؛ «رقص باللغة» «رقص بكل أجزاء النفس» بحيث «يتخطى فيها الراقص جسده، ويتجاوز الإيقاع المرسوم، ليصبح هو نفسه إيقاعا». وبالتالي، فالشعر ليس «وصفة»؛ إنه «كيمياء الكتابة».

بعد رحيله، نشرت هدباء ابنة الشاعر كتيبا تحت عنوان (من أوراقي المجهولة.. سيرة ذاتية ثانية) عام 2000، وهو لا يختلف عن الأول إلا في بعض الجزئيات، التي لها علاقة بحياته كأن يكتب عن الحب، وبيروت، ومعضلة السياسة والمثقف، وأصعب اللحظات التي عاشها في حياته، وعلاقته ببعض فناني عصره.. وبالتالي، فهو لا يحمل جديدا عن مفهومه للشعر وكتابته، أو وظيفته بالنسبة إليه. وبغض النظر عن هذا التأويل أو ذاك، الذي يقول بأنه ضحى بشعريته لحساب جماهيريته، وبغض النظر عن مقروئيته اليوم قياسا إلى تغير «أبستيمي» العصر، فقد أعاد نزار قباني إلى الشاعر العربي الحديث حضوره المادي، الذي كان يتوارى خلف النقاشات الشكلانية أو الأيديولوجية، باعتباره صوت الناس الذي يتواصل ولا يقطع، ووجدانهم الحي في أيام جوعهم وسخطهم واحتجاجهم، الذي يغزل مهوى القرط من العُقَد، ويكتب بـ«السكين» ويضع نفسه في مواجهة السلطة الذكورية والاجتماعية.
يمكن القول إن نزار قباني كان يشتق معاني شعره داخل حداثة التواصل، مقابل حداثة النخبة، وهي الحداثة التي تختلط بالجماهير وتجس نبض الشارع؛ فالشعر في نظره هو «فن الاختلاط بالآخرين لا فن العزلة». هي ـ إذن – حداثة مضادة تقوم على استراتيجية التوصيل من منظورٍ تَشارُكي يراهن على الحفاظ على الثقافة المشتركة، وعلى المعايير الفنية المألوفة للقصيدة، من أجل تحقيق التواصل مع الجمهور وإشباع حاجياته الآنية.

