أوروبا ومواكب النفاق الحالة البلجيكية

حجم الخط
0

ssعبد المنعم الشنتوفssspp كانت لحرب الإبادة العنصرية التي شنها الكيان الصهيوني ضد أهلنا في قطاع غزة منذ 27 كانون الأول (ديسمبر) 2008 والتي استمرت ثلاثة أسابيع تبعات ثقيلة على الصعيدين العربي والدولي. ذلك أنها كشفت من جهة الطلاق البائن بين النظام العربي الرسمي والشعوب العربية، وعرت، من جهة أخرى، الأزمة الأخلاقية العميقة للضمير الغربي عموما والأوروبي على وجه التخصيص. اعتبارا لذلك، يكون من غير المبرر الإحاطة بحجم الدمار الهائل على كل الأصعدة بمعزل عن المباركة الإقليمية العربية والتصديق الأعمى الذي عبرت عنه أوروبا الأنوار وحقوق الإنسان للمبررات الصهيونية.pppلم يكن من المستغرب والحالة هاته أن تعمد إحدى القنوات الفرنسية إلى بث فيلم ‘لائحة شيندلر’ لصاحبه سيء الذكر المخرج الصهيوني ستيفان سبيلبرغ والمحرقة الغزية في أوجها أو تؤثر القناة الفرنسية الألمانية آرتي بخبث لا نظير له برمجة فيلم وثائقي يروي تفاصيل اختطاف حركة مقاومة فلسطينية لطائرة تابعة لشركة لوفتهانزا الألمانية عام 1977 في غمرة الاستعداد العالمي لتقديم مجرمي الحرب الصهاينة للعدالة الدولية.تبقى الحالة البلجيكية متميزة على أكثر من مستوى؛ ذلك أن نفاق الطبقة السياسية بمختلف انتماءاتها اللغوية بلغ حدا يمكن وصفه بالمقرف. وقد تجلى ذلك بقوة منذ الأيام الأولى للعدوان الصهيوني على قطاع غزة، وكان أول تمثيل له مبادرة الحكومة البلجيكية بمختلف أطيافها السياسية إلى تبني الموقف الأوروبي الذي يساوي بين الجلاد والضحية وأن تنحاز بشكل سافر إلى أطروحة حرب إسرائيل على ‘حماس’ الحركة الإسلامية الإرهابية التي قامت بانقلاب ضد الشرعية المتمثلة في سلطة محمود عباس. وعلى الرغم من محاولة وزير الخارجية كاريل دو كوشت التخفيف من حدة هذا الموقف بإعلانه إرسال طائرة إلى قطاع غزة من أجل نقل الأطفال الفلسطينيين إلى بلجيكا بقصد العلاج، إلا أن ما أعقب ذلك من مواقف كشف بأكثر من قرينة أن التزام الصمت حيال العربدة الصهيونية ومئات الضحايا من الرضع والأطفال لم يكن مجرد رجع صدى للموقف الأوروبي المتحالف مع ‘ الديمقراطية الإسرائيلية العريقة’، وإنما كان تعبيرا عن عداء مستحكم حيال العرب عموما والفلسطينيين خصوصا.كانت البداية مع مظاهرة 10 كانون الثاني (يناير) التي دعت إليها أحزاب ومنظمات بلجيكية وعربية في بروكسيل والتي قدر عدد المشاركين فيها بثمانين ألفاً. لم تنشر الصحف البلجيكية الصادرة بالفرنسية والهولندية الخبر بطريقة محايدة؛ إذ ألمحت إلى الطبيعة الخطرة للمظاهرة؛ وهو ما أوحى باحتمال حدوث أعمال عنف وشغب وتخريب واعتداء. وكانت المحصلة عزوف البلجيكيين و الجاليات الأوروبية قسرا أو طوعا عن المشاركة، وحالة الاستنفار القصوى التي سادت في العاصمة. وكان من الطبيعي والحالة هاته أن يغيب عدد كبير من رموز المشهد السياسي البلجيكي بفعل الخوف المستحكم من عيون السفارة إياها المبثوثة في كل الزوايا. ولم تكد تنقضي بضعة أيام على انتهاء العدوان، وبدأ العالم يستكشف حجم الخراب المتخلف عن الهمجية الصهيونية، وبدأت تتعالى بعض الأصوات المنادية إلى تقديم مجرمي الحرب الصهاينة إلى العدالة الدولية حتى تحرك اللوبي الصهيوني في بلجيكا بشراسة في محاولة للضغط من أجل تحويل الأنظار عن بشاعة الجريمة وتلميع صورة الإسرائيلي. وكانت البداية باللعب الذكي على وتر الضحية باستعادة الهولوكوست النازي باعتباره ‘ماركة صهيونية مسجلة’ والهجوم بضراوة على كل من يسعى إلى التشكيك في صحته أو إلحاق غير اليهود ‘البؤساء’ به.