التاريخ لا يحدثنا كثيرا عن امبراطورٍ أو ملكٍ تنازل عن عرش أسلافه «الميامين» لصالح السواد العام من الجماهير، بقدر ما يحدثنا عن تنازلهم لورثتهم الشرعيين.
وفي هذا السياق لا يهم تحت أي مزاعم في الشرعية أو الشرعنة بُني هذا النسق من السلطات المالكة لكل الجغرافيا الواقعة محل المُلك ما بحوزتها في ظاهر الأرض وداخلها، وما الذي يبرر لهؤلاء «العظماء» سطوة البطش والقهر لتكريس مُلكهم على مقدرات المجتمع الذي يمتلكونه ويمتلكون معه «حق» صياغة مقدرات فوائض قيمته السياسية والتاريخية والحضارية والاقتصادية والاجتماعية بما يتكيف مع شروط بقاء «بلاط الحكم»، الذي يتسم بالاستمرارية والسيادة المطلقة، كأمر محسوم وقار وقاطع وواقع بقانون الأشياء وليس محل نزاع مجتمعي. أما المقابل لهذا فليس هناك من مساحة للقوى الوطنية والمناهضة لهذه السلطات الملكية، التي شكلت عبئا حقيقيا على نهوض مجتمعاتها، جراء مُلكها للبلاد والعباد، إلا مناهضة حكمها بشتى الطرق والوسائل، وبالتالي تتوجب معها وفي ظل انعدام خيارات تفكيك الملوك لمملكاتهم وعروشهم لصالح سيادة عصر الشعوب الحرة الديمقراطية، تبقى هناك فرضية واحدة تقولها بعض النظريات المتطرفة لعلماء التاريخ، ومفادها أن معالجة انحرافات التاريخ شديدة الوطأة التي تمس جوهر وقيم أي شعب، لا يمكن معالجتها إلا بالأدوات نفسها، حتى لو جاءت حادة أوغير مألوفة لكي يعود التاريخ إلى مساره الصحيح.
سيمائية تلك الصورة تجسدها، بدون شك، سلطة الرئيس السوداني عمر البشير في محطته الأخيرة، وهي «وثبة» التشوهات الدستورية التي قيل إنها تعديلات دستورية تمس صلاحيات أجهزة السيطرة، بينما هي تراجعات شاذة تزحف وتتقولب في تقهقر قانوني ودستوري للنظام الدستوري بالبلاد منذ تاريخه الحديث، والأدهى ان هذا يقع بتماد واستغلال ملحوظ للسلطة، وفي ظل جدلية عكسية تتعارض جذريا مع نقلات وتحولات حراك الشعب السوداني نحو ترميم معضلات الماضي، وإثم الكبار الذي وقع في فخه الشعب السوداني، هذا الشعب يسعى اليوم لكسر الطوق وفتح دائرة الإقفال الممنهجة لفسح المجال أمام أجياله القادمة قصد الإمساك بالمصير الذي أراد «الملك/الرئيس» بناءه عن عمد في دائرة المصير المبني للمجهول، في حين يطمح الشعب لبنائه في المعلوم والتحكم في قواعده بقواعد وأسس يمضي الجميع تجاهها بمسؤولية وعقلانية وبواقعية وبمراجعة دقيقة حصيفة لتراكمات الماضي والراهن، هذا الراهن لا يمكن بحثه في قطع متفرقة ومتباعدة، باعتباره خطة عمل لـ»جثة فكرية» واحدة وقعت على البلاد ولم ترتق إلى نظرية متكاملة، فيها بدأت «ظاهرة» عمر البشير التي ما زالت ماثلة حتى الآن بسطوة كلية عبر فعل انقلابي تم فيه تضليل العامة، ثم سرعان ما انقلب إلى فعل تمكيني بأدوات السحل والقتل، إلى فعل تمكيني أقل ضيقا، بمعنى بات تمكينا ذاتيا أسريا، وفي فساد غريب وتحت تبرير زعيم الدولة الموغل هو نفسه في فساد بين، بينــــما الإنقـــاذ، التي تسلق عليـــها، هي الآن إنقاذ لإنقــــاذ الذات الخاصة له وأسرته، بدون أن يقتصر ذلك على الفساد المادي بل شمل الإجرامي كذلك، خلال هذه المرحـــلة المتأخــــرة من تاريـــخ الحكم التي تقوم على منهج «حصانة وتأمين الرئيس فقط»..
محتوي التشوهات الدستورية التي صادقت عليها مؤسسات مملوكة للرئيس بالتمام والكمال، وهي صورية، عليها نفر يأخذ امتيازاته وينفذ مطلوبات هذه الامتيازات، هذه التشوهات شملت ثلاثة أعمدة.. الأمن الوطني، توسيع صلاحيات الرئيس في تعيين ولاته في الحكم بكل أرجاء البلاد عوض انتخابهم، إلى بعض الأمور الثانوية كوضع اتفاقيات مثل «اتفاق الدوحة لسلام دارفور»، في بعض فقراته ضمن نصوص دستورية. وفي مقاربة كلية كلها، نجد أن الرئيس نفذ حبكة محكمة لصياغة أخرى للحكم وليس للدولة، واستحقاقات شعبها الواقع تحت نير كولنيالية وحشية نازية بكل المواصفات، هذه الصياغة فيها جهاز الأمن هو الحاكم الفعلي، في التشريع والقضاء والقانون والحريات والخدمات والاقتصاد والصلاة والزكاة والصوم، حتى الحج لمن استطاع جهاز الأمن إليه سبيلا، في إعجاز من الرئيس الذي تهدده الأخطار من كل صوب وحدب ويعمل على حصانة مطلقة لحالة ظاهرته فوق المجتمع مع إلغاء كل مؤسسات التضليل من الورق التي بناها وصنعها بيده، بعدما عادت ليس معبرة عن المرحلة.. وما بين هذه التشوهات نستطيع استنتاج القرار غير المعـــلن وهو تفكيك الجيش السوداني استعدادا لإلغائه بعد نقل صلاحياته لقوات الأمن في فروعها غير المعلنة والتابعة لها لتعويض مؤسسة الجيش التي حُولت ميـــزانيــــتها ومقـــدراتها عمليا إلى الجيش السوداني الجديد وعماده من ميليشات الجنجويد وغير الجنجويد وبعدها سوف تذهب نياشين ضباط القوات المسلحة إلى «الزبالة».
هذه النقطة بالذات تتطلب من قيادات الجيش التسارع للملمة صفوفه وخوض التصدي والمعركة وإلا سوف تجد نفسها في «الصالح العام» قريبا بعدما استعملها البشير الذي أتى من رحمها.
خلاصة هذه التعديلات تقول إنها أكملت شروط تحويل جمهورية السودان ذات النظام الرئاسي الجمهوري إلى ملكية مطلقة، فيها الملك يملك ويحكم وبالتالي ندعو من خلالها الرئيس السوداني إلى التوقف عما يعرف بعملية لعبة الانتخابات في إبريل القادم، وأن ينتهز الفرصة لكي يعلن نفسه «ملكا» على السودان وتحويل السودان بقرار جمهوري إلى مملكة وتحويل شعبه إلى رعايا عوض مواطنين من الدرجة الأولى أو الثانية، وسوف يسجل التاريخ له أنه أول رئيس فرط في وحدة السودان وقطعه إلى قطعتين وسرق وصادر حقوق شعبه ليكون أول ملك/ مجرم على البلاد، وليصبح الصراع السوداني بعده مكشوفا بين شعب أعزل وملك بأجهزته القاتلة والسامة وهي مرحلة جديدة من الصراع السوداني ولاسبيل فيه إلا استدعاء الرأي المتطرف لعلماء التاريخ الذي يشير ضمنيا إلى قتل الملك!
٭كاتب سوداني مقيم في لندن
محجوب حسين