الشاعر في المدينة

بدا صلاح عبد الصبور أكثر تنظيرا للمسألة الشعرية بقضاياها ومضايقها الخاصة، بعد أن تعمقت مخاطراته وتأملاته، وكثرت إحالاته واستشهاداته من قديم الثقافة وحديثها، عبر حقولها المتنوعة (التصوف، الفلسفة، علم النفس، البلاغة، التاريخ) على نحو يكشف اتساع ثقافته وتبلور وعيه النقدي، ليس في عمله السيرذاتي «حياتي في الشعر» حسب، بل كذلك في عدد من مقالاته التي ضمت آراءه في شعره وفي حركة الشعر الحر، إلى جانب سجل ملاحظاته النقدية حول قراءاته الواسعة في النقد والأدب العالميين، في معظم كتبه مثل: «أصوات العصر» (1960) «ماذا يبقى منهم للتاريخ» (1961) و«قراءة جديدة لشعرنا القديم» (1968) و«تبقى الكلمة» (1970)و«مدينة العشق والحكمة» (1972) و«مشارف الخمسين» التي نشرها في مجلة «الدوحة» على حلقات بين عدد إبريل/نيسان 1980 وعدد مايو/أيار 1981.
إذا اقتصرنا على هذا العمل، الذي لم يتكرر كثيرا في تاريخ الشعرية العربية، فإننا نجد أن الشاعر يساجل أفكار عصره وأطروحاته المستجدة، ويرد على منتقديه بخصوص مشكلات وجودية وفنية صعبة، لا يخوض فيها إلا من امتلك مثله قدرا من السعة والحُجة والجدية، مثل: المحاكاة، والالتزام، والقصيدة الغنائية، وعنصر الدراما، والتشكيل الفني، والتجربة الشعرية، والذاتية والموضوعية، واللغة الشعرية، والأسطورة في الشعر، والموروث الأدبي، والمسرح، إلخ. يقول: «لكني ـ بتواضع- إنسان جاد، لا أستطيع أن آخذ مسائل الضمير مأخذا هينا، فقد يهون عليّ كل ما في الحياة، وتبقى غصة في حلقي هي ما يتصل بالفن والفكر، فإني أحمل حجرها الثقيل في قلبي حتى أحقق بينها قدرا من الانسجام».
يمكن القول إن عبد الصبور بثّ مادة نظرية ونقدية غنية في كتابه، وهي تتمحور إجمالا حول جانبين رئيسين شغلا فكره الشعري هما: مفهوم الشعر، ووظيفته الفنية والعملية. يتعلق الأول بعملية الإبداع والتشكيل الفني للقصيدة، والثاني بالعناصر التي تكفل للقصيدة التوازن بين دوالها من صور وتقرير وموسيقى. كما يذكر لنا في «حياتي في الشعر» مقاطع دالة من سيرته الشعرية المبكرة؛ فقد كان في عامه الرابع عشر عندما أخذ ينظم الشعر الموزون بشغف، شاعرا بأن إحساسا بالمغايرة والتميز عن غيره من الناس العاديين يؤثر في نفسه ويدفعه إلى العزلة. وكان شعره الأول في شكل «نفثات ذاتية صارخة» وهو الذي تفتح وعيه بين صفحات كتب المنفلوطي وجبران، الذي قاده إلى نيتشه وهو بعد مراهق في الخامسة عشرة، فقرأ «هكذا تكلم زرادشت» في ترجمة فليكس فارس، والأطرف أنه كان يجسد ما يقرأه من تجارب وحالات في مشاعره وسلوكه الشخصي، بكيفية يمتزج فيها عالم القراءة وعالم التجربة. فمثلا، يحكي عبد الصبور عن تلقيه للمنفلوطي، بقوله: «فقد بكيت مع سيرانودي برجراك وماجدولين وأنا في العاشرة من عمري، ويتلوى كل عرق لآلام الشاعر وجسامة تضحيته». وعن تلقي جبران، قال: «فبكيت مع سلمى كرامة وعاشقها التعس، وحملت من همها ما ناءت به النفس».
في القاهرة التي انتقل إليها عام 1947، اقترب عبد الصبور من مناخٍ ثقافي عارمٍ كان يموج بالاتجاهات الأدبية والفكرية الجديدة، فقرر ألا يكرر نفسه داخل توجه الرومانسيين الذين قادوا مسيرة التجديد الشعري وتأثر بهم، من أمثال: علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل وإبراهيم ناجي. فقد أخذ عبد الصبور يسمع بأسماء جديدة لأدباء وفلاسفة غربيين من أمثال: نيتشه، إليوت، وبودلير، وريلكه، وفاليري، وشيللي، وورزوورث، وأندري بريتون، وأقبل على قراءة بعضهم على نحو أشعره بـ«زلزال كبير» بعد الذي صار إليه من حيرة وخوف إلى حد أن الشعر ـ كما يقول- اشتبه عليه وظن أنه لن يعود إليه. وهكذا تنوعت قراءة عبد الصبور بين نماذج من الشعر الميتافيزيقي والرومانسية والبرنارسية والرمزية والسيريالية. وتحت بودلير كتب «مقطوعات سيريالية» ثم سرعان ما عزف عنها، قائلا: «أصابني اليأس من هذه اللعبة فكففت عن الشعر».

ولئن كان عبد الصبور قد مرّ في شعره ووجدانه بِتحولات فكرية سريعة هي مرآة لقلق الشاعر وحيرته وبحثه الدائم؛ على نحو ما يذهب شكري محمد عياد، إلى أنه كانت لدى الشاعر أسئلة تحيره، وكان لا يجد لها جوابا وكانت الأسئلة تبدو للوهلة الأولى «ميتافيزيقية خالصة» فإنه من ناحية الشكل كان يَتجه بقصيدته الحُرة إلى مناطق جديدة من البحث والتجريب، لم يسبق أن عرف الشعر العربي الحديث مثيلا لها، لاسيما على مستوى اللغة والتعبير.