نشرت صحيفة دو سطاندار الصادرة بالهولندية بتاريخ 22 كانون الثاني (يناير) خبرا مقرفا وطريفا في آن مفاده أن شركة النقل العمومي دو لاين منعت أحد موظفيها وهو من أصول مغربية من ارتداء الكوفية الفلسطينية أثناء العمل معتبرة سلوكه استفزازا سياسيا. وكان هذا الموظف قد ضبط أثناء توقفه في ساحة روزفلت في قلب مدينة أنتويرب وهو يرتدي الكوفية، وحين طلب منه مراقبو الشركة نزع الكوفية، فإنه عمد إلى الرفض بإلحاح. وكانت النتيجة إخلاء الحافلة التي كان يسوقها من الركاب وكأنها قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، وإحالته إلى مجلس تأديبي حكم عليه بعقوبة قاسية. وقد علل المتحدث الرسمي باسم الشركة هذا القرار بضرورة التزام الموظف بالحياد أثناء عمله، بيد أن الشركة ذاتها لم تلتزم بهذا المبدأ ولم يصدر عنها أي تعليق على استخدام حزب الفلامس بيلانغ اليميني النازي لشعارها الرسمي في منشور عنصري أمطر به صناديق البريد في جهتي الفلاندر وبروكسيل العاصمة، ويُظهر فيه شخصا يرتدي الكوفية الفلسطينية ويهم بالاعتداء بالسلاح الأبيض على سائق أبيض. الثابت في هذا السياق أن الشركة المذكورة لم تكن لتنبس ببنت شفة لو أن السائق كان يهوديا وعن له أن يعرب عن تعاطفه مع ‘التساحال’ بارتداء الكيبي. جدير بالإشارة في هذا الخصوص أن مدينة أنتويرب معروفة بجمعها بين النقيضين؛ فهي معقل أحد أكثر تنظيمات اليمين العنصري الأوروبي حقارة وبدائية ؛ أعني حزب الفلامس بيلانغ وعاصمة يهود بلجيكا المعروفين بولائهم غير المشروط للدولة العبرية، وقد تظاهروا بالآلاف لتأييد العدوان الصهيوني على قطاع غزة.لم تكد تهدأ ضجة ‘الكوفية الفلسطينية’ حتى تفجرت قضية وزير الثقافة في الحكومة الجهوية الفلامانية بيرت آنسيو والمقارنة الجريمة. بدأت الحكاية بأن عمد هذا الوزير الاشتراكي المعروف بمواقفه التقدمية الإنسانية الجريئة إلى نشر مقال في موقعه الشخصي على شبكة الإنترنت يقارن فيه بين المذبحة التي أقدم عليها شاب فلاماني مصاب بالشيزوفرينيا في حق عدد من الأطفال في روض للأطفال بمدينة دندرموند والمذبحة التي ارتكبها الجيش الصهيوني في حق أطفال قطاع غزة. وقال الوزير في السياق نفسه إنه وهو يأسى لمصير أطفال دندرموند لم يملك نفسه من التعاطف مع مئات الأطفال الفلسطينيين ضحايا القصف الهمجي للطائرات الإسرائيلية. كان على هذا الوزير الذي دعا في موقعه على شبكة الإنترنت إلى حملة للتشجيع على ارتداء الكوفية الفلسطينية أن يكتب هذا المقال لكي تقوم الدنيا ولا تقعد، ولكي يتحرك الوحش السرطاني للوبي الصهيوني بشراسته المعهودة. أصدرت السفارة الإسرائيلية بيانا شديد اللهجة أدانت فيه ‘المقارنة’ واعتبرتها تزييفا للحقائق واستهانة بمشاعر أسر ‘الضحايا’ البلجيكيين واستعداء مقصودا للرأي العام البلجيكي على ‘إسرائيل’ وتحويلا لها إلى شيطان. واجتمعت الحكومة الجهوية الفلامانية بشكل عاجل لدراسة الموقف والضغط على الوزير المتمرد من أجل سحب أقواله وإرغامه على الاعتذار. وتدخل وزير الخارجية الليبرالي كاريل دو كوشت ليؤكد لإسرائيل أن المقارنة إياها لا محل لها من الإعراب. وانتهى هذا الفصل المأساوي