القاهرة ـ «القدس العربي»: جددت شهادة معتقل سابق، ورسالة مسرّبة من سجناء في سجن العقرب، القلق عن أوضاع السجناء لاسيما السياسيين في مصر، خصوصاً في ظل ما يكشف عنه من انتهاكات وتضييق.
شهادات ورسائل عديدة سربت من نزلاء السجون خلال الآونة الأخيرة، خاصة سجني، العقرب الذي يشهد إضراب عشرات السجناء، والعزولي التابع للجيش.
«أنا في الثلاثينيات من عمري، اعتقلتني قوات الأمن المصرية من منزلي فجر أحد الأيام، وتم اقتيادي معصوب العينين لأحد مقرات الأمن المصري»، بهذه الكلمات بدأ أحد المفرج عنهم، بعد قضاء فترة في سجن العزولي، في محافظة الإسماعيلية، شمال شرق مصر، شهادته التي نقلتها «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان».
التقييد وعصب العينين
وقال الناجي في رسالته: «كنا مقيدين خلفي ومعصوبي الأعين، وجرى أخذ البيانات الشخصية لنا، وتفتيشنا ذاتيا وسط حفل استقبال بالهراوات والأيدي، ومن ثم جرى نقلنا في عربات تابعة للجيش إلى سجن العزولي في منطقة الجلاء في الإسماعيلية، وبعد ذلك تم تسليمنا حسب ما عرفنا لاحقا إلى مبنى س 6 وبعدها جرى حفل الاستقبال».
وزاد: «فور وصولنا إلى مبنى س6، تم استقبالنا بحفل من الضرب وخلع الملابس والانتهاكات، بعدها جرى أخذ بياناتنا وتسكيننا حسب التصنيف، ثم قام الحراس بإملاء التعليمات علينا، وكانت، كالآتي: عند فتح الباب يقف الجميع ووجوههم تجاه الحائط منكسي الرؤوس، وعدم الحديث مع الزملاء النزلاء، وعدم التحرك إلا بتعليمات».
صرخات الأطفال
وواصل: «يتراوح تنفيذ التعليمات حسب تصنيف المعتقل، فمنهم المحتجز بواسطة الأمن الوطني، أو المحتجز بواسطة المخابرات العسكرية، أو المخابرات العامة، ويتم تسكين كل مجموعة بانفصال نوعا ما عن الأخرى، وأغلب الموجودين، حسب ما عرفت، كانوا من أهل سيناء بلهجتهم المعروفة، وكان هناك أطفال نعرفهم من صوتهم وصرخاتهم أثناء التعذيب».
ووصف السجن، بأنه «عبارة عن مبنيين منفصلين في معسكر، والمبنى المسمى العزولي، هو دور واحد يسكنه السجناء، ودور علوي يسكنه الحرس، ويتكون الدور من طرقة بها 5 زنازين، وملحق يسمى المربع فيه 5 زنازين أخرى، ومساحة الغرفة 10×4 م2، وغرفة رقم 5 هي الأكبر بمساحة 15×15».
وتابع: «يتم سحب النزلاء من غرفهم معصوبي الأعين في عربات جيب عسكرية إلى س1، وفي الدور العلوي يجري إيداعهم غرفة التحقيق، وهم في وضع الوقوف تحت خرير المياه لمدة ساعة، وبعدها يتم تركيب وحدات كهرباء في أطراف الأيدي، واستجواب النزلاء تحت إشراف ضباط الأمن الوطني أو المخابرات الحربية، وبعد كل سؤال يتم تشغيل جهاز الكهرباء في كل الحالات ومع جميع الإجابات، وفي حال عدم اقتناع الضابط، يتم تعذيب السجين على الجهاز المعروف بالعروسة».
وعن تفاصيل الحياة اليومية في السجن، بين أن: «أثناء فترة احتجازي، التي امتدت لأكثر من عام، وطوال فترة وجودي هناك، وبسبب منع الزيارات، وعدم امتلاكنا الأموال، كان مصدر الطعام هو التعيين الميري، كان سيء جدا».
وزاد: «يبدأ اليوم الساعة 7 صباحا بوجبة الإفطار المكونة من فول أو عدس ورغيف خبز. وبالنسبة للغداء أوقات خضار وأرز أو مكرونة، أو باذنجان، وقطع صغيره من اللحم أو الفراخ، وبالنسبة لوجبة العشاء، يتكون من فول أو عدس، ورغيف وجبنة أو حلاوة».
وعن أعداد النزلاء، أوضح أن أثناء فترة وجوده، «تراوحت أعداد النزلاء بين 120 إلى 150، ومن خلال طوابير التمام في الطرقة، حيث يكون السجناء معصوبي الأعين، يتم النداء بالأسماء والأرقام حسب أقدمية النزلاء، وفي البداية كان النظام السائد هو النداء بالأسماء، وبعدها تم إلغاء هذا النظام واعتماد نظام الأرقام، ولذلك، علمت بأن العدد يتراوح بين 120 – 150 معتقلا في الطرقة، وتتراوح مدد احتجاز المعتقلين بين شهر وثماني سنوات، وأغلب هؤلاء من أصحاب المدد الطويلة (فاقدي قيد) أي ساقطين من كشوف الأقسام، والذين يمكثون في السجن لسنوات طوال، وعند انتهاء التحقيق أو فترة الاحتجاز، يتم اصطحاب المحتجزين إلى السجن وهم معصوبو الأعين، ويتم تسليم كل رهينة إلى الجهة التابعة لها».
«غير آدمية»
وعن ظروف الحبس «غير الآدمية»، قال: «أدوات النظافة الشخصية معدومة، ويوجد حمامان فقط بالطرقة، ولا يوجد في الغرف حمامات، ويتم إخراج البرنيكة المعدة للحمامات، وجركن مياه، والقمامة، وسط حفل الضرب والجلد، وفاصل من السباب والإهانات اليومية، ويستغرق الأمر 15 دقيقة، ومكان الاحتجاز منعدم التهوية ولم يكن يسمح لنا بالتريض، وكنا نعاني من حر شديد في الصيف، وبرد قارس في الشتاء، مع انعدام الأغطية والملابس».
واختتم الناجي شهادته بالقول إن «الرعاية الصحية منعدمة ولا يسمح للمرضى بأي علاج، وخلال فترة وجودي التي امتدت لأكثر من عام كنت أعيش بملابسي الداخلية والخارجية التي اعتقلت بها، وعرفت من غيري أنهم، لهم سنوات بنفس الملابس».
تعذيب ومنع تريض وحرمان من الزيارات وغياب أدوات النظافة الشخصية
جاءت هذه الشهادة في وقت تزداد فيه أوضاع المعتقلين في سجن العقرب سوءا، مما ينذر بكارثة محققة قد تحل بين عشية وضحاها، بسبب منعهم من حقوقهم الأساسية وتعمد إلحاق الأذى النفسي والبدني بهم، حسب بيان لـ»الشبكة المصرية لحقوق الإنسان».
ونشرت المنظمة، رسالة مسربة من داخل سجن العقرب، حملت عنوان رسالة موجهة إلى أحرار العالم، تصف ما يلاقيه النزلاء من تنكيل مستمر على مدار سنوات طوال، وتعنت في منحهم أبسط حقوق السجناء.
وأوضح عدد من السجناء في الرسالة: «لقد بدأنا إضرابا عن الطعام منذ أسبوعين لعل صوتنا يصل إلى المسؤولين ليرفعوا عنا ما نحن فيه من عزل وحرمان من الأهل ومن حقوقنا الطبيعية، فلم يستجب لنا أحد ولم يسمع لنا أحد بل كانت دائما رسائلهم لنا (اقتلوا أنفسكم… إحنا لا يهمنا الإضرابات)».
وواصل السجناء في رسالتهم: «يا أحرار العالم لقد ضاقت بنا الدنيا حتى أشعلنا النار في زنازيننا يوم الجمعة قبل الماضية، وأمسكت النار في أجسادنا، وأصابت 12 منا بحروق، فعلنا ذلك ليرتاح المسؤولون عنا، ومع ذلك قابلوا هذا الأمر بالبطش والتنكيل والتجريد من الملابس والإهانة والضرب والعزل، وتحول عنبر 3 إلى مقر للدفاع المدني وقوات فض الشغب، الذين هددونا بكل شيء، حتى اعتقال الأهل وعاد الصمت إلى أرض الخراب (العقرب)».
وأكدت الرسالة «وجود ثورة غضب عارمة بين معتقلي سجن العقرب عبروا عنها باستمرار إطلاق الهتافات، والطرق على الأبواب، وتوجت بدخول أكثر من 100 معتقل في الإضراب المستمر عن الطعام حاليا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى ما يقارب 130 معتقلا مضربا عن الطعام حتى الآن، يأملون في الحصول على حقوقهم المسلوبة».
وزاد السجناء في رسالتهم: «جاء رد إدارة سجن العقرب على الظلم الواقع على المعتقلين، واستمرار الانتهاكات والاضراب عن الطعام والغضب الشديد الذي يجتاح سجن العقرب غريبا، وفي محاولة للتنصل من مسؤوليتهم قال مسؤولو السجن «هذه أوامر سيادي ونحن ليس لنا علاقة». كأن المسؤولية عن المعتقلين تقع على عاتق جهات أخرى، هي من توجه باتخاذ إجراءات ما بحقهم وإدارة السجن ما عليها سوى التنفيذ».
وحسب «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان»، فإن «الإضراب المستمر ومحاولات الانتحار تأتي كرد فعل طبيعي على التنكيل المتواصل بالمعتقلين، والذي تضاعفت وتيرته بعدما أجرت أجهزة الأمن في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2020 تغييرات كبيرة للأسوأ على سجن العقرب، وحرمت النزلاء من التهوية الكافية والكهرباء والماء الساخن بشكل كامل تقريبا».
تشديد القيود
وأوضحت أن «تشديد القيود جاء في أعقاب الحادثة التي وقعت في 23 سبتمبر/ أيلول الماضي، في سجن العقرب، وقُتل فيها أربعة من عناصر الأمن وأربعة نزلاء، يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، لتتضاعف الانتهاكات داخل سجن العقرب، الذي يُحتجز فيه حاليا ما يقرب من 1000 سجين، مع حظر كامل للزيارات العائلية منذ مارس/ أذار 2018، والحرمان من ساعات التريّض والحبس لمدة 24 ساعة منذ مطلع 2019، إضافة إلى إزالة جهاز التهوية المثبت على الحائط في كل زنزانة في مباني السجن الأربعة، والمقبس الكهربائي، وهو المصدر الوحيد للكهرباء للاحتياجات اليومية، وكذلك المصباح الكهربائي الوحيد في كل زنزانة، ما ترك حوالي 100 زنزانة دون أي مصدر للضوء في المبنى محل الواقعة، كما جرى نقل مفاتيح الإضاءة في الزنازين الموجودة في المباني الثلاثة الأخرى إلى خارج الزنزانة حتى لا يتمكن السجناء من التحكم بها».
وتابعت: «لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد جرى استبدال شِباك البعوض الذي كان يغطي النافذة الوحيدة في كل زنزانة، والتي تطل على ممر السجن، بشبكة فولاذية، ما حد كثيرا من دخول الهواء والضوء إلى الزنزانة، وإلى استشراء البعوض في الزنازين طوال الوقت.
واعتبرت أن «محتوى الرسالة التي خرجت من المعتقلين تؤكد استمرار البطش والتنكيل غير المحدود، ووصول المعتقلين إلى طريق مسدود، ما ينذر بكارثة قد تحل إذا لم يلتفت المسؤولون إلى معاناة المعتقلين الذين تقطعت بهم سبل الحياة، ولم يعد أمامهم سوى إنهاء حياتهم».
معاناة
وكانت الشبكة ومصادر حقوقية، تحدثت خلال الأيام الماضية، عن المعاناة التي يواجهها نزلاء سجن العقرب 1، من انتشار الجرب وبعض الأمراض الجلدية. ورصدت تزايدا كبيرا في الإصابة بالأمراض الجلدية بين معتقلي السجن بسبب عدم تعرضهم للشمس، وغياب النظافة، والإهمال المتعمد من إدارة السجن بحق المعتقلين.
وأرجعت انتشار أمراض الجرب، والصدفية، والتينيا، والفطريات، لاستمرار إدارة سجن شديد 1 والعقرب شديد2 في منع دخول أدوات النظافة، والأدوية بشكل عام، والأدوية الخاصة بالحماية من الأمراض الجلدية بشكل خاص، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، والتي تزايدت حدتها بسبب الطبيعة الإنشائية للسجن والجدران الخرسانية بالزنازين، وكذلك ارتفاع نسبة الرطوبة داخلها لدرجة عالية جدا، وكلها عوامل تساعد في انتشار الأمراض الجلدية المعدية بين المعتقلين.
ورغم الآثار الخطيرة التي يسببها منع التريض، إلا أن الأجهزة الأمنية تصر على التعنت في هذا الجانب، وتتضاعف الخطورة بسبب عدم تعرض السجناء للشمس والهواء النقي، نتيجة لطبيعة السجن المغلقة، بالإضافة إلى منع الزيارات، وكذلك عدم قيام إدارة السجن بتوفير مواد النظافة اللازمة بالكمية المطلوبة حيث يصرف صابونة واحدة كل عدة اشهر تستخدم لجميع اغراض المعتقل، وكذلك التعنت في إدخال أدوات النظافة الشخصية، وقلة المعروض منها في كانتين السجن، وارتفاع أسعاره بشكل مبالغ فيه، مما يجعل المعتقلين غير قادرين على العناية الشخصية بأجسادهم، هذا بالإضافة الى عمليات التفتيش والتجريد من المتعلقات الشخصية (المحدودة)، والتي تتوسع فيها إدارة السجن باستمرار .
وطالبت الشبكة، النائب العام والجهات الرقابية، بالتحرك من أجل إيقاف مختلف صور التنكيل التي يتعرض لها معتقلو العقرب، ومنحهم حقوقهم المشروعة والعادلة، وإيقاف سياسة العقاب الجماعي التي تمارسها الأجهزة الأمنية بحقهم.
12 منظمة حقوقية تطالب بإطلاق سراح صحافي مصري
أدانت 12 منظمات حقوقية، في بيان، أمس الأحد، استمرار حبس الصحافي توفيق غانم، بالتزامن مع إكماله 100 يوم في الحبس الاحتياطي منذ القبض عليه في مايو/ أيار الماضي والتحقيق معه أمام نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه 15 يوما.
وتضمنت قائمة المنظمات الموقعة على البيان، كلا من، المفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، ومركز النديم، والمبادرة المصرية، والحقوق الشخصية، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، وكومتي فور جستس، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ومبادرة حرية، والمركز الإقليمي للحقوق والحريات، وتقاطع من أجل الحقوق والحريات، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
وطالبت المنظمات بالإفراج الفوري غير المشروط عن غانم والتوقف عن معاقبته نتيجة عمله الإعلامي والصحافي طوال السنوات الماضية، حتى وصل الأمر إلى حبسه بدون تهمة حقيقية.
وحملت المنظمات، الموقعة على البيان، «وزارة الداخلية المسؤولية الكاملة عن صحة وسلامة الصحافي توفيق 66 عاما، خاصة مع إصابته بتضخم في البروستاتا وكان يخضع قبل القبض عليه للمتابعة الصحية لتحديد العلاج اللازم ولكن القبض عليه حال بينه وبين تلقيه الرعاية الصحية المناسبة، إضافة إلى معاناته من مشاكل صحية في العظام وخضوعه في وقت سابق لعمليات جراحية، وأخيرا إصابته بمرض السكري الذي يستلزم رعاية صحية وطبية خاصة».
وشغل توفيق غانم، منصب مدير المكتب الإقليمي لوكالة الأناضول للأنباء في القاهرة حتى تقاعده عام 2015، كما ترأس عددا من المؤسسات الإعلامية أبرزها «ميديا انترناشونال التي أدارت موقع «إسلام أون لاين» لعشر سنين.
كانت قوات الأمن، ألقت القبض على غانم، في 21 مايو/ أيار الماضي من منزله في منطقة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة. وعقب اعتقاله تقدم محامي الأسرة، ببلاغ للنائب العام، لطلب التحقيق في واقعة الاحتجاز غير القانوني، وتمكين غانم من الاتصال بذويه وبمحاميه.
وبعد 5 أيام من الاختفاء، تم عرض غانم على نيابة أمن الدولة، على ذمة القضية رقم 238 لسنة 2021، وتم اتهامه بـ»الانضمام لجماعة إرهابية»، دون تحديد طبيعة هذه الجماعة أو دوره فيها، ولم يواجه بأي وقائع محددة ولا أي أعمال عنف أو حتى تحريض عليه.
وخلال التحقيق معه تم استجوابه حول عمله وآرائه الفكرية وتاريخ عمله الصحافي، وخصوصاً الفترة التي كان فيها يشغل مدير مكتب وكالة الاناضول في القاهرة، وقد أوضح بأنه بعد قرار غلق مكتب الوكالة في القاهرة فضل اعتزال العمل الصحافي بدلاً من الانتقال خارج مصر ومنذ ذلك التاريخ لم يمارس أي نشاط يذكر، كما أكد على موقفه الرافض للعنف بشكل عام.
وشددت المنظمات الحقوقية الموقعة، على البيان، على «سرعة الإفراج عن توفيق غانم خوفا من تدهور حالته الصحية وحتى يستطيع تلقي العلاج اللازم لإكمال شفائه». وشددت أيضا على «ضرورة التوقف عن استهداف الصحافيين بشكل عام، والتوقف عن اعتقالهم من منازلهم أو أثناء ممارسة عملهم، وترك مساحة آمنة للصحافيين والإعلاميين للقيام بمهنتهم بشكل طبيعي دون خوف».