تتطلبُ الكتابة الإبداعية وعياً بالفضاء الذي يتحركُ فيه المؤلفُ، وقد يكون التعثرُ في إدراكِ هذا الموقف مقتلاً لروحية المنجز الأدبي بأكمله، وإذا كانت الرواية هي فن التفصيل والحشد الملحمي للشخصيات التي يؤطرها الحزام السردي، فإنَّ القصة تمتازُ بِلُغة مكثفة وجملة مكتنزة، لذا فإنَّ ما يتم التعويل عليه ليس الاسترسال ولا الإطناب في بناء القصة، بل الرشاقة والحركة الوامضة في العرض، وتُعد القصة القصيرة، حسب رأي الباحثة آمنة يوسف ابنة العصر المتسارع في إيقاعاته وتقنياته، تحاكي الواقع المنفتح على التحولات المتتالية. إذن فإن التمكن في ضم كامل الحكاية داخل بؤرة الحدث وحركة الشخصيات، ركن أساسي في الاشتغالات القصصية، إذ لا يتحملُ هذا النوع الأدبي الحشو في أجوائه لأنَّه فن اللحظة الحاسمة، واللقطة السريعة والغرض الواضح يتمُ التعبير عنه من خلال الحدث والموقف والإنفعال، وفق ما يحددُ ذلك الناقد أحمد المعلم في كتابه «الواقع والظاهرة الفنية في القصة القصيرة».
طبعا الإيجاز في التعبير من العلامات الفارقة في بنية القصة القصيرة.. فاللغة تعتمدُ أكثر على الإيحاء بدلاً من التصريح، وهذا ما يزيدُ من زخم تيار السرد، وإذا أردنا البحث عن شكل تعبيري للقصة القصيرة في الفنون الأخرى، قد يكون فن البورتريه أقربَ من جنس القصة القصيرة، والمشترك بين شكلين هو الاهتمام باللقطة، صحيح ربما تتفاوت الطاقة الإيحائية بين اللونين، لكن تقومُ كل من القصة والبورتريه على تبئير اللقطة.
وفي الواقع نجحت الكاتبة والقاصة العراقية إشراق سامي في حياكة محتويات مجموعتها القصصية الأولى، بناءً على رصد لقطات محددة في معمعان الحياة، إذ لا تنفصلُ مواقف شخصياتها من محددات الأزمنة والمكان.
طاقة العنوان
يستمدُ النص الأدبي طاقته التواصلية من عتبة العنوان، وهو يوحي بمدلولات متعددة، ما يعني أنَّ لعبة التوقعات تبدأُ عندما تشدُ المفردة الإشهارية المتلقي نحو عوالم النص، وما يدعمُ خصوصية خطابه، وذلك يتمُ من خلال الإحالة إلى الأعمال الأدبية الأخرى، الأمر الذي ينطبقُ على عنوان المنجز القصصي لإشراق سامي، فإنَّ مفردة «دفاتر عائلية» تذكر المتلقي برواية «دفتر العائلة» للكاتب الفرنسي باتريك موديانو، علماً أن العلاقة بين الأجزاء المركبة تتباين في مفردتين، من حيثُ الصياغة النحوية. أياً يكن الأمر فإنَّ ما يثيرُ الاستغراب أنَّ العنوان الرئيس في مجموعة إشراق سامي القصصية غيرُ مقتبسٍ من العناوين الفرعية المبثوثة في المحتوى. هل يعني ذلك غياب التواصل بين العتبة الخارجية ومتعلقاتها من صورة الغلاف والتصميم والمتن القصصي؟ هذه المناورة تهدفُ إلى ملاحقة ظلال العنوان الخارجي على تشكيلة القصص بأكملها، كأنَّ الكاتبة أرادت الإشارة إلى أنَّ مضامين النص ما هي إلا امتداد لإرساليات مفردة العنوان، كما أنَّ الصورة العائمة في الفضاء الأبيض تضاهي نمط آلية الكتابة القصصية، فإنَّ ما تتناولهُ سامي في حلقاتها السردية، عبارةُ عن بورتريهات لمواقف وحالات إنسانية خاطفة، إذ تدور القصة الأولى حول شخصية تراودها فرضية التحول إلى الشجرة، وما يعني ذلك بالنسبة للراوي المتكلم بالضمير الأول، حيث تترسخُ الجذورُ في منطقة عميقة من بستان جده، مستعيداً كل الأغاني التي كانت تترنمُ بها النساء اللائي يحملنَ أواني البيت لغسلها على حافة الماء، والحال هذه فإن الراوي يتذكرُ بداية مداهمة الأفكار الغرائبية لذهنه وكان ذلك متزامناً مع إمساك بشيخ جامع القرية وهو متلبس بفعل رذيل، ومن ثُمَّ عودته لإسداء النصائح للناس، يتماهي الولدُ مع أحلام اليقظة محاكياً في شكله وعلاقته مع الأرض تكوين الشجرة، على الرغم من تأنيب المعلمِ لتخيلاته الغرائبية في رسومه المعبرة عن مغايرته في التطلعات، وما يصبو إليه.
أرادت الكاتبةُ تناولها بنبرة هادئة، كما يتجلى ذلك في القصة الثانية «أول الحب، أو أول الكسران» طبعاً منطوق العبارة يذكر بمقولة لويس أراغون الذي صرحَ بأنَّه لا يوجد حب سعيد.
يذكر أنَّ فكرة هذه القصة تعقدُ علاقة تناصية مع رواية النباتية للكاتبة الكورية هان كانغ على مستوى بنية الحلم، وما يعني اكتساب صفات الشجرة من اختبار شكل جديد من التواصل مع المعطيات الوجودية. ولا تغيبُ ثيمة الحب في مناخ القصة، وإن أرادت الكاتبةُ تناولها بنبرة هادئة، كما يتجلى ذلك في القصة الثانية «أول الحب، أو أول الكسران» طبعاً منطوق العبارة يذكر بمقولة لويس أراغون الذي صرحَ بأنَّه لا يوجد حب سعيد، تسردُ القصة عن طريق راوٍ كلي العلم خيبة محمد السبع، فهو قد كسبَ ثقة القرية بشجاعته، ولا يتمنى سوى رؤية أمه مسرورة ونهوضها من أنقاض الحزن. ويستغربُ في الوقت نفسه ترهين الإنسان لسعادته وفرحه بوجود شخص آخر، كما فعلت ذلك أمه، ولكن ما يلبث أنْ يمرَ بتجربة يكتشفُ من خلالها أنَّ السعادة تنقصُ وتزدادُ وفق مؤثرات خارجية، كما يُفهمُ الغرض من إيراد الملفوظ المشحون بدلالات حكمية «أصعب رهانات المرء هي أن يفوز بنفسه» قبل أن تبدأَ مغامرة السبع الأخيرة وإنقاذه لابنة محمود الملاك الواقعة بين النهر والجرف، إذ يمتلكهُ إحساس غير مألوف ينزعهُ الزهو والفخر، ولا يستغرقُ الأمر طويلاً حتى يرسل في طلبه والد الفتاة ويكرمه بملبغ مالي، وفي واقع الأمر أنَّ ذلك الموقف زادهُ شعوراً بكسران، وهذا ما ينبئ به كلامه قائلاً لإمه أمي هل كسران النفس مؤلم جدا؟
تكفلُ الكاتبة الراوي المشارك بسرد القصة الثالثة وهي بعنوان «قاموس» يسترسلُ السردُ على لسان طالبة جامعية وهي تضعُ المتلقي أمام علاقة أمها بالزمن وانهمامها بكشف بواطن الغيب، ولا يصرفها عن متابعة كلام البصارين إلا اقتراحُ الابنة بقراءة الفأل من خلال القاموس، إذ يعدلُ قاموس الترجمة عن وظيفته الحقيقية ويصبحُ عنصراً في لعبة التبصر، والغريب في الأمر أنَّ الكلمة التي تتصدر الصفحة التي تفتحها الأمُ تفيد معنى «البومة» ومن الواضح أنَّ هذه الكلمة تعادلُ ما هو مكروه في الميثولوجيا الشعبية، وما يضاعفُ شحنة الغرائبية هو تسلل طائر البومة إلى المنزل، ومن ثمَّ يشيرُ صوت صاحبة القاموس إلى مكابدة أهلها لسوء الطالع، متسائلةً هل يمكن أن يقولُ القاموس حقائق الغد؟ تستشفُ في قصة «كنزة آلاء» ما تحمله الأشياء من نفحات نستولوجية وتنحو قصة «جائزة» منحى تجريبياً، يدور حول مشروع الكتابة وإغراءات الجائزة والشهرة في اختيارات المبدع. والأهمُ في هذا الإطار هو صراع الكاتب مع نصوصه، زاعماً أنَّ هناك أيادي خفية تفسد كتاباته، ويؤرقهُ فوات فرصة المشاركة في المُسابقة. تلتفتُ إشراق سامي في قصة «شبابيك» إلى هموم الهجرة والمنفى، كما أنَّ لثقافة الطبخ حضور في تضاريس المتوالية القصصية وتغلبُ سخرية متفلسفة على أجواء قصة «فلسفة» ومؤدى كل ما تمت الإشارة إليه أنَّ التنوع ملمحُ بارزُ في اشتغالات إشراق سامي القصصية. وهي تعجنُ ثيمات متعددة بالمتن الحكائي.
الانزياح
الإبداع الأدبي هو بالمحصلة الأخيرة انزياح عن الشكل المعهود في تناول الظواهر الموجودة، ما تسردهُ الكاتبة في قصة «عيد ميلاد» يفتحُ المجال بشأنِ علاقة الإنسان بمرحلةٍ لا يتمكنُ من التواصل فيها مع الأشياء، إلا من خلال وسائط خارجية، إذ تتذكرُ الراوية ما سمعته وهي رضيعة ويخبرها صوتُ قائلاً «أنت الآن في بداية الرحلة، ستمضين بعض الوقت في طريقك إلى هناك حيثُ تسكنُ الرحمة» تدركُ من محتوي هذه القصة والإشارة المضمرة في مفرداتها أنَّ الحرب تضعُ المرء خارج النظام الزمني المألوف، تدخلُ الراوية في قصة «وجيهة» داخل أسرار التسمية، إذ ما أن يتكسرُ التمثال الذي أطلقَ عليه ابنها اسم صديقته «وجيهة» حتى تنكسرُ روح الأخيرة ويكسيها الكمد والحزن، وتفقد مرحها إلى أنَّ يتبين في الأخير أن حبيبها قد غابَ.
ما يجدرُ بالذكر أنَّ هذه المجموعة القصصية تفردُ شراعها بوجه التفاعل مع الموروث وإحداثيات العصر. ولا تمنع المرجعية الواقعية من ارتياد التجريب ومساحات ما بعد الحداثية.
كاتب عراقي