قانون الإيجارات القديمة أحدث حلقة في مسلسل رعب الحكومة ضد الأغلبية البائسة… واستنزاف مواردها الضئيلة

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : لا يمر يوم إلا وتخسر الحكومة مزيداً من النقاط في معركتها الرامية لإقناع الشعب بالإجراءات المؤلمة في الإصلاح الاقتصادي التي على الأغلبية أن تقبلها بسعة صدر، وقد جاءت معارك صدارة الأسبوع ساخنة بسبب قانون السايس، وكذلك من أبرز المخاوف التي تلاحق الأغلبية في الوقت الراهن قانون إيجار المساكن القديمة. وقد حذر العديد من الكتاب طيلة الأيام الماضية من خطورة إصدار القانون، دون الاستماع لمخاوف الطرفين من ملاك ومستأجرين..
ونالت قوى المعارضة بمختلف أطيافها، وفي القلب منها الإسلاميون بالتأكيد نصيبها من المعارك، وسعت صحف القاهرة على مدار يومي السبت والأحد 28 و29 أغسطس/آب لنشر التفاؤل بين المواطنين الذين سيطر عليهم الخوف بعد أن تزايدت الضغوط التي يواجهونها في مناحي الحياة كافة، إذ اكتشفت الأغلبية أن استنزاف مواردهم الضئيلة حتى آخر جنيه، هدف مخطط له بعناية فائقة، فلا يمر شهر إلا وتصدر الحكومة التي يترأسها الدكتور مصطفى مدبولي من القرارات ما يقوض إحساس الأغلبية بالاستقرار، وأمس الأحد واصلت صحف القاهرة اختراع عدة حروب وبدت راغبة في الإجهاز على الممثل محمد رمضان، الذي واصل الكتاب البحث في دفاتره القديمة وإخفاقاته، وكذلك سوءاته بغية تلقينه العديد من الدروس، وكشفت الساعات الماضية عن هزات عنيفة تعرض لها رغم محاولاته التماسك، وقد ورط نفسه في معركه جديدة بعد تصريحاته التي بدا خلالها بحسب رأي الكثيرين متعجرفاً حيث قال “لا أحتاج لدفع المال كي أشتري الدكتوراه، ومَن يفعل ذلك هو شخص باحث عن الشهرة، ويتمنى أن يتحدث عنه الناس. وأضاف رمضان: “أعجبني رد رئيس المركز الثقافي الألماني عندما سألوه عن حقيقة شرائي للدكتوراه، عندما قال لهم محمد رمضان يمكنه أن يشتري جامعة بأكملها”. وفوجئ الممثل على مدار يومي السبت والأحد بمزيد من الهجوم من قبل كتاب كانوا حتى وقت قريب من أبرز داعميه. وبدوره قال محمد الغيطي حسب جريدة “الوفد”: “نسبة كبيرة من البطلجة وأعمال البلطجة بسبب محمد رمضان وأعماله، وظهر لنا بصورة البلطجي اللي بيخلي العيال تقلده خاصة في العشوائيات، وما يقدمه ليس فنًا ولكنه منتَج ينشر الفسق والرذيلة والفجور والقباحة، ولا يوجد وعي ولا رسالة أو ثقافة”. ومن أخبار البرلمان: بدأ مجلس النواب في البحث عن صيغ ومقترحات عديدة لحل أزمة قانون الإيجار القديم، التي ظلمت الملاك، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق المستأجرين للوحدات السكنية. جاءت التعديلات بزيادة القيمة الإيجاربة بشكل تدريجي، حتى لا يؤثر في المستأجر لتحقيق العدل للملاك، دون طرد الساكن، أما في ما يخص أحقية استمرار الوريث الأول في المسكن، بشرط ألا يتم هذا إلا لمرة واحدة، ولا يتم تجديدها، مع رفع قيمة الإيجار بشكل مناسب للطرفين. ومن الأخبار القضائية: التقى المستشار حمادة الصاوي النائب العام يوم السبت بأعضاء النيابة العامة المُعيّنات بموجب قرار «مجلس القضاء الأعلى»، في مقرِّ مكتب النائب العام في القاهرة الجديدة، وأكد لهن أهميةَ قرار نقلهن للعمل في «النيابة العامة» وضرورة استيعابهن العملَ والتحقُّق به وتحمل المسؤوليات التي ستُلقى على عواتقهن بموجبه، باعتباره قرارا تاريخيّا للمرة الأولى في تاريخ «النيابة العامة»، ووجَّهَهُن إلى مراعاة ما أُثير من انتقادات وسلبيات على هذا القرار من بعض المواطنين والمتخصصين، ليعملن على إثبات عكسها، واعتبارها تحديات يسعين لتخطيها. ومن المعارك ضد تيار الإسلام السياسي: هاجم أبو الحسن محمد بن حامد، الداعية السلفي، تيارات الإسلام السياسي، مؤكدا أن التنظيم ونسله من جماعات وحركات، إذا خاضوا في مسألة الحكم بما أنزل الله يهدفون إلى تكفير الأنظمة، التي لا توافق فكرتهم واستلاب شرعيتها للانقضاض عليها وإزاحتها والعمل مكانها وتولي الحكم.