بعد تخرجه من الجامعة عام 1951، اقترب من الواقعية الاشتراكية التي فتنته بشعاراتها، وغذت في نفسه الشعور بالإنكار في رؤيته للذات والعالم، وكان قد بدأ ينشر أولى قصائده في الشعر الحر ابتداء من عام 1953. لهذا، يعتبر ديوانه الأول «الناس في بلادي» (1957) نتاج هذه الواقعية التي نظر إليها وبقية جيله بكونها «حبل الخلاص» قبل أن يتحول عنها مبكرا، لعوامل ذاتية وأخرى خارجية، إلى الإيمان بالإنسان وحريته، ثم الاقتراب من الله مازجا بين التجربتين الوجودية والصوفية، بشكل خاص لا يخلو من الشعور بالعبث والسأم والشوق السندبادي، غير أنه في كل ذلك كان مُعبرا عن أطوار تجربته المتقلبة. في هذا السياق، يقول عبد الصبور: «أدركت في أواخر تلك الفترة أن إيماني بالمجتمع هو لون من التجريد وأحادية الرؤية، ولعل بعض الأحداث السياسية في أوروبا الشرقية عام 1956، وبعض القراءات الأخرى، وحملة خروشوف ضد الستالينية مع ما صاحبها من كشف لكثير من فظائعه، أسهمت كلها في زلزلة كثير من معتقداتي في ذلك الوقت. لقد فتشت عن معبود آخر غير المجتمع، فاهتديت إلى الإنسان، وقادتني فكرة الإنسان بشمولها الزمني والمكاني إلى التفكير من جديد، وهكذا أصبحت مؤلها، وما زال هذا موقفي الوجداني الذي اخترته».
ولئن كان عبد الصبور قد مرّ في شعره ووجدانه بِتحولات فكرية سريعة هي مرآة لقلق الشاعر وحيرته وبحثه الدائم؛ على نحو ما يذهب شكري محمد عياد، إلى أنه كانت لدى الشاعر أسئلة تحيره، وكان لا يجد لها جوابا وكانت الأسئلة تبدو للوهلة الأولى «ميتافيزيقية خالصة» فإنه من ناحية الشكل كان يَتجه بقصيدته الحُرة إلى مناطق جديدة من البحث والتجريب، لم يسبق أن عرف الشعر العربي الحديث مثيلا لها، لاسيما على مستوى اللغة والتعبير. فبالنظر إلى تأثره الظاهر بنيتشه، ثم بالشاعر الإنكليزي ت.س. إليوت، وقراءاته المتنوعة المحكومة بوحدة التراث الإنساني، أعرض عن اللغة بمفرداتها المنتقاة ودلالاتها المجنحة وموسيقاها الرقيقة، وجنح إلى تبسيط اللغة، وتدريجها أحيانا، بشكل تبدو معه أكثر ملاءمة للتعبير عن مشاهد الحياة اليومية، ولا تخلو من سخرية مُرة أحيانا كثيرة. وقد ارتفع بمدى التعبير داخليا حين انفتح على عنصر الدراما، واستخدم الرموز والأقنعة والحكاية الشعبية، وضم الميتافيزيقا والحلم والواقع جنبا إلى جنب، عاملا على «نقل التجربة من مستواها الشخصي الذاتي إلى مستوى إنساني جوهري».
وقد ظل عبد الصبور مُخْلصا لأسلوبه الشعري الذي يدافع عنه، وينتصر فيه لقيم الصدق والحرية والعدالة، ويحمل عبر كلماته مشروع الكشف عن معضلة الوجود الإنساني داخل ما كان يدعوه بـ«شهوة لإصلاح العالم» وهو ما عاد إلى التأكيد عليه في محاضرة تحت عنوان: «تجربتي في الشعر». يطرح في المحاضرة تصوره للشعر، وللشعر العربي تحديدا، من خلال تجربته الخاصة، فيرى أن الشعر هو «صوت إنسان يتكلم» أو هو «فن نوعي» لكونه يشتمل على قيم فنية تُصيره ذا فاعلية وهو ينقل عبر كلماته قدرا من الحقيقة الإنسانية. ولهذا، فالقصيدة لا يشفع لها غرضها، وإنما ما تُحققه في مجال التجربة الإنسانية التي يتقاطع فيها الذاتي بالموضوعي. فالشاعر له فرديته وصَوْته الوحيد وطريقة تعامله الخاصة مع اللغة، بيد أن له «دورا اجتماعيا بالضرورة» وآخر «أخلاقيا». ويتحدد هذا الدور من خلال رؤيته الشعرية، التي تؤكد على فضائل أساسية مثل الحرية والعدالة والصدق، لكن بمنأى عن الالتزام الأيديولوجي الضيق الذي يكون فيه الشعر مُسخرا لأي سلطة. وقد زاد على ذلك ما تبلور في صميم تجربته من عناصر ذات قيمة؛ أهمها: اصطناع لهجة الحديث الشخصي الحميم في القصيدة بشكل أفقدها كثيرا من خطابيتها، وإدماج الفكر في العمل الشعري على نحو يكون فيه للذات موقف من الحياة والكون، واستثمار التجربة الصوفية شعريا في محاولة الإمساك بالحقيقة والوصول إلى جوهر الأشياء، ثُم إضافته في المسرح الشعري الذي اتخذه فضاء للتعبير عن شهوة الإصلاح، حيث الإيمان بالكلمة فوق كل اعتبار.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية