نمط نمو غير متوازن
وإذا كانت السيولة التي أتاحتها البنوك المركزية تعكس طبيعة السياسات الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى، وخصوصا نمط النمو المتحيز لصالح المؤسسات والمجموعات المالية الكبرى في العالم، فإن السيولة الجديدة التي يتيحها صندوق النقد الدولي لا تغير من ذلك الأمر شيئا، إذ أنها تسير في الاتجاه نفسه الذي كرسته سياسة السيولة المالية للبنوك المركزية. ويمكن القول إن السيولة المالية الإضافية التي أتاحها الصندوق ستؤدي هي الأخرى إلى تكثيف ظاهرة التفاوت، وانخفاض مستوى العدالة على النطاق العالمي، من خلال تيسير عمليات تركز الثروة، والتكنولوجيا، وانخفاض نصيب العمل من عوائد الإنتاج. هذه الظواهر الثلاث من شأنها أن تؤدي إلى موجة جديدة من القلاقل الاجتماعية على مستوى العالم خصوصا بين الشباب الطامحين إلى زيادة فرص العمل الملائمة، وتكوين أسر جديدة تساعد على استمرار بقاء الجنس البشري. كما أن قواعد استخدام السيولة المالية الجديدة لا تتضمن المعايير الملائمة لمواجهة أزمة تغير المناخ، وهي الأزمة الناتجة جوهريا عن الخلل في العلاقة بين الإنسان والطبيعة بسبب نمط النمو الاقتصادي الشائع في العالم الذي يقوم على تخريب الموارد واستنزافها وزيادة حدة التلوث، سعيا إلى تحقيق الحد الأقصى من الأرباح لأصحاب الأصول الرأسمالية والعقارية.
وعلى الصعيد العربي فبالرغم من أن الحصص الإضافية من حقوق السحب الخاصة التي أصدرها الصندوق ستذهب إلى دول مأزومة مثل لبنان الذي يعاني من أزمات خبز ومحروقات وأدوية وتدهور حاد في سعر العملة المحلية، وهو الأمر الذي تعاني منه دول عربية أخرى مثل اليمن وسوريا، فإن سياسة تخصيص وإنفاق السيولة الجديدة ستكون على المحك، لأنها ستكشف ما إذا كانت البنوك المركزية في الدول العربية بشكل عام، وفي الدول التي تعاني من أزمات سيولة بشكل خاص، ستستخدم السيولة الإضافية في تعزيز مستوى النشاط الاقتصادي من خلال آليات تؤدي لزيادة التوازن، أو أنها ستستمر في تشغيل آليات تؤدي لتكريس ظواهر الخلل وتحيز نمط النمو.
دليل استخدام السيولة
وبالتوازي مع الإصدار النقدي الجديد، أصدر صندوق النقد الدولي دليلا للدول المستفيدة حول ضوابط، وليس شروط، استخدام الموارد المالية الإضافية. فاستخدام تلك الموارد ليس مشروطا، لكن الصندوق طالب الدول المستفيدة بالالتزام بعدد من الضوابط عند استخدام حقوق السحب الخاصة، أهمها الالتزام بالشفافية والحكمة في استخدام التمويل، وعدم التوقف أو التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وعدم تعريض الاحتياطي من النقد الأجنبي للمخاطر. وسوف يتابع الصندوق كيفية صرف السيولة الإضافية، ويعد تقريرا عن ذلك يتم تقديمه إلى مجلس المديرين خلال عامين. وتشمل الإختبارات الرئيسية التي تخضع لها السياسة الاقتصادية للصندوق، والبنوك المركزية في الوقت الحالي أربعة اختبارات رئيسية نجملها على الوجه التالي:
أولا: اختبار التغلب على نقص السيولة بشكل عام وإتاحة فرص أفضل للنمو. وسوف يساعد الإصدار الجديد لحقوق السحب الخاصة على تحقيق ذلك.
ثانيا: اختبار التحيز للنمو الصديق للبيئة أو ما تم الإصطلاح على تسميته «النمو الاخضر».
ثالثا: اختبار تقليل الخلل الناتج عن تركز التكنولوجيا والثروة داخل شرائح ضيقة ومحدودة في الدول المختلفة.
رابعا: اختبار زيادة فرص العمل، خصوصا في القطاعات المتقدمة ذات العائد المرتفع، وليس فرص العمل في القطاعات الخدمية الوضيعة. وسوف يتوقف النجاح في هذه الاختبارات على السياسة الاقتصادية في الدول العربية، خصوصا تلك التي تسعى لتنويم هياكلها الاقتصادية.
تفاوت في التوزيع
حصلت الدول العربية المصدرة النفط (دول مجلس التعاون الست + العراق وليبيا والجزائر) على 70.1 في المئة من مجموع ما حصلت عليه الدول العربية. من بين هذه الدول حصلت المملكة السعودية وحدها على حوالي 13.6 مليار دولار أي ما يقرب من نصف مخصصات الدول النفطية، وما يعادل 36.6 في المئة من إجمالي ما حصلت عليه الدول العربية.
كذلك فإن ثلاث دول عربية مصدرة للنفط هي السعودية والإمارات والكويت حصلت وحدها على مخصصات بقيمة 13.6 مليار وحدة حقوق سحب خاصة تعادل 19.3 مليار دولار، بنسبة 52.1 في المئة من إجمالي ما حصلت عليه الدول العربية. أي أن هذه الدول الثلاث التي يبلغ عدد سكانها حوالي 50 مليون نسمة، بنسبة 11.7 في المئة من سكان العالم العربي، حصلت وحدها على أكثر من نصف إصدار حقوق السحب الخاصة، في حين حصلت بقية الدول العربية التي يعيش فيها حوالي 88 في المئة من السكان على حوالي 48 في المئة من السيولة الإضافية التي أتاحها صندوق النقد الدولي.
هذا النمط لتوزيع السيولة الجديدة على دول العالم يعكس جانبا من جوانب الخلل في النظام الاقتصادي الدولي، وكذلك الخلل في برنامج الإنعاش الاقتصادي الذي يتبناه الصندوق. كما أن الصندوق يتعرض أيضا لانتقادات أخرى لسببين، الأول هو أن برنامج الإنعاش الجديد عن طريق إتاحة سيولة إضافية قد جاء متأخرا، حيث أن تأثير وباء كورونا يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي منذ الربع الأول من العام الماضي. والثاني يعود إلى ضآلة قيمة الإصدار مقارنة بما قامت به البنوك المركزية للدول الصناعية الرئيسية والصين، فقد تحملت هذه البنوك مسؤولية تمويل برامج مواجهة تداعيات وباء كورونا بإتاحة تمويل جديد بلغت قيمته حوالي 10 تريليونات دولار خلال الفترة منذ اذار/مارس عام 2020 حتى حزيران/يونيو من العام الحالي.
وتنطوي ظاهرة التفاوت في توزيع السيولة الجديدة على تحيز ضد الدول العربية المصدرة للعمل، التي تشمل مصر والأردن ولبنان والمغرب والسودان وسوريا وتونس واليمن. وقد حصلت هذه الدول على 5.8 مليار وحدة من حقوق السحب الخاصة (حوالي 8.2 مليار دولار) بنسبة 22 في المئة من مجموع ما حصلت عليه الدول العربية كلها. أما الدول العربية الأربع التي تعاني أشد المعاناة من انهيار أسعار عملاتها المحلية وهي لبنان واليمن وسوريا والسودان فإنها حصلت على مخصصات بلغت حوالي 2.8 مليار دولار، وهو مبلغ يقل عما حصلت عليه الكويت وحدها. ومع ذلك فإن إتاحة سيولة جديدة بالعملة الصعبة للبنوك المركزية في تلك الدول يساعد على زيادة هامش المرونة في إدارة سياسة سعر الصرف، ويقلل الضغوط على موازين المدفوعات، ويساعد على إتاحة موارد أكبر لاستيراد الاحتياجات الأساسية.