جنون الثروة

يجزم مدحت نافع في “الشروق” بأن علماء الاجتماع سوف يتوقفون طويلا أمام انتشار مشاهد شرب الخمور والرقص الانفعالي والعري المبتذل والأصوات الصاخبة التي باتت غالبة على عدد من شواطئ الساحل الشمالي، التي لا يبررها أي سياق درامي لأحداث المصيف، ولا يسهل تصنيفها ضمن أعراض الاغتراب. فهي لا تشذ فقط عن ذائقة وثقافة المجتمع المصري المحافظ، أو حتى المنفتح، بل لا تشبه في أي حال سلوكيات الشواطئ في المجتمعات الأوروبية والأمريكية الأكثر تحررا.. هي إذن خليط من ممارسات روّاد الملاهي الليلية، ورقصات شعب لومبا لومبا الذين أتى بهم ويلي وونكا للعمل في مصنعه في الفيلم الأمريكي الشهير «تشارلي ومصنع الشوكولاته». أما باحثو الاقتصاد فسوف يتدارسون اقتصاديات الساحل الشمالي باستخدام نماذج خاصة وأدوات تحليل غير نمطية، فالاقتصاد الموازي الموسمي للعقارات والسلع والخدمات وتذاكر الحفلات لا تصنعه ضرورة أو ندرة نسبية أو مطلقة، أو قواعد وتشريعات مانعة.. إنما هو صنيعة طغمة شبابية تتحرك بما يشبه سلوك القطيع والمجموعات السمكية، لصناعة مشهد برّاق يزداد بريقا بتعرضه لسياط النقد المعتادة سنويا في وسائل الإعلام، ويتهافت البائعون على تلبية حاجاتهم خلال أشهر معلومات، لا تعرف جائحة ولا تخضع لأي قواعد للتباعد الاجتماعي. وإذا كانت الشواطئ النظيفة لها مزايا اقتصادية كلية كبرى بما تدره على الدولة من دخل مصدره السياحة الخارجية، وما تخلقه من رواج وحفز للطلب الفعّال مصدره الإنفاق وحركة السياحة الداخلية.

لا يشبهوننا

يرى مدحت نافع، أن مجتمع الساحل الموسمي في مصر يمكن أن يكون فقاعة متنقلة تتحرك غربا إلى ما يقرب من الحدود الليبية، وجنوبا بعيدا عن البحر، مع اتساع قطر الفقاعة وتخمة الشاطئ بالمنتجعات.. وهو مجتمع شبيه من حيث الاستقلال والانغلاق على ذاته بمجتمعات الغجر في أوروبا وقبائل الهنود الحمر في الولايات المتحدة والبدو والبدون في الخليج العربي.. حتى أن لغة واصطلاحات خاصة في طريقها إلى الظهور بين روّاد الساحل الشمالي. لو أن نظاما فيدراليا يربط مصر في صورة ولايات متحدة لكانت ولاية الساحل الشمالي ولاية غنية تتغير تركيبتها السكانية موسميا بشكل لافت. ربما أمكن لمدينة العلمين الجديدة أن تنشئ مجتمعا أكثر استقرارا وأقل تقلبا وموسمية في تلك الأرض الجميلة.. ربما أمكن للمؤسسات التعليمية والخدمية المستمرة في العمل طوال العام أن تخلق نمطا طبيعيا لحياة السكان في هذه المصايف.. لكن تظل الأسرة هي الوحدة المؤثرة والرقم الفاعل الأهم في معادلة الحد من شطحات الشباب «الساحليين». الاستمتاع بدفء الشمس وروعة المياه واللعب والاستلقاء على الشاطئ ورياضات الماء.. تعرفه أجيال كانت تحجز عششا في رأس البر وشاليهات صغيرة في المعمورة والمنتزه والعجمي، وبعض قرى الساحل الشمالي حتى الكيلو 50 أو بعده بقليل… وكلها مصايف روّادها من الميسورين ومتوسطي الدخل.. أما الأقل يسرا فقد احتوتهم وأمتعتهم كذلك شواطئ الإسكندرية المفتوحة، وشواطئ جمصة وغيرها من ملاذات جميلة.. وتمكنوا تباعا من الوصول إلى شواطئ الأغنياء التي لم يكونوا بالغيها إلا بشق الأنفس والجيوب، لم تكن الفجوة في سلوكيات الإنفاق في المصيف واسعة بين الأغنياء والأقل غنى كما هي الآن.