بأن أرغم الوزير المسكين إرغاما على تقديم الاعتذار. لم تتوقف المسألة عند هذا الحد؛ إذ أن اللوبي الصهيوني لا يقبل بمجرد الاعتذار؛ وإنما بالاغتيال الممنهج الذي يجعل من الضحية عبرة للآخرين ممن تسول لهم نفوسهم الأمارة بالسوء المس بقداسة إسرائيل. واعتبارا لذلك، اكتشفت الجمعية البلجيكية لحماية حقوق التأليف ‘سابام’ بكيفية مباغتة أن الوزير بيرت آنسيو قد ضمن في الركن الخاص بمفضلاته الموسيقية عددا من الأغاني البلجيكية دون أن يحصل على ترخيص من أصحابها؛ وهو ما اعتبرته فعلا غير أخلاقي. وعمدت إحدى الصحف البلجيكية الصادرة بالهولندية إلى إجراء استطلاع للرأي تمحور حول سؤال شديد الإلغاز والإثارة: هل تعتقدون في مستقبل سياسي للوزير بيرت آنسيو بعد فضائحه المتتالية؟ وكان الجواب بطبيعة الحال معبرا عن التأثير القوي للوبي الصهيوني في بلجيكا. بيد أنه من الضروري في هذا السياق الإشارة إلى الأصوات الشريفة ذات الندرة المثيرة التي تبذل قصارى جهدها في فضح الامتداد السرطاني للصهيوينة ومنظماتها في المجتمع البلجيكي. ونشير في هذا المعرض إلى المقالة النارية التي نشرتها صحيفة دو مورغن الصادرة بالهولندية لمحللها السياسي إيف دوسميت. وتساءل كاتب المقال في هذا السياق: هل حزن امرأة في بلجيكا على طفلها الذي قتلته يد مجنونة في روض الأطفال بمدينة تيرموند أكثر إثارة للاحترام من حزن سيدة فلسطينية تبكي ابنها الموجود تحت الأنقاض؟ وكانت الحكومة الجهوية الفلامانية قد رفضت بالإجماع هذه المقارنة التي لجأ إليها الوزير الاشتراكي بيرت آنسيو معتبرة ذلك افتراء على الحقائق الموضوعية. وقال المحلل السياسي إنه حين يتعلق الأمر بموت الأطفال، تصبح كل المقارنات جائزة ويكون الحق في الحزن مكفولا للجميع ومستوجبا للاحترام في انتقاد واضح لسياسة الكيل بمكيالين التي لجأت إليها الحكومة الفلامانية. وأضاف أريك دو سميت إن الحرب الإسرائيلية على غزة خلفت 1330 قتيلا من بينهم 250 طفلا لا ذنب لهم، وليتساءل في النهاية: هل يكون في مقدورنا، إذن، أن نرفض استنكار السفارة الإسرائيلية في بلجيكا لتصريحات الوزير بيرت آنسيو دون أن نتهم بمعاداة السامية؟لم تتوقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ لم نلبث أن شهدنا فصلا آخر من ملحمة النفاق الرسمي البلجيكي غداة زيارة وزيرة خارجية الكيان الصهيوني إلى بلجيكا. فقد أعلنت المنظمة البلجيكية لمحاربة العنصرية ومعاداة السامية وكراهية الأجنبي أنها سوف تتقدم بشكاية إلى الوكيل العام للملك في بروكسيل ضد أفعال عنصرية ارتكبتها الشرطة أثناء مظاهرة 21 كانون الثاني (يناير) غير المرخص لها ضد زيارة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الصهيونية إلى مقر الاتحاد الأوروبي. وحسب العشرات من الشهادات التي توصلت اليها المنظمة، فإن فرق الشرطة كانت تستوقف وتراقب الأشخاص ذوي الملامح العربية أو المسلمة وتتحقق من هوياتهم بطريقة مستفزة، بل وصل بها الأمر حد منعهم من التحرك بحرية في الشوارع والساحات المحيطة بحي شومان الذي توجد فيه مقرات الاتحاد الأوروبي أو ولوج محطات مترو الأنفاق. والمثير في النازلة حسب الشهادات نفسها أن الشرطة لم تكن تعترض سبيل البلجيكيين ذوي البشرة البيضاء الذين كانوا يتحركون بحرية؛ وهو ما أعاد إلى الأذهان الممارسات العنصرية البغيضة في جنوب إفريقيا إبان حكم نظام الفصل العنصري. وقالت المنظمة إن ممارسات من هذا القبيل تشكل إهانة للمواطنين البلجيكيين المنحدرين من أصول عربية أو مسلمة ومساسا خطيرا بحريتهم في التنقل وتركيزا واعيا للتمييز العنصري.غير خاف في هذا الخصوص أن هاته الفصول المأساوية التي عرضنا لا تعدو كونها تمثيلا لقوة اللوبي الصهيوني داخل النظام السياسي الرسمي في بلجيكا بكل تمثيلاته مع استثناءات لا تلغي القاعدة. وفي الوقت الذي لا يدخر فيه هذا اللوبي جهدا في تلميع صورة الكيان الصهيوني وتجريم خيار المقاومة، نلفي مثقفين عربا يشبهون صواريخ المقاومة الفلسطينية بالمفرقعات النارية وسفراء يفتخرون على شاشة القناة البلجيكية العمومية الأولى بصداقات دافئة ولقاءات حميمية مع سفيرة الدولة العبرية في المطاعم الفاخرة للعاصمة البلجيكية. لم تكن الزيارة التي نظمت لمعتقل أوشويتز النازي لجمع من تلامذة المدارس البلجيكية والتي ترأسها وزير الدفاع البلجيكي الديمقراطي المسيحي بيتر دوكريم في غمرة الاستنكار العالمي للجرائم الصهيونية بالبريئة؛ إذ لا يسع فصلها عن إرادة تثبيت صورة اليهودي المسكين الضحية الذي يدافع عن حقه في الوجود. والشأن نفسه بالنسبة لاستطلاع الرأي الذي أجرته الجامعة الكاثوليكية بلوفان والذي نشرته بعض الصحف البلجيكية والذي أثار ردود فعل قوية في الأوساط السياسية الفلامانية، وأدى إلى ما يمكن وصفه جدلا ثقافيا قويا. وكان الاستطلاع المذكور قد خلص إلى أن 49 في المئة من الفلامانيين يعتبرون الدين الإسلامي خطرا على أوروبا؛ وهو ما يعني أن القيم الإسلامية لا يمكنها أن تتعايش بطريقة متناغمة مع القيم الغربية. وحاول الكثير من السياسيين الفلامانيين تفسير وتبرير هاته الخلاصات المزعجة، ومن بينهم وزير الإدماج الاجتماعي في الحكومة الجهوية الفلامانية مارينو كولن. وعزا هذا الأخير الأسباب في وجود هذه الهوة السحيقة بين المواطن الفلاماني والمواطن ذي الأصل المسلم إلى الربط الحاصل بين الإسلام والإرهاب والمعرفة الناقصة بالقرآن الكريم وارتفاع نسبة البطالة في أوساط المسلمين الناتجة عن نقص في التكوين علاوة على شيوع مشاعر الكراهية والعنصرية في المجتمع الفلاماني بتأثير حزب الفلامس بيلانغ اليميني النازي.في السياق ذاته، ارتفعت بعض الأصوات التقدمية ذات المعرفة القوية بالإسلام والقرآن الكريم لتكشف عن عجز قطاع كبير من المسلمين عن ممارسة النقد الذاتي. وأشارت في هذا الخصوص إلى امتعاض جزء كبير من المجتمع الفلاماني من الفكرة التي مؤداها إن القرآن الكريم هو مصدر كل شيء وأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال انتقاده. وتساءلت هاته الأصوات عن الكيفية التي يمكن بواسطتها المؤالفة بين الطابع العلماني لأوروبا عموما وبلجيكا خصوصا والقيم التي يدافع عنها الإسلام. وكانت صحيفة دو سطاندر الصادرة بالهولندية قد ساقت في هذا المقام شهادة ويم فان روي المدير السابق للمدرسة الإسرائيلية بمدينة أنتويرب شن فيها هجوما حادا ومغرضا على الإسلام وبعض ثوابته. فقد أشار هذا الأخير إلى أن هاته الثوابت العقدية تؤدي مثلا إلى اضطهاد الكتاب والمبدعين والمثليين الجنسيين والنساء. وأضاف في هذا السياق أنه لا يسع التعلل بذريعة التحريض على الخوف من الإسلام لكي نغض الطرف عن مثل هاته الحقائق..’ كاتب من المغرب يقيم في بروكسل82

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية