لقد أثارت المتغيرات السريعة المتلاحقة التي شهدتها أفغانستان، وأسفرت عن سيطرة حركة طالبان على الأوضاع في معظم المناطق الأفغانية، بما فيها كابل العاصمة التي تم الدخول إليها بعد مغادرة الرئيس السابق أشرف غني والمسؤولين المقربين منه، أثارت هذه المتغيرات، التي ما زالت مستمرة على الصعيدين الميداني والسياسي، قريحة المحللين والسياسيين والمتابعين من المهتمين بهذا الموضوع. فمنهم من ربط بين كل ما حصل واتفاق الأمريكان مع حركة طالبان. ومنهم من توجه بسهام النقد إلى الموقف الأمريكي، والنزوع الأمريكي نحو التخلي عن الأصدقاء والشركاء، إذا ما تعارض الاستمرار في دعمهم مع المصالح الأمريكية. ومنهم من أعطى المسوّغ للموقف الأمريكي، متسائلأ: وما هي المصلحة الأمريكية في متابعة دعم حكومة فاسدة ضعيفة غير قادرة على بسط سلطتها على البلاد، وعاجزة عن توحيد الأفغان؟
ومنهم من ذهب في تحليلاته إلى ما هو أبعد وأعمق، مشيراً إلى وجود رغبة أمريكية في ممارسة الضغط على إيران عبر السماح بقيام نظام إسلامي سني متشدد إلى جوارها، لوضع حدٍ لمشاريعها التوسعية بعد عقود من التمدد في دول المنطقة، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد لمح قسم من هؤلاء إلى العلاقات الوثيقة بين طالبان والمخابرات الباكستانية.
وهناك من المحللين من قال بأن المقصود في كل ما جرى هو الصين، والهدف الأمريكي المتمثل في العمل من أجل عرقلة النزوع الصيني التوسعي الاقتصادي الذي يتجسد بصورة خاصة في مشروع إعادة إحياء طريق الحرير (مشروع الحزام والطريق) الذي يهدف إلى تغلغل الصين الاقتصادي في دول المنطقة، وهي بذلك تمثل تحدياً مستقبلياً للنفوذ الأمريكي الاقتصادي الأمر الذي من شأنه التاثير في التوازنات الدولية في عددٍ من المناطق، خاصة في منطقة جنوب شرقي آسيا.
وذهب فريق آخر إلى أن روسيا هي الأخرى مستهدفة، لأن تأثير حركة طالبان لن يقتصر على الداخل الأفغاني، بل سيمتد عبر الروابط العرقية/ القومية والدينية/ المذهبية إلى دول آسيا الوسطى التي ما زالت روسيا تعتبرها ميدانها الحيوي الذي لا يمكن أن تتخلى عنه بسهولة، طالما أنها منهمكة في عملية استعادة دورها المؤثر كقوة عظمى على المستوى العالمي.
إلا أن الأمر الذي استرعى الانتباه في منطقتنا أكثر من غيره هو الانقسام الحاد بين الإسلامويين ومنتقديهم من مختلف التيارات في العديد من الدول العربية في مقاربة تطورات الموقف في أفغانستان. فبينما وجد الإسلامويون في ما حصل بادرة أمل تمنحهم بعض العزيمة لتجاوز نتائج الإخفاقات التي كانت، ذهب رهط من «العلمانيين» والليبراليين والديمقراطيين والقومويين إلى أن ما حصل يعد نكوصاً وتراجعاً، تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد مسؤوليته. وأن نظام طالبان سيُدخل المنطقة في المزيد من النزاعات المذهبية والإقليمية التي لن تسمح باستتباب الأمن والاستقرار فيها، الأمر الذي سينعكس سلباً على أوضاع الناس، ويؤدي إلى تزايد أعداد قوافل اللاجئين.
وقد حاول أصحاب هذه التحليلات وغيرها دعم «صوابية» ما ذهبوا إليها عبر العودة، وبطريقة انتقائية رغبوية في معظم الأحيان، إلى الخطابات والبيانات والتصريحات التي أصدرتها المنظمات الدولية والحكومات، وقيادات طالبان نفسها حول ما جرى، ويمكن أن يجري، مستقبلاً في أفغانستان.
وباعتبار أن الأحداث ما زالت متفاعلة متلاحقة، خاصة بعد التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا مطار كابل وتسببا في مقتل وجرح العشرات من المتواجدين، من ضمنهم جنود من المارينز؛ فمن الصعب التكهن بما ستكون عليه الأمور مستقبلاً. وربما سيكون من غيرالمفيد أن نعتمد تحليلاً بعينه، ونهمل بقية التحليلات، ونحن في مواجهة حدث كبير معقد، سيترك تأثيره الميداني في منطقة بالغة التداخل والحساسية على الصعيد الجيو سياسي. كما أن الحدث الأفغاني سيؤدي إلى فتح الملفات القديمة، وسيكون مادة للأبحاث والدراسات السياسية التي ستتناول مجدداً القرارت التي اتخذتها إدارة جورج دبليو بوش في بداية الألفية الثالثة، وذلك في ردة فعلٍ على أحداث 11 أيلول/سبتمبر 20021 وفي سياق الحرب على الإرهاب.
ففي ضوء ما استجد على مدة عقدين من تواجد القوات الأمريكية في افغانستان، وبناء على تفاعلات قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن بضرورة إتمام عملية الإنسحاب في 31 من شهر آب/أغسطس الجاري، ستكون هناك من دون شك عملية، أو عمليات، تقويم جديدة لكل ما حصل، وما زالت نتائجه فاعلة سواء في أفغانستان والعراق، وما أدى ذلك إلى تغوّل كبير للدور الإيراني الذي زعزع الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة بأسرها، وعلى مستوى دول المنطقة ومجتمعاتها.
التصريحات الأولية التي أطلقتها قيادات طالبان بعد السيطرة على كابل كانت مدروسة بعناية، استهدفت طمأنة الجميع، ولكنها في الوقت ذاته كانت عامة وحمّالة أوجه، تقول كل شيء من دون أن يلتزم أصحابها بأي شيء. ويبدو أن اللقاءات التي كانت، وستكون، بين مسؤولي طالبان والقوى والشخصيات الأفغانية الأخرى المخالفة لها في الرأي والتوجه، هي الأخرى توحي بأمر من هذا القبيل. فهناك رغبة معلنة من جانب طالبان في التعامل مع الأفغان بناء على انتمائهم الوطني وليس بناء على انتماءاتهم العرقية/ القومية والدينية/ المذهبية. وهذا توجه سليم يستوجبه الحرص على مستقبل الأفغان الذين عانوا كثيراً من الحروب بسبب الخلافات والصراعات الداخلية، والتدخلات الأجنبية التي ساندت أطرفاً واستهدفت أطرافاً أخرى من الأفغان. ولكن المشكلة تتشخص في مدى مصداقية هذه العهود، وحدود ترجمتها على أرض الواقع.
وما يستنتج من الزيارات التي قامت بها وفود طالبان إلى الدول المجاورة، والاتصالات التي أجرتها الحركة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، وذلك قبل أن تبسط نفوذها على معظم التراب الأفغاني، خاصة الحوارات والمفاوضات التي جرت بينهم وبين الجانب الأمريكي من جهة والفرقاء الأفغان من جانب آخر في الدوحة، هذا إلى جانب الاتصالات المستمرة بين الطرفين؛ ما يستنتج من كل ذلك هو وجود رغبة معلنة لدى طالبان في التوصل إلى تفاهمات مع الجميع وطمأنتهم. ولكن السؤال هو: هل يعكس ما هو معلن توجهاً طالبانياً جديداً مبنياً على نضوج الحركة، وتراكم الخبرة لديها بعد تجربة الحكم القصيرة التي عرفتها، والأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها؟ أم أن ما قيل، ويقال، من جانب قيادات طالبان، لا يخرج عن نطاق التقية السياسية، والجهود التكتيكية التي ترمي إلى التهدئة، وكسب التعاطف على الصعيد الداخلي والخارجي، ريثما تتمكن الحركة من ترتيب أوضاعها، وتثبت أقدامها في حكم البلد؟
هل سيكون الوضع الجديد مقدمة لتفاهم داخلي يكون أساساً لاستقرار داخلي وإقليمي، تتحول بموجبه أفغانستان إلى دولة طبيعية في المنطقة، تستخدم مواردها الطبيعية والبشرية لصالح تنمية متوازنة مستدامة، تضع حداً للحرب والفساد وآفة المخدرات؟
أم أن ما نشاهده لا يتجاوز نطاق محطة جديدة في دورة العنف المستمرة منذ عقود في أفغانستان، وهي التي مزقت البلاد، وفرضت الفقر والتخلف على الأفغان، ودفعت بأعداد كبيرة منهم للخروج بحثاً عن ملاجئ آمنة تمنهحم قسطاً من الاستقرار بعيداً عن الصراع الدموي بين أمراء الحرب؟
وقائع الأيام المقبلة ستبين لنا بهذه الدرجة أو تلك من الوضوح ملامح المستقبل الأفغاني الذي يتوقف في جانب كبير منه على طبيعة ومدى التفاهمات التي يمكن أن تكون بين حركة طالبان وبقية القوى الأفغانية على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها.
التجربة الأفغانية كانت، وستظل، موضوعاً للتأمل والتأثير والتأثر. وهذا ما يستنتج من جملة التحليلات والمناقشات التي تتم بين مختلف القوى التي طالبت بالتغيير من مواقع وتوجهات متباينة في منطقتنا. فمنها من يرى ضرورة إجراء المراجعات، وإعادة النظر في الأخطاء التي كانت، وبناء الجسور مع المكونات الوطنية من خلال احترام الآخر المختلف، والاستعداد للتوافق على المشتركات، واحترام التباينات والخصوصيات، وترحيل الاختلافات؛ والعمل على حلها عبر الحوار والتفاهم. هذا على المستوى الداخلي.
ولكن في المقابل، هناك رهط من المتشددين الذين يرون في وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان «فتحاً مبيناً لم يكن له أن يتم لولا الإصرار على الجهاد، والاستمرار في مقاومة أطماع وخطط أعداء الإسلام والمسلمين»؛ لذلك يدعو هؤلاء إلى المزيد من التشدد، والقطع مع كل الدعوات التي تطالب بمراجعات فكرة أيديولوجية نقدية، أثبتت التجارب والمعطيات ضرورة إجرائها للخروج من الوضعية العدمية التي تعيشها العديد من دول ومجتمعات المنطقة. ويُشار في هذا السياق على وجه التحديد إلى التجربة السورية التي ما زالت تعاني من وطأة إيديولوجيات قوموية وإسلاموية أكدت أحداث قرن كامل من عمر الدولة السورية الحديثة إخفاقها في تقديم مشروع وطني عام جامع، يطمئن جميع السوريين، ومن دون أي استثناء.
كاتب وأكاديمي سوري