الناصرة- “القدس العربي”: تتواصل أعمال التخريب والطمس والتزوير للمقدسات الإسلامية في مدينة صفد الفلسطينية وآخرها بناء قبر ومزار يهودي عند الحائط الشرقي لمسجد قرية عين الزيتون وتحطيم بقايا الأضرحة الحجرية في المقبرة الجديدة في صفد التي تتعرض لانتهاكات وتدنيس وتحطيم شواهدها من خلال مواصلة إدخال قطعان الأبقار التابعة لمستوطنات مجاورة إليها.
“القدس العربي” زارت الموقعين واطلعت على ما يشهداه من اعتداءات تحت بصر وسماع الجهات المعنية المحلية والحكومية الإسرائيلية دون أي وازع.
وفي صفد هناك أربع مقابر إسلامية تاريخية أخرى هي السرايا، الكتف، أبو قميص والمقبرة الجديدة وجميعها تتعرض للتخريب، غير أن المقبرة الجديدة باتت في حالة يرثى لها وتكاد فيها حجارة القبور والشواهد تنطق نيابة عن موتاها وتصرخ في وجه الظلم والتدنيس والاستخفاف بمقدسات من كانوا حتى عام 1948 أصحاب المدينة.
في صفد كالكثير الكثير من شقيقاتها رحل وهجّر الأحياء أو معظمهم، فيما بقي الأموات حراسا صامتين على هويتها وهذا على ما يبدو يزعج من هجّر ورحّل وورث ويبحث عن احتلال وعي الفلسطينيين والإسرائيليين وتزوير رواية المكان ليتعايش متصالحا مع نفسه بعد ارتكاب هذه الجرائم عير نكرانها وطمس آثارها.
بين رحاب المقبرة الجديدة الممتدة على نحو عشرة دونمات ومزروعة بأشجار السرو والبلوط والكينا والزيتون تنتشر أعداد كبيرة من القبور معظمها بات في الطريق إلى الاندثار بفعل الإنسان قبل تقادم الأيام والزمان.
تكاد بعض الأضرحة القليلة الناجية من يد الهدم ألا تظهر للعيان بسبب غرقها بين الأعشاب والأشواك وتعرضها للهجران والحرمان من أي نوع صيانة وترميم وتنظيف. كذلك شقت جذور وفروع نباتات البلان والأشجار البرية بعض الأضرحة علاوة على تخريب ناجم عن حفريات حيوانات برية تجد في المقبرة ملجأ لها.

ولذا تصعب قراءة وفهم النصوص المنقوشة على الأضرحة خاصة أن معظمها قد تمّ تحطيمه إلى كسور يستثنى منها عدد قليل من بيان مئات القبور التي وثقت أسماء الموتى والتاريخ الهجري للمولد والموت كما يظهر في ضريح “عبد الرؤوف إبراهيم حجازي المولود عام 1326 والمتوفي مبكّرا عام 1365 وعلى بعد أمتار كسور شاهد يحمل اسم أحد أقربائه” إبراهيم يوسف حجازي المولود عام 1292 والمتوفي عام 1356. على بعد نحو عشرة أمتار سلم ضريح اسمنتي للمرحوم محمود سلمى نعمة الله المتوفي عام 1366 دون ذكر سنة الميلاد وفي رأس حجر الشاهد نقشت كلمة “الفاتحة”. والمرحوم محمود سلمى نعمة الله أحد أثرياء صفد وكان يملك مقهى كبير بارز يدعى مقهى سلمى في شارع صفد المركزي- شارع الملك فيصل (شارع يروشلايم بتسميته الإسرائيلية اليوم) في صفد الفلسطينية وفق تأكيد المؤرخ البروفيسور مصطفى عباسي.
ومقابل ضريح محمود سلمى نعمة الله هناك ضريح اسمنتي كبير تعرض سقفه للتحطيم وفي واجهته الغربية تبدو منقوشة ما زالت بحالة تتيح قرائتها: “من شهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة”. في الجهة الجنوبية من المقبرة ذات الانحدار تنتشر عشرات القبور المحطمّة منها قبر للمرحوم حسني عيد الله درست الكتابات المنقوشة على شاهده الناجي من التكسير بعكس بقايا الضريح.

وتحتضن المقبرة الجديدة في صفد أضرحة شهداء كتبت على شواهدها بعد “الفاتحة” الآية الكريمة “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون” وفي الجزء الأسفل تتمة المنقوشة: “الشهيد محمود ضحى الله” دون ذكر سنة الاستشهاد. ولجانبه ضريح آخر نجا تقريبا من التحطيم نقش على شاهده الحجري الأبيض الآية الكريمة المذكورة ومن تحتها اسم الشهيد “رشيد محمود الشاعر” مع ذكر عام الاستشهاد 1355 هجري.
وجزء من عملية الطمس والتزوير باتت المقبرة الجديدة في صفد جزء من “متنزه عين الزرقاء” الذي بنته سلطات الاحتلال الإسرائيلية في محيط المقبرة بـ”دعم سخي من يهود تورنتو في كندا” ونوهت له بلافتات نقشت على الصخر في المداخل.
وتشير لافتة عبرية خشبية أخرى إلى أن المياه المتدفقة في المكان تنبع من عيون وادي بيريا الذي يصب في وادي الليمون أو وادي عمود دون الإشارة ولو بكلمة واحد للمواقع العربية المحيطة بالمكان. وربما هذا ما يفسر وجود بعض الحجارة المتناثرة داخل المقبرة الإسلامية التي حملت نقوشا عبرية كتب عليها اسم المدينة صفد محاطة ببعض النقوش الصغيرة لأوراق شجرية. ومن الأضرحة شبه الدارسة ضريح لزميل صحافي من صفد يدعى كمال سعد الدين وهو مراسل صحيفة “فلسطين” التي صدرت في يافا واعتبرت أهم وأوسع الصحف الفلسطينية انتشارا في نهايات الحقبة العثمانية وخلال فترة الاستعمار البريطاني، وقد درس سعد الدين في قرية الجاعونة (مستوطنة روش بينا اليوم) المجاورة.
وكان الراحل سعد الدين صحافيا مثقفا ويجيد العربية، العبرية، الانكليزية والفرنسية كما يستدل من كتاب المؤرخ البروفيسور مصطفى عباسي: “صفد في فترة الانتداب، دراسة اجتماعية وسياسية”. ويوضح مصطفى عباسي أن هناك عدة مقابر كانت ضمت لمدينة صفد أيام الانتداب هدم معظمها، وبقيت المقبرة الجديدة الإسلامية وتلك المسيحية وكلتاهما تعرضتا للتخريب فقد تم تحطيم مئات الأضرحة فيهما وبقي القليل منها.

وردا على سؤال “القدس العربي” حول دراسته الأكاديمية عن صفد وقراها وعن المقابر والمقدسات وأحوالها أشار عباسي إلى أنه يتوقع من بلدية صفد تسييج المقابر وصيانتها وعلى الأقل ترميم الأضرحة وصيانتها ومنع الانتهاكات كما يجري في مقابر العالم كافة. لافتا لتدمير وإزالة معالم مقبرة حي الأكراد القديمة المعروفة بمقبرة أبو قميص، حيث بنيت على أنقاضها “حديقة الأبناء”، وكذلك أزيلت تماما مقبرة الكتف في جنوب المدينة. كما تلقى ذات المصير هذه الأيام مقبرة تاريخية مجاورة لعمارة السرايا وهي مقر إقامة الحاكم العثماني حيث على أنقاض القبور الإسلامية تقام اليوم محكمة إسرائيلية كما تشير لافتة بالعبرية في المكان.
وأشار عباسي إلى حصول اعتداء على زاوية بنات حامد شمال المسجد الأحمر المملوكي أيضا وهي إحدى أهم المعالم التاريخية المملوكية في صفد والجليل حيث سبق وتوجه مجموعة من المؤرخين العرب واليهود لرئيس البلدية ولسلطة الأثار الإسرائيلية بهذا الخصوص وطالبوا بضرورة حماية هذه المعالم بعد سرقة منقوشة حجرية من واجهة هذه الزاوية المملوكية. غير أن رئيس بلدية صفد لم يعقب على توّجه مجموعة مؤرخين معظمهم يهود وبعضهم عرب رغم أن سلطة الآثار الإسرائيلية قد قدمت شكوى في الشرطة بعد السرقة.

ويشار إلى أن مركزا ثقافيا على اسم الجنرال الإسرائيلي الراحل يغئال ألون قد بني على جزء من هذه المقبرة قبل سنوات والآن ستبنى المحكمة على ما تبقى منها. وأمام دعوات وقف البناء واحترام قدسية المقبرة ادعت سلطة الآثار الإسرائيلية أن الحديث يدور عن قبور مملوكية وعثمانية، لكن النائب وليد طه من الحركة الإسلامية المتابع لهذه القضية يؤكد لـ”القدس العربي” أن هناك قبورا فيها لأهالي صفد عشية نكبتها عام 1948.
ويشير طه أيضا بأن معالم التسامح بين العرب واليهود في المدينة قبل نكبتها تتعرض اليوم للتخريب منوها إلى أنه لو تم المساس بكنيس أو مقبرة يهودية لا سمح الله لقامت القيامة. كما يشدد طه على أن صيانة هذه المقدسات الإسلامية مهمة للحفاظ على قيمة التسامح والحياة المشتركة. وينوه طه إلى أن وجود معالم تاريخية مملوكية نادرة في صفد، متسائلا أليس من الجدير الحفاظ على هذه المقدسات الإسلامية في عصر التطبيع والسلام مع دول عربية وإسلامية.

بعد الإقدام على تحويل المسجد التاريخي في بلدة الخالصة (مدينة كريات شمونة الإسرائيلية تقوم على أنقاضها) إلى متحف في الصيف الماضي يحاول مستوطنون الإستيلاء على مسجد قرية عين الزيتون في صفد المبني من 1934 فقد تبين من خلال زيارته أن جماعة “حباد” اليهودية قد حولته إلى مزار.
وتقع قرية عين الزيتون في الشمال من صفد وقد بنيت على سفح شديد الإنحدار تحيطها قرى بيريا وقديثا وميرون والظاهرية التحتى وتمتاز بغزارة عين مائها وعذوبتها حتى ذاع صيتها، وحينما كان يقوم المندوب السامي البريطاني الأول هربرت صموئيل بزيارة صفد حرص على التوقف عند عين ماء عين الزيتون ليشرب منها ونقل عنه قوله إن مياه عين الزيتون أطيب من النبيذ المعتق”، كما جاء في كتاب الباحث بروفيسور مصطفى عباسي (قرى قضاء صفد في عهد الانتداب).
ويستدل من معاينة المكان أن هؤلاء المتطرفين اليهود قد أغلقوا المسجد المليء بروث البقر بعد استخدامه لمدة طويلة كحظيرة وهو اليوم بحالة إهمال مريعة. وفي محاولة لطمس ملامح المسجد وتزوير هويته سارع المتطرفون اليهود إلى صباغة حجارة بعض جدرانه الخارجية بالدهان الأزرق الفاتح المستخدم عادة في طلاء حجارة الكنس. لكن الأخطر هو قيام هؤلاء المعتدين ببناء ضريح قبر يهودي للحاخام يوسي ماكير بجانب الحائط الشرقي في المسجد وبجواره رفع علم حركة “حباد” اليهودية وكتبت شعاراتها على واجهة المسجد لجانب شعار آخر بالعبرية يدعو لمقاضاة “مجرمي اتفاق أوسلو” وهذه تبدو محاولة أولى في تغيير ملامح المسجد وتحوير هويته الأصلية.
هذا علاوة على إزالة المنقوشات الحجرية التي تطرقت لبناء عين الماء التاريخية المتدفقة مياهها من داخل المسجد. وتضمنت منقوشة العين المسروقة شعرا تحدث عن بناء شباب عين الزيتون لعين القرية عام 1934 في نفس عام بناء المسجد الملاصق الذي أعد خرائطه مهندس من صفد وقتذاك واستصدر تراخيص البناء كما تدلل أرشيفات دائرة الأوقاف الإسلامية في عكا.
وكذلك تظهر معاينة المكان سرقة منقوشة رخامية كبيرة في واجهة المسجد تروي تاريخ بناء المسجد التابع لقرية عين الزيتون التي شهدت مجزرة مروعة خلال نكبة 1948 على يد عصابات الهغاناه. وينبه النائب وليد طه إلى أن ظاهرة المساس بمواقع تاريخية وأثرية إسلامية ومسيحية باتت ظاهرة منتشرة في البلاد تفاقمت في السنوات الأخيرة كما يتضح في صفد، على سبيل المثال، حيث هدمت بعض مساجدها وبقية مقدساتها بشكل كامل أو جزئي.