شوارع من؟

من أبرز معارك أمس الأحد الهجوم على الحكومة بسبب قانون السايس ومن الغاضبين عبد القادر شهيب في “فيتو”: وصف المصريون شوارع المدن بأنها شوارع الحكومة، وهو وصف شاع بيننا، خاصة عندما كان يثور تنازع بين البعض حول الجلوس في الشوارع، أو احتلال أماكن فيها لبيع بعض السلع.. ويبدو أن بعض المسؤولين صدقوا ذلك بالفعل، وقرروا أن يتعاملوا مع الشوارع بوصفها ملكا للحكومة، وسارعوا إلى استغلال قانون السايس لتأجير هذه الشوارع لأصحاب السيارات، وأعلنوا بالفعل قائمة أسعار التأجير، رغم أن هذا القانون لا يسمح لهم بما أعلنوه أو بالأصح ما عقدوا النية عليه، بل وبدأوا في تنفيذه بالفعل حتى قبل صدور هذا القانون في بعض الأماكن في القاهرة والجيزة. ولان ذلك تمت مقابلته باستهجان من قبل عموم الناس، وأثار غضبهم، كان ضروريا خروج مسؤولين حكوميين وبرلمانيين لتصحيح الأمر، وإعلان أن تطبيق قانون السايس لا يعنى إلزام كل صاحب سيارة بدفع مبلغ شهري لركن سيارته في منطقة سكنه، وأن بعض الشوارع الرئيسية في الأماكن المزدحمة فقط، هي المعروضة للتأجير، لتنظيم المرور والتخلص من فوضى ركن السيارات ولحماية أصحابها من بلطجة بعض السياس. وحسنا بالطبع أن حدث ذلك لأن مراعاة عموم الناس، أمر يتعين أن يحرص عليه المسؤول الذكي.. والتراجع عما يغضب الناس لا ينال من هيبة الحكومة، بل على العكس يكسبها رضا الناس.. وكل الرجاء أن يكون ذلك درسا لكل المسؤولين حتى لا يتسرعوا في اتخاذ قرارات، أو القيام بإجراءات والإعلان عن أمور لا تنال الدراسة الكافية من كل الجوانب والوجوه، وفى مقدمتها كيف سوف يستقبلها الرأي العام.

وكأنهم مجرمون

رسالة تفيض حزناً تلقاها حمدي رزق في “المصري اليوم”: سأترك الأب عادل أبو طالب يخاطب الوزير، لعل وعسى يلمس وترا في قلبه، نصا رسالة من قلب أب مكلوم، ابنه يموت أمامه وغير قادر على فعل شيء.. عاجز تماما وابنه ينزف أيامه وأحلامه: الموضوع، باختصار، ابنى كان في امتحان الثانوية العامة، وتم عمل محضر غش له، ابنى أخطأ، نعم أخطأ، ولكن الجزاء قاسٍ لا يحتمل، حُجبت نتيجته، وتم إلغاء امتحانه في جميع المواد، واعتبار العام عام رسوب، وتحويله هو (ومَن مثله) إلى النيابة العامة، ما يعرضهم لعقوبة أخرى هي السجن والغرامة الكبيرة. تخيل حزمة العقوبات، هذا كثير على أعصاب هؤلاء الأولاد، وعلى أهاليهم، مَن وراء هذا الجزاء القاسي لأبنائنا؟ هل الطالب الذي ما زال مراهقًا لا يعلم من أمر الدنيا أو القوانين شيئا، يدخل لجنة امتحان يخرج منها مدمرا نهائيا من كل شيء؟ ابني يموت أمام عينيّ من شدة الجزاء الواقع عليه، وأمثاله كثيرون، وهذا أول عام يطبق فيه هذا القانون الذي لا يعلمون عنه شيئا، شباب صغير لا يدرى ما تورط فيه، تقليدا لغيره. إنهم يا سيادة الوزير مراهقون وليسوا مجرمين، في حاجة إلى رحمة ورعاية المجتمع مع أول خطأ يقعون فيه، فليس هكذا يعامل الأب ابنه عند الخطأ، وسيادتك والد وتعرف معنى الأبوة، إنهم أبناء هذا الوطن، وهم وإن كانوا أخطأوا فاعلموا أنهم بعد هذا الذي يتعرضون له سيكرهون حياتهم، سيكرهوننا، سيكرهون أيامهم، عاقبوهم بقدر الخطأ، ليس بهذه القسوة نعامل أبناءنا. تعالوا نقوّمهم، إنهم ما زالوا صغارا، نلغي لهم امتحان المادة التي تم عمل محضر غش لهم فيها، ولكن ليس تدميرا لمستقبلهم ومعنوياتهم، إنهم يموتون الآن أمامنا وغير قادرين على الوصول لأي منقذ لهم مما يتعرضون له من جزاء. سيادة الوزير.. أغثنا، أغيثوا أبناء هذا الوطن الذين يموتون أحياء، لا تعاملوهم وكأنهم مجرمون أو مسجلون خطر.

