الآباء الصغار : مشروع درامي لتحقيق الوحدة العربية
السينما في مواجهة السياسة الآباء الصغار : مشروع درامي لتحقيق الوحدة العربيةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من كمال القاضي: ليس من بين المفردات السينمائية في قاموس الفنان السوري الكبير دريد لحام كلمة التسلية فلا تعني الكوميديا لديه فاصلا مضحكا ولا سخرية تتأسس مقوماتها علي الهزل، من يتأمل مسيرة دريد الفنية يلاحظ أنها محطات يتوقف فيها عند معان أكبر بكثير من المفهوم الدارج للكوميديا ومبدأ الضحك للضحك الذي صار تبريرا واهنا لمزيد سخائم الأفلام المحشوة بوافر العبارات السوقية وأرخص الصور الاجتماعية الدالة علي العمي الدرامي الذي أصاب البصر والبصيرة فأعجز الكتاب عن رؤية ما هو أجدر بالطرح من قضايا تستأهل المناقشة وتستوجب العرض.إن شيئا من كل هذا الإحباط لم يصب دريد لحام بالعطب لكنه ظل متفائلا يقظا مؤمنا أن للسينما دور مغاير لهذا العبث، فما لبث أن قدم وسط هذا الركام الرديء من الأعمال السينمائية عملا فارقا يصلح أن يكون عنوانا للموسم الشتوي كله، إذ فرض دريد بطرحه الجاد والمتجدد قداسة خاصة علي فيلمه الآباء الصغار فجعله يتصدر الصفحات الفنية في معظم الصحف والمجلات معطيا لها مذاقا خاصا مرتقيا بالتناول النقدي الذي كان قد أوشك أن يتحول إلي مساخر ومجاملات تبعا لما هو معروض وتماشيا مع قاعدة الارتباط الشرطي بين مستوي المنتج الفني وما يتبعه من تحليل، فالقاعدة تحتم علي الناقد أن يهبط بلغته النقدية أو يعلو بها حسب درجة انفعاله وتأثره، وهذا ما يمكن أن يقال عنه التأثير والتأثر بالإيحاء في قوانين النقد الفني.. وربما كان فيلم الآباء الصغار هو فصيل من ذلك النوع الدرامي الذي يفرض علي الناقد لغته فيجعله منتبها طوال الوقت للتفاصيل التي تشكل المعاني الباطنة للصورة والحوار وإن بدا كلاهما بسيطا وسهل الاستيعاب، وهي الحيلة الذكية التي يراهن عليها النجم العربي الكبير دريد لحام في إيقاظ وعي المتلقي وتنشيط حواسه كي يصبح هو نفسه شريكا في الرسالة وجزءا لا يتجزأ منها كما حدث في أعماله السابقة التقرير والحدود وكفرون إلي آخر أفلامه التي بلغت 22 فيلما نال عنها عشرات النياشين والأوسمة كمقابل أدبي يستحقه عن جدارة، فهو الفنان الذي طالما عني بهموم وطنه وكرس جهده للتعبير عن قضاياه ومشكلاته، بل إنه تجاوز في رسالته حدود واقعه الجغرافي السوري ليشمل كل البلدان العربية قاطبة منطلقا كعادته من معطيات إنسانية كتلك التي طرحها في الآباء الصغار وهم مجموعة الأطفال الأربعة الذين تركتهم أمهم بعد الوفاة في كنف أب فقير يعمل شرطيا برتبة مساعد صف ضابط فيقف عاجزا أمام قسوة الحياة والسن الحرجة للأطفال الأربعة الذين يرمز لهم في الفيلم بالعائلة العربية التي لم تبلغ سن الرشد وتحتاج لعائل كبير كي يلملم شتاتها ويحافظ علي تماسكها موجها الأنظار إلي مصر باعتبارها الشقيقة الكبري مادا الخط الدرامي مع الخط السياسي ليصل الاثنان إلي قصة رومانسية تنشأ بين البطل عبد الودود والبطلة المصرية أمل التي جاءت إلي سورية لدراسة تاريخ دمشق القديمة فانضمت إلي العائلة الصغيرة وصارت صديقة حميمة للأب والأبناء، وهي العلاقة التي نسج منها السيناريست والمخرج دريد لحام خيوط المنوال السياسي ليكون التوازي بين الرمز والرؤية الدرامية متضافرا ومفضيا إلي ما يرمي إليه الإسقاط، حيث الحاجة إلي التكاتف العروبي القومي أصبحت ملحة في ظل الظروف الراهنة وحالة التربص الأمريكي الصهيوني بالبلاد، وكما يسعي الفيلم في مجمله لمراجعة الحسابات وإيجاد صيغ جمالية للمصالحة العربية ـ العربية، يوجه أيضا نقدا ذاتيا للحكومات التي اعتمدت علي التفاوض كحل أوحد في التعامل مع العدو وركنت إلي فرضية الأمر الواقع دون أي محاولات جادة من جانبها لتقريب وجهات النظر والاتفاق علي موقف جمعي موحد يهدف إلي توحيد الصفوف والتصدي للقوي الاستعمارية الباطشة التي اجتاحت لبنان والعراق وتتحرش بسورية وتحاول الإيقاع بإيران في مصيدة السلاح النووي وتخصيب اليورانيوم وغيرها من مقدمات وذرائع الهيمنة واستغلال الثروات وتشريد الشعوب.وهكذا تتشكل معطيات القراءة السياسية علي ضوء الصراع الدائر ومفهومه السلبي عند دريد ليترجمه بشكل حرفي إلي دراما إنسانية ـ اجتماعية يكون طرفاها الرئيسان مصر وسورية متمثلين في شخصيتي عبد الودود وامل حنان ترك اللذين تربطهما علاقة تتوطد بتجاوز حاجز اللهجة وعبور عبد الودود الأزمة بعد عودته للجامعة وتخرجه في كلية الحقوق في دلالة واضحة لحاجة الدول المنكوبة للعودة إلي حضن الجامعة العربية وتفعيل دورها والمطالبة بكافة الحقوق المهدورة والمغتصبة، إذ أن العدل والقانون هما ميزان الكون.. ولعل الشيء المدهش في هذا الجزء هو الطرح المثالي لفكرة تحقيق العدل بهذه السهولة والتعويل الكامل في انتزاع الحقوق علي القانون الدولي والمنظمات المعنية بهذا الشأن، الأمر الذي يمثل مفارقة كبري ما بين المأمول والممكن فليس بالضرورة أن تكون نتائج الوحدة العربية المنشودة مثمرة إلا إذا قابلتها رغبة صادقة من جانب المعنيين بتطبيق القانون الدولي ووالوسطاء الدبلوماسيين في رد الحقوق لأصحابها دون مراعاة حسابات التوازن والنظر بعين العطف لطفلة أمريكا المدللة إسرائيل التي تعد هي رأس الحربة في إشكالية الصراع داخل المنطقة العربية بدءا من فلسطين والجولان ونهاية بما تشعله من فتن ومؤامرات ويؤثر بدوره علي الاستقلال الداخلي والخارجي لدول الجوار.والإشارة في هذا السياق لمثالية دريد لحام مخرجا وسيناريست لا تعيب الفيلم من الناحية الفنية ولكن تحوله من أداة رصد إلي فانوس سحري يتم التعامل معه خارج المنطق باعتباره حلم يقظة يداعب أمانينا ورغبتنا المكبوتة في أن نصبح يدا واحدة ولنا وطن حر خال من المستعمرين والعملاء والخونة!وقد يري البعض ذلك مشروعا وأراه أنا كذلك أيضا، وإنما يظل السؤال الرئيسي ماثلا في الرأس.. هل يتحقق ذلك بغير نضال حقيقي وضريبة من الدم والمال والأنفس؟أشك!وهل بوسع السينما وحدها أن ترسم مستقبل الإنسان العربي كما تتمناه؟.. أتصور انه محض رومانسية.. ولكنني لست ضد الأحلام طالما أنها باتت الوسيلة الوحيدة التي نملكها.إن ثمة شيئا يجعل أداء الفنان الكبير مختلفا في هذا الفيلم عنه في الأفلام السابقة التي ذكرنا بعضها في بداية المقال واتسمت غالبا بالسخرية، ربما يتمثل في اليوتوبيا السياسية أو ذلك الإيهام المحمود بإمكانية عودة المشروع الوحدوي بين الجانبين المصري والسوري تأسيا بما كان قائما بالفعل إبان المد الثوري والأيام الخوالي لزعامة الجمهورية العربية المتحدة في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، وهو ما يلزم التنويه عنه وتسميته باليوتوبيا لاعتبارات تتعلق بالفوارق المرحلية بين الزمانين والتي لا يمكن حصرها في سطور معدودة أو حتي الإشارة إليها لأنها تحتاج لفيلم آخر لو أراد دريد لحام أن يجعل لفيلمه جزءا ثانيا يحكي فيه تجربة الوحدة السابقة.. ساعتها فقط تتضح الفوارق وتبرز تجليات المرحلة الناصرية وتقول السينما كلمتها بصراحة وتردد بأعلي الصور نشيد وطني الأكبر الذي غابت أصداؤه من الآذان منذ غياب الراعي الرسمي للوحدة العربية فبات عصيا أن تستعيد الأمة أمجادها وتنطق السينما بغير لغة السوق.. الحاحا في مقابل التفاحة!2