لوحة عن وباء الطاعون في لندن 1665
عرف القرنان السابع عشر والثامن عشر ظاهرة جديدة على مستوى الكتابة التاريخية، تمثّلت هذه الظاهرة بظهور كتّاب جدد أخذوا يرصدون بشكل يومي ما تشهده مدنهم من تحولات وتغيرات ثقافية، أو كوارث، وربما ما ميز «محدثي الكتابة» هؤلاء، وفق تعبير المؤرخة دانا السجدي، أنهم لم يعيشوا في عائلات عرفت بالكتابة أو الاهتمام بالمعرفة والعلم، وإنما ولدوا وعملوا في كنف أسر تعنى بالتجارة أو الزراعة أو المهن، كما في مثال حلاق دمشق (البدير)، ابن أحد عكامي (حمال) دمشق، الذي كتب نصا فريداً عن مدينة دمشق في القرن الثامن عشر.
ومن بين النصوص التي نعثر عليها مؤخرا في عالمنا العربي وتتناول هذا النوع من الكتابة اليومية، نص صانع السروج البريطاني دانييل ديفو، الذي ترجم مؤخرا للعربية عن مشروع كلمة للترجمة، ترجمة ناصر مصطفى أبو الهيجاء. ففي هذا النص، نعثر على شيء شبيه لنص حلاق دمشق مثلاً (رغم اختلاف المواضيع) على صعيد المؤلف وعمله، وحتى على صعيد أسلوب الكتابة، فخلافاً للأسلوب التقليدي في الكتابة التاريخية خلال القرن السابع عشر، الذي كان ينظر للتاريخ بوصفه يعكس أحداث الماضي في الغالب، نرى أنّ ما ميز هذه النصوص اليومية أنها كتبت من باب رصد الأحداث التي عاشوها، كما أنّ هناك وعيا يبديه هؤلاء الكتاب تجاه المستقبل، إذ يكرر ديفو في نصه، وفي أكثر من مكان، أن تدوينه ليوميات اللندنيين مع الطاعون، ناجم بالأساس عن رغبته بتعريف من سيأتي لاحقاً بهذه التجربة، والإجراءات التي اتبعها اللندنيون لمحاولة الحد من تفشي مرض الطاعون.
ولذلك نشعر مع هذا النوع من الكتابة أن هناك تصورا آخر للتاريخ، يتجه نحو المستقبل أكثر مما يفكر بقصص الماضي، كما أنّ مؤلف هذا النص، الذي سيغدو لاحقاً واحدا من رواد الرواية البريطانية الحديثة، يكشف لنا في البداية أنه لم يكن في الأساس يعمل في أبرشية، تتيح له التفرغ للمعرفة، أو في منصب حكومي، وإنما كان بائعا للسروج، ويمتلك حانوتاً في أحد شوارع المدينة، كما نعلم من خلال هذا النص أنه خلال فترة عام الطاعون 1665 ـ 1666، كان عازباً، وربما هذا ما جعله يغامر في البقاء في المدينة رغم هرب أفراد عائلته الباقيين إلى خارجها.
وفي يومياته، سيروي لنا «بائع السروج» أحوال الناس وعاداتهم، وما عرفوه من آلام خلال هذا العام، ولعل ما يميز هذا النص عن عدد من النصوص التي تناولت أحوال الطاعون هي اللغة ذات الصبغة العلمية، أو لنقل التجارية/ الإحصائية التي طغت أحيانا على تحليلاته وتدويناته حول أرقام الموتى، فخلافاً للتخمينات حول عدد المتوفين، حاول في ما كتبه أن يكون دقيقاً قدر المستطاع في عدد الأرقام التي سقطت جراء موجة الطاعون، ولذلك نراه يخصّص جداول عديدة لرصد أحوال موتى الطاعون في كل حي أو أبرشية من لندن وما حولها أسبوعا بأسبوع، ما أتاح لأبناء جيله والأجيال اللاحقة من اللندنيين وحتى لقرائه اليوم، من تكوين صورة أكثر دقة عن هول ما حدث، وعن كيفية انتشار هذا المرض عبر أحياء لندن، قبل أن تتحول في فترة ما إلى مدينة شبه خالية، ولعل هذه اللغة القائمة على بيانات وأرقام تذكرنا بالأسلوب ذاته في قراءة مرض الطاعون، الذي جاء به لاحقاً الأخوان البريطانيان راسل في مدينة حلب خلال عام 1761ـ 1762، فقد قدما صورة أخرى عن أرقام الطاعون، اعتمادا على بيانات مراقبي الدفن بدلاً من التقديرات التي ذكرها بعض المؤرخين عن تلك الفترة، التي تبين للأخوين راسل أنها بالغت أحياناً.

طاعون لندن
عندما اجتاح الطاعون بعض أحياء لندن، سرعان ما تملك الفزع والذعر كامل أبناء المدينة، ما حدا بالأثرياء منهم، ولاسيما طبقة النبلاء والأشراف، إلى الخروج أفواجاً. وبدا أنّ الخيار الأفضل لتلافي هذا الوباء يكمن في الهرب للريف، لكن ديفو وخلافاً لخطة أخوته، سيقرر البقاء في المدينة، انطلاقاً من أن الله سيضمن سلامته وصحته، وربما يكشف لنا هذا الموقف، وغيره من الأحداث التي بدا فيها متذمراً جراء الطقوس غير الدينية، التي لجأ إليها بعض اللندنيين قبل الطاعون وخلاله، أنّ شخصية المؤلف ذات طبيعة محافظة بعض الشيء، وربما أتاح لنا هذا البعد المحافظ، كما لاحظ سامر عكاش في سياق قراءته شخصية حلاق دمشق المحافظة، الإلمام أكثر بطبيعة التغيرات آنذاك، لأن رفض هذه الشخصيات لبعض التغيرات والسلوكيات، كان يدفعها في الغالب إلى تدوينها للتعبير عن تذمرها من طبيعة التغيير الاجتماعي في زمانهم. وهذا ما نراه في نص ديفو، إذ يشعرنا أحيانا وهو يكتب عن اللندنيين، بأنهم تركوا المسيحية لصالح طقوس أقرب ما تكون للوثنية، وقد يحمل كلامه هنا بعض المبالغة، أو لعل الطقوس التي لاحظها كانت تعبر عن أنماط تدين جديدة، وإن كان هذا الاستنتاج يحتاج إلى دراسة السياقات الاجتماعية والثقافية التي عاش اللندنيون في كنفها لعقود قبل قدوم هذا الطاعون، الذي ربما ساهم في ظهور صور أخرى من التدين والنظر للطبيعة وكوارثها.
وفي ظل هذه الرعب اليومي، يبدي ديفو حيرة بعض الشيء، فهو يراه من ناحية شيئا من العقاب الإلهي لأبناء المدينة، وهذا موقف ناجم عن رؤيته المحافظة كما ذكرنا، بيد أنه لا ينفي بالمقابل دور الهولنديين والشرق في نشر الطاعون عبر سفنهم.
وفي حال تجاوزنا هذه الأسئلة، وتغولنا مع ديفو إلى شوارع لندن في فترة الطاعون، فإننا سنعثر على صورة مرعبة، وأحياناً على صورة قريبة من الصور التي عاشها العالم مع قدوم موجة كورونا؛ فعلى صعيد طاعون لندن، يروي لنا كيف أنه في ظل ازدياد عدد الوفيات انتشر الدجالون ممن يدعون إمكانية علاجهم للمرض، وعمد آخرون إلى وضع يافطاتٍ تستدعي الناس إلى مساكنهم للحصول على الإرشادات والنصيحة في حالة العدوى، واحتوت تلك اليافطات على عناوين خادعة أيضاً، ومن تلك: «طبيب هولندي بارز، قَدِم لتوه مِن هولندا، إذ أقام طوال وقت الوباء في السنة الماضية في أمستردام، وعالج العديد من الناس مِمَّن أصيبوا، فعليا».
وهذا التذمر من الطبيب الهولندي الدجال، سيبقى مرافقا للمؤلف، كلما عاد الحديث عن هولندا، كونه كان يرى أنها المسؤولة عن دخول الطاعون للندن عبر سفنها التجارية، وربما لأنها استفادت لاحقاً من توقف الأعمال في مدينته، وتمكنت من توسيع نفوذها البحري. لكن في مقابل هؤلاء الدجالين، نعثر على إجراءات حكومية واسعة للحد من هذا المرض، خلافاً للإجراءات التركية (العثمانية)، كما يقول المؤلف، الذين اكتفوا في فترات الطاعون بالجلوس في منازلهم! بينما كان اللندنيون وفق ما يقوله يسنون قوانين وإجراءات للتعامل مع كل المطعونين، كما حافظوا مثلاً على توزيع الخبز طوال فترة الطاعون، وخصّصوا ممرضات للمطعونين، ومنعوا المصابين مع عائلاتهم من الخروج، من خلال وضع حارسين على منزل الباب، أحدهما في النهار والآخر في الليل. ويَحرص هذان أشدَّ الحرص على ألا يدخل أحد أو يخرج من المنازل الموبوءة التي أوكلت لهما مسؤولية حراستها، تحت طائلة العقاب الشديد. ويضطلع الحارسان بغير ذلك من مهام حسب ما يتطلَّبه المنزل الموبوء من حاجات. كما أنهم وزعوا ارشادات تحتوي على العلاجات الرخيصة للوباء. ورغم هذه الإجراءات، بقي المشهد مفزعا، فمع اشتداد موجة المرض، اضطرت الأبرشيات إلى حفر حفرٍ كبيرة في الأحياء، وأحيانا داخل الكنائس، ليدفنوا فيها قرابة خمسين إلى ستين جثة.
وفي ظل هذه الرعب اليومي، يبدي ديفو حيرة بعض الشيء، فهو يراه من ناحية شيئا من العقاب الإلهي لأبناء المدينة، وهذا موقف ناجم عن رؤيته المحافظة كما ذكرنا، بيد أنه لا ينفي بالمقابل دور الهولنديين والشرق في نشر الطاعون عبر سفنهم.
ومع مرور عدة أشهر على اشتداد الطاعون على لندن، حتى اضطر في إحدى المرات للبقاء في المنزل 12 يوماً (دون وسائل ترفيهية، كما هو حالنا اليوم)، أخذ المصابون يطلقون النار على أنفسهم، كما اقتحم السارقون البيوت غير آبهين بالمخاطر، ودون اعتبارٍ لخطر التقاط العدوى، ناهبين حتى ملابس الموتى والملاءات التي يتدثَّرون بِها، كما هو حال إحدى العائلات، إذ وُجد الرجل وبقيَّة العائلة، قبل أن ينقلوا في عربة الموتى، عراة تماما، وكانوا جميعا صرعى على الأرض، كل في حجرة مختلفة. وقد سرقت الملاءات التي من المتوقَّع أنها سحبت من تحتهم فسقطوا عن أسرتهم، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذ ابناء الريف المحيط بالمدينة يمنعون اللندنيين بالقوة من الدخول لقراهم، ما دفع بقسم من هؤلاء إلى العيش على متن السفن والقوارب، وهنا ينقل لنا ديفو مشهداً غريباً عن مئات السفن التي تطفو في نهر التايمز في صفوف متوازية، وعلى ظهورها أطفال جوعى وعائلات تنتظر الموت.
سيتغير هذا المشهد لاحقاً، إذ يرى ديفو أنه مع استمرار الطاعون في المدينة، وعدم نجاعة كل السبل لمواجهته، فإن قسما من اللندنيين باتوا جسورين ومغامرين، فما عادوا يحاذرون الاختلاط بغيرهم، أو يُغلقون الأبواب على أنفسهم دون العالم، بل ذهبوا إلى أي مكانٍ واقتحموا كل سبيل، وخالط بعضهم بعضاً، كما يؤكد أن فقراء المدينة لم يكترثوا بالطاعون لفترة طويلة وعادوا إلى العمل في وظائف جديدة مثل نقل جثث المتوفين بالوباء، قبل أن يتراجع المرض لاحقا وتعود الحياة لنشاطها الاقتصادي أفضل من السابق، رغم استمرار الوفيات، وما أشبه اليوم بالأمس.
كاتب سوري