علاقة ملتبسة

على كل حال والكلام لدينا عبد الكريم في “المصري اليوم”: ستبقى النزاهة هي رهاننا الوحيد الآن للمساعدة في حل معضلة الإيجار القديم حتى نغير هذا القانون المعيب والمجحف في حق قطاع كبير من أصحاب الأملاك والعمارات التي تخضع لقانون الإيجار القديم، ما يمثل ثروة عقارية مهولة يُحرم منها أصحابها بقوة القانون، وأزمة اجتماعية مهولة في العلاقة بين المالك والمستأجر. بصفتى الإعلامية، ودوري النيابي، أشعر بثقل المسؤولية الموضوعة عليّ في هذا الشأن، لدرجة الإصرار على مناقشته في كل مناسبة وكل فرصة. أحمد الله على أنني لست من أصحاب الأملاك التي تخضع لهذا القانون القاسي والمعيب، ولا من ورثتهم لتبقى مناداتي بهذا الحق مُنزَّهة عن أي أمر شخصي. لكن تبقى علاقتي بهذا القانون وقدرة الناس على تجاوز ثغراته، من خلال موقف زوجي المحترم بعد وفاة والده، الذي كان ساكنا في أحد المنازل المتميزة، التي تخضع للإيجار القديم، فما كان منّا بعد وفاة والد زوجى إلا أن نسأل أنفسنا سؤالا واحدا: هل يصح أن يظل هذا العقار بحوزتنا؟ وهو بحكم القانون للأسف يصح. فما كان من زوجي إلا أن تنازل عن العقار، وأخلاه للمالك بعد وفاة والده ببضعة شهور، الأمر الذي بدا وقتها للآخرين بعضا من جنون، فالعقار في قلب حى راقٍ، وموقعه متميز، ويساوي ملايين الجنيهات، لكن إذا كان القانون معيبا أو ظالما للمالك بشكل غير مسبوق، ولا يمكن إغفاله، فكيف يمكن للضمير الشخصي أن يُغفل ذلك؟ وهل نحتاج إلى تبرير قانوني لممارسة ما نراه حقاً؟ الأيام أثبتت لنا أننا كنا على صواب، بل إن هناك حولنا العشرات من القصص النبيلة التي صرت أسمعها كل يوم، والتي تحكي مواقف تشبه تلك، أبناء لا يقبلون إرثا ليس لهم. شخص أنعم الله عليه بالرزق، فاستجاب لرغبة المالك، وغيّر قيمة العقد لإيجار جديد مناسب. أبناء امتلكوا بيوتا في مواقع أخرى، فتركوا بيوت آبائهم لمُلّاكها بالتراضي، ودون نزاع. بينما على النقيض قصص دامية لأصحاب أملاك لا يستطيعون تدبير ثمن شقة لأبنائهم، بينما ورثة المستأجر الأصلي يصرون على حيازة العين بكل تجاسر رغم امتلاكهم غيرها، بل رغم كونهم مهاجرين خارج البلاد أحياناً.

بحكم عمله

يشكو كثيرون من انتشار ظاهرة «التسول» بشكل يفوق الوصف هذه الأيام. كما يرى محمود خليل في “الوطن”، الذي يرى أن الفقر حالة إنسانية، أما التسول فمهنة احترافية. الفقر موجود في كل زمان ومكان، كان كذلك وسيبقى دائماً، وفي الحالة الإنسانية الطبيعية لا يُستخدم الفقر كوسيلة للتسول، وينطبق على من يعيش هذه الحالة ويترفع عن السقوط في وهدة استغلالها قول الخالق العظيم: «لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ في سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً».. أما المتسول المحترف فغير ذلك، فهو يؤدي وظيفة تروج في سياقات معينة. ترتبط السياقات التي تروج فيها مهنة المتسول المحترف بظهور فئات متنوعة من الناس، أولهم فئة «الباحثين عن الغسيل». فيحدث في بعض الأحوال أن يجد بعض الأفراد أنفسهم وقد حققوا ثروات طائلة وتضاعفت دخولهم بصورة غير متوقعة، لا عن مواهب فيهم، قدر ما هي خبطات حظ أو ارتباك واقع، أمثال هؤلاء ينتابهم في بعض الأحوال إحساس بأن «فلوسهم ليست بريئة من ذنب» فيميلون على غيرهم، دون تفرقة بين المتعففين المحتاجين والمتسولين المحترفين، كنوع من «غسيل الفلوس» لترضى عنها السماء وتحل عليها البركة. ثمة فئة أخرى من البشر دهستها ظروف الحياة، وضغطتها الأوضاع المعيشية، بصورة جعلتها شديدة الحساسية لأي شخص يطلب منها المعونة أو المساعدة، فتجدها تعطيه قدر طاقتها بلا تردد، ودون بحث هل يستحق هذا الشخص أم لا؟ والناس داخل هذه الفئة أكثر عدداً وانتشاراً مقارنة بأصحاب الفلوس الكثيرة «غير البريئة». فئة ثالثة أيضاً تلعب دوراً في تغذية ظاهرة التسول، وهي فئة «المنافقين للسماء أو للأرض». فقد يبلغ التغفيل ببعض الأشخاص مبلغه حتى يظنوا أن بإمكانهم خداع السماء أو الضحك عليها، من خلال إلقاء الصدقات لدى أقرب عابر سبيل يطلبها «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ»، أما نفاق أهل الأرض عن طريق الدفع فمسألة لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل.

حق المريض

تجربة مؤلمة مرّ بها صلاح منتصر يروي تفاصيلها في “الأهرام”: ليس للمرض مواعيد، فهو يحدث في أي وقت، وقد فاجأني الخطر يوم الاثنين 12 مايو/ايار وهو اليوم الذي حملتني فيه عربة إسعاف مستشفى الصفا في مراسي في الساحل الشمالي إلى المستشفى. لكن سوء الحظ بعد أيام قليلة من دخولي المستشفى، ورغم الرعاية العالية التي تلتزم بها، وترفض قبول حالات كورونا حرصا على نظافة المستشفى، فقد بدأت إجازة عيد الأضحى وأظنها أكبر إجازة شهدتها مصر استمرت عشرة أيام. وفي “زنقة” معاناتي من عدم القدرة على التنفس، أو القدرة على ابتلاع أي طعام فوجئت بأحد الأطباء يطلب مني الاستعداد للخروج، ليس لأنني شفيت وإنما لأن إجازة العيد ستبدأ وليس هناك أطباء موجودون خلال هذه الإجازة، وبالتالي فهو يريد أن يوفر عليّ مصاريف بلا عائد. وصرخت وزعقت زوجتي والصديق، ووقف إلى جانبى الدكتور الإنسان الدكتور عادل طلعت مدير المستشفى، وأعلن عدم خروجي أيا كانت الأسباب. وبقيت في المستشفى طوال أيام العيد، دون أن أرى طبيبا كبيرا من الذين يدخل علاجي في مسؤوليتهم، إلى أن انتهت إجازة العيد الطويلة المملة، وبدأ الأطباء يهلون واحدا بعد الآخر، ما ألزمنى المستشفى 21 يوما. السؤال الذي فكرت فيه بعقلانية؟ هل مفروض أن يلغي الطبيب إجازته من أجل مريضه؟ وما ذنب أسرته في مثل هذه المناسبات؟ فكرت في الدول خارج مصر، ووجدت أن الطبيب في أيام إجازته الأسبوعية لا يحضر إلى المستشفى، وفي جميع إجازات الدولة الرسمية يعلن مقدما اعتذاره عن عدم الحضور إلى عيادته أو مستشفاه. مع ذلك يبقى حق المريض الذي قد تفصل بينه وبين الموت ساعات يغيب فيها الطبيب بسبب الإجازة، صحيح أن هناك نوابا ومساعدين بعضهم يكون موجودا، ولكن ليس بالصورة التي يشعر فيها المريض بحالة الاطمئنان إلى طبيبه الكبير. أنا لا أتجنى على الطبيب وأحس أن له تجاه أسرته حقوقا، ولكن ليس لدرجة إجازة تمنحها الدولة عشرة أيام لا تحسب فيها من يعيش ومن يموت.

تبيض ذهباً

لا أحد يتصور كما يزعم محمود البرغوثى في “الوطن”، أن هناك مسؤولاً حكومياً يتربح مالياً أو معنوياً من خسارة الاقتصاد المصري نحو 4.5 مليار جنيه سنوياً في باب تربية الدواجن وتفريخ كتاكيت التسمين فقط، وهما الركنان الحاكمان في صناعة الدواجن، أحد أهم أبواب تأمين الغذاء ومكافحة الفقر والجوع والبطالة في مصر. ولمن تُعجزه الحسبة، فإن مصر تنتج كل صباح، في الوقت الراهن، نحو 3 ملايين دجاجة (نحو 4 ملايين كيلو حي قائم) من نحو 3.15 مليون كتكوت، حيث تقف نسبة النفوق في القطعان عند معدل أقل من المسموح (5%)، بسبب تراجع مؤشر الأوبئة صيفاً، ومع هذا الإنتاج يزداد العرض، فينخفض سعر البيع إلى أقل من التكلفة بنحو 3 جنيهات لكيلو دواجن التسمين، و2 جنيه لكتكوت التربية، (19.5 جنيه لكيلو الدواجن الحية في المزرعة، و5.5 جنيه للكتكوت). المدهش في هذا الباب، ظهور دواجن مستوردة أوكرانية، تُباع في ثلاجات سلاسل التجزئة بسعر 40 جنيهاً للدجاجة (1100 غرام)، على الرغم من وجود لجنة منظمة للاستيراد، تم تشكيلها بتوجيه رئاسى وقرار من مجلس الوزراء، تختص بعرض جميع طلبات الاستيراد عليها للنظر فيها، والحكم على أهميتها لموازنة الأسعار، أو سد العجز في الإنتاج المحلى. وبالحسبة العلمية لنسبة التصافي، نجد أن الدجاجة الأوكرانية (زنة 1100 غرام) جاءت من دجاجة حية وزنها قبل الذبح نحو 1.5 كجم، وهذا الوزن حي في مزارعنا المصرية يباع حالياً بنحو 29.5 جنيه فقط، والأخيرة طازجة، مذبوحة ذبحا حلالاً، غير مخزنة أكثر من 9 أشهر في ثلاجات بلد منشئها كخزين استراتيجي وجب تجديده.

حصاد مرّ

هذه المعلومات التي انتهى إليها محمود البرغوثي، لا يقدر ولا يستطيع كائن مَن كان أن يوثقها دون معلومات ثبوتية مستقاة من أرض الواقع، التي تُجسِّد خيبات المربين مع الحصاد المر، والخسائر المتتالية دورة بعد أخرى، حتى يهرب مَن يهرب، ويُسجَن بديونه مَن يُسجَن، حتى تصدى الرئيس السيسي بنفسه لهذه المجازر التي تضر الاقتصاد القومي، وتمس الأمن المجتمعي في عدة أركان حيوية. من يقرأ هذا الحديث من المسؤولين الحكوميين المعنيين بملف الغذاء، خاصة وزارة الزراعة، سيبادر إلى ذكر اللجنة العليا التي أمر الرئيس السيسي بتشكيلها لدراسة مشاكل صناعة الدواجن، ووضع حلولها بآليات تنفيذ واقعية، وستعقد اجتماعها الأول مطلع سبتمبر/أيلول المقبل، وعليها تنعقد آمال عريضة. عزاؤنا أن اللجنة تم تشكيلها بمعرفة رئيس مجلس الوزراء، وأنها برئاسة وزير الزراعة ونائبه، وهما شخصان يحملان بصدق هموم الصناعة، كملف ساخن ضمن جميع ملفات الأمن الغذائي المصري. المعلومات المتاحة تقول إن اللجنة تضم رئيس اتحاد منتجي الدواجن ونائبه، ومربياً صغيراً ومثله من الكبار، ثم 4 من أساتذة الجامعة في تخصصات الاقتصاد، والتغذية والأمراض، ثم ممثلاً عن وزارة التموين، وجهتين سياديتين، وما يؤخذ عليها من ممثلي صغار المربين أنهم (أي الصغار) ينتجون نحو 70% من الإنتاج الداجني المصري، ولا يتناسب حجم تمثيلهم في اللجنة مع حجم إنتاجهم وعرض آمالهم في حلول جذرية لمشاكلهم. الحلول التي ينتظرها الكبار والصغار لا تتجاوز آليات تنظيم ذاتية من أرباب الصناعة أنفسهم، كونها صناعة أهلية 100%، ومنها باختصار: ضمان سعر ثابت للكتكوت طوال العام، لا يتجاوز 7 جنيهات، من خلال تنظيم استيراد الجدود التي تنتج أمهات التسمين، ويحتكرها عدد قليل من الشركات الكبرى.

بين طلاق وخلع

لم تكن كورونا هي المرض الوحيد الذي اجتاح حياتنا وطاردنا في كل مكان، آخر الأخبار السيئة التي اهتم بها فاروق جويدة في “الأهرام” ارتفاع نسبة الطلاق بصورة غير مسبوقة.. حيث بلغت حالة كل دقيقتين وبلغت حالات الخلع عشرة آلاف حالة، وزادت حالات الطلاق على 200 ألف حالة.. ولا شك في أن هذه الأعداد تمثل تحولا خطيرا في حياة الأسرة المصرية خاصة الشباب. إن الغريب في الأشياء هو انتشار الدعوة لنشر دعوات مشبوهة للزواج بالمدة، بحيث تقتصر فترة الزواج على فترة زمنية محدودة، وقد لاقت هذه الدعوة المشبوهة رفضا من قطاعات كثيرة، وأصدرت دار الإفتاء فتوى تحرم هذه الدعوات المشبوهة، التي يتصور البعض إنها بديل لفكرة الزواج وتغني عنها.. إن مثل هذه الدعوات التي تجد رواجا شديدا بين فئات من الشباب، تؤكد حالة الضياع والانفلات التي يعانيها شبابنا أمام غياب دور الأسرة والظروف الاقتصادية الصعبة، وغياب القدوة، وتراجع البعد الديني في حياة الناس. لقد ظهرت أعراض مرضية كثيرة أمام دعوات منحرفة تؤكد أننا أمام واقع اجتماعي وأخلاقي يحتاج إلى مراجعات تعيد له ثوابته القديمة.. إن حالة التحلل الاجتماعي تحمل أسبابا كثيرة تحتاج إلى مراجعة، ولهذا كان تشديد العقوبات في جرائم التحرش أحد القوانين المهمة التي تواجه حالات الانفلات والفوضى في الشارع المصري.. إن ارتفاع حالات الطلاق وتفكك الأسرة والبحث عن علاقات بديلة كل هذا يحتاج إلى حسم من الأسرة، ومؤسسات الدولة التي ينبغي عليها أن تحمى ثوابت المجتمع وتحافظ على قيمه وأخلاقياته.. إن الدين من المناطق الحساسة التي ينبغي أن تحرص المجتمعات عليها، لأنها جزء أصيل من أمنها واستقرارها.. ولا نبالغ إذا قلنا إن استقرار الأسرة جزء من الأمن القومي للمجتمعات، وإن الطلاق ظاهرة مرضية تفسد حياة الناس وتشوه أخلاقهم.. وطالب الكاتب مؤسسات الدولة أن تتصدى لمثل هذه الظواهر السلبية كالطلاق والدعوات لعلاقات محرمة، لأن ذلك انفلات يدفع المجتمعات إلى الهاوية.
دور محوري

نتوجه نحو بغداد إذ قال الكاتب عبد الرازق توفيق في “الجمهورية” إنه ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق عهد الرئيس السيسي، قرر أن يعيد الأمة العربية إلى وحدتها وأمنها واستقرارها، ويدعم الدول العربية التي عانت ويلات الصراعات والحروب والانقسامات الداخلية، ويؤكد مرارا وتكرارا أهمية تقوية وبناء الدولة الوطنية ومؤسساتها لمواجهة التحديات والتهديدات. الرئيس السيسي لم يتأخر عن تقديم الدعم غير المحدود للأشقاء في العراق والسودان ولبنان وليبيا.. وهو أيضا الذي يعتبر ويؤكد أن الأمن القومي المصري جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والعربي الخليجي.. لافتا إلى أن مشاركة الرئيس السيسي في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة، تجسد أسمى معاني التضامن والتكاتف العربي، من أجل استعادة العراق لدوره الفاعل في أمته ومحيطه الإقليمي، وأيضا رسمت كلمة الرئيس السيسي في المؤتمر ملامح رؤية وخريطة طريق لبناء العراق الجديد.. وكل الدول الساعية لطي صفحات الحروب والصراعات والتدخل في الشؤون الداخلية، والانقسامات التي لم تجلب سوى الدمار والخراب وغياب الأمن والاستقرار والسلام. إننا أمام عراق جديد لديه إرادة قوية ورؤية صادقة في طي صفحات الماضي.. وفتح صفحات وتاريخ جديد ليتسنى له أن يكون نقطة انطلاق لأمن واستقرار جيرانه، وعنصرا فاعلا ومساهما في أمن المنطقة.. لينهي عقودا من تصدير الأزمات والتوترات.. أصبح لدى العراق قناعة صادقة وكاملة بأن طريق الحروب والأزمات لن يحقق إلا الخراب والدمار، ومعاناة الشعوب وانهيار الأوطان.. فالعراق أصبح يطمح في استعادة دوره الريادي في المنطقة، من خلال استلهام مبادئ الأمن والسلم والتعاون والرغبة في تعزيز المشتركات.

المقبل سيئ

نتوجه نحو أفغانستان بصحبة سناء السعيد في “الوفد”: تزداد المخاوف اليوم من أن تشهد منطقة الشرق الأوسط موجة عنف بعد وصول طالبان للسلطة، ولهذا تتزعزع الثقة في ما تدعيه طالبان من أنها فكت ارتباطها بـ”القاعدة”، ويدعم هذا تحذيرات الدارسين من نشوء جماعات متطرفة تستخدم القوة للتغيير السياسي في المنطقة على وتيرة ما فعلته طالبان. ويساور الشك الكثيرين في ما قاله قادة طالبان من أنهم لن يسمحوا باستخدام أراضي بلادهم ضد دول أخرى، لاسيما وأن هذا يقال في وقت تسعى فيه طالبان إلى تثبيت أقدامها، والحصول على اعتراف دولي. ومن ثم تظل المخاوف قائمة من أن تسهم عودة طالبان إلى مسرح السلطة في إحياء جماعات قديمة أو ظهور أخرى جديدة، تعتمد القوة أسلوبا للتغيير السياسي، في ظل فشل جماعات الإسلام السياسي التي توصف بالمعتدلة في إحداث التغيير عبر صناديق الاقتراع، وهو فشل واضح في عدة دول والنموذج تونس، وغيرها من الدول العربية. وتسود تلك الرؤية لاسيما وأن قادة الجماعات ذات النهج المتشدد سخروا منذ وقت طويل من مشاركة جماعات الإسلام السياسي الموصوفة بالمعتدلة في العملية السياسية في العديد من البلدان في المنطقة العربية، ويرون أن هذه الجماعات المعتدلة لن تصل إلى تحقيق تطلعاتها، وأنها ستكون عرضة للبطش من قبل السلطات في أي لحظة. ولهذا وفي المقابل يطرح هؤلاء بديلا آخر للتغيير عبر القوة وبعيدا عن صناديق الاقتراع، وهو ما اتبعته حركة طالبان ووصلت من خلاله إلى ما تريد وهو سدة الحكم في أفغانستان.

عائدون للحياة

قد يرى البعض كما تقول سناء السعيد، أن ما حققته حركة طالبان سيكون ملهما للعديد من الجماعات التي تعتنق الفكر نفسه في العديد من دول المنطقة والشرق الأوسط، وأن الرسالة التي تلقتها تلك الجماعات هي أنه يمكنها من أن تنتصر وتبلغ المراد بقوة السلاح، وإن هي مضت في طريقها حتى النهاية، كما فعلت طالبان. الأمر الذي يحدو بنا إلى أن نتساءل: (هل تبعث عودة طالبان جيلا جديدا من الجماعات المتطرفة في المنطقة العربية؟). وتابعت الكاتبة كلامها: كان من الطبيعي أن يعود القلق إلى منطقة الشرق الأوسط مع عودة طالبان من جديد خشية من أن يرافق هذه العودة انتعاش نشاط جماعات متطرفة، ربما ترى في نجاح طالبان في أفغانستان نموذجا يحتذى في عدة دول، وقد يؤذن بمرحلة جديدة تشهد عودة للعنف أسلوبا للتغيير السياسي في هذه المناطق. ولهذا منذ أن عادت طالبان باتت تتردد أسماء جماعات «الأفغان العرب» وهي مجموعات كانت قد انضمت إلى تنظيمات مسلحة في أفغانستان، إبان الحرب الأفغانية السوفييتية في ثمانينيات القرن الماضى، بالإضافة إلى «تنظيم القاعدة»
و”داعش”، والخوف من أن يمنح فوز طالبان لهؤلاء دفعة جديدة لتبدأ جولة أخرى من الصراع. وعلى الرغم من وعود طالبان بعدم حماية مقاتلي تنظيم “القاعدة” إلا أن المراقبين لا يثقون في هذه الوعود، لاسيما وأن الحديث عن طالبان والقاعدة هو حديث عن شقيقين متلاحمين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية