تدور دوماً في الوسط العربي نقاشات طويلة حول الصفات الواجب إطلاقها على الكتّاب المؤثرين في المجال السياسي والثقافي، فشخصيات مهمة مثل صادق جلال العظم لدى العلمانيين واليساريين؛ أو عبد الوهاب المسيري لدى الإسلاميين، أثارت نزاعاً كبيراً حول تعريفها: «فيلسوف» «مفكر» «كاتب» أم «مؤدلِج»؟ ينطبق الأمر نفسه على كتّاب مشهورين عالمياً مثل سلافوي جيجك، الذي اختلف التلقي العربي له بين اعتباره فيلسوفاً أو ناقداً ثقافياً؛ ويوفال نوح هراري، الذي يراه البعض مؤرخاً، وآخرون مجرد كاتب ضحل في قوائم «الأكثر مبيعاً».
يمكن النظر إلى المشكلة من جانبين متصلين: جانب اجتماعي وسياسي؛ وآخر لغوي/مفاهيمي. يغيب عن الجدل العربي الاهتمام الكافي بالأبعاد التاريخية لنشأة الأشكال والأنماط الكتابية، وعلاقة الإنتاج والتلقي الثقافي عموماً بالبنى الاجتماعية والحيز العام وعلاقات القوة في المجال السياسي؛ ويزيد من الالتباس عدم وجود مصطلحات متناسبة مع هذه الأبعاد والعلاقات، تطوّرت في البيئة التاريخية والثقافية للغة العربية المعاصرة.
يمكن اقتراح إدخال أو ترجمة مصطلحات من اللغات الأوروبية، ذات ثراء اشتقاقي ومفاهيمي عالٍ، لطرح الإشكالية بشكل جديد، وإيجاد وصف أكثر دقة للشخصيات المتنازع عليها، وفي هذا السياق قد يكون مصطلح Publizist باللغة الألمانية، وPubliciste بالفرنسية، الذي لا نظير له باللغتين العربية أو الإنكليزية، مفيداً للغاية. فهو يشير إلى «الكاتب للعموم» (وهي الترجمة التي نقترحها) أياً كان اختصاصه، سواء كان صحافياً أو فيلسوفاً أو عالماً أو أديباً، الذي يمارس النقد والنقاش في الحيز العام، بهدف التأثير في رأي عامة الناس، القادرين على القراءة والكتابة، والحاصلين على الحد الأدنى من التعليم الأساسي والإلزامي، وليسوا المختصين منهم في مجاله حسب، أي صياغة ما يسمى «الرأي العام».
من الخطأ الخلط بين «الكتّاب للعموم» والعاملين في مجال الثقافة الجماهيرية pop culture، الذين يكونون أقرب عادة للانخراط في صناعة الترفيه، فصفة الكتابة للعموم لا تحدد عدم اختصاصية أو بساطة أو مدى الرواج الجماهيري للأعمال، التي قد يكون منتجوها فلاسفة مهمين أو علماء معترفاً بهم في مجالهم، ولكن ما يميزّها أنها ليست مكتوبة بلغة اختصاصية محضة، بل باللغة العادية، العمومية والمشتركة بين كل المشاركين في الحيز العام، وهكذا يمكن اعتبار فلاسفة من وزن ماركس ونيتشه كتاباً للعموم إلى حد كبير، دون أن ينتقص هذا شيئاً من أهميتهم، بل أن كثيراً من الكتب، التي صارت في ما بعد من أمهات المراجع الأكاديمية، كُتبت بالأصل للعموم، والأمثلة على ذلك شديدة الوفرة في الشرط الحداثي.
بروز مفهوم «الكاتب للعموم» في العصر الحديث له أبعاد سياسية واجتماعية شديدة الأهمية، ومرتبطة بشكل بنيوي بالديمقراطية والحريات والحقوق الأساسية؛ كما أن تراجعه مؤخراً إشارة مقلقة إلى اضمحلال الحيز العام، فما أهم تلك الأبعاد؟ وما العوارض الأساسية لتراجع العمل الثقافي الموجه للعموم؟
مفهوم العموم
لا يمكن متابعة ظهور مفهوم «العموم» ثقافياً، في السياق الغربي خصوصاً، دون الحديث عن أهمية اللغة العادية ولغة التعليم في العصر الحديث، وعلاقاتهما باللغات الاختصاصية. فالعصور الوسطى على سبيل المثال لم تكن فقيرة، كما يُظن غالباً، بالإبداع الفلسفي والفكري والأدبي، ولكن مثقفي تلك العصور كتبوا بلغة لا يفهمها العموم، اللاتينية غالباً، ووجهوا أعمالهم للخواص، من الكهنة والنبلاء والقادرين على قراءة «اللغات العليا» أما الناس العاديون، من فلاحين وعوام، فلم يكن بإمكانهم حتى فهم النصوص الدينية والقانونية، التي تنظّم حياتهم، ما يعني أن الشؤون السياسية والقانونية والدينية ليست من اختصاص العامة، الذين لا يحق لهم إلا الخضوع والطاعة.
عرف السياق العربي في ما مضى عدداً من الكتّاب للعموم، الذين حاولوا التأثير في الحيز العام، لمصلحة ما اعتبروه الأفضل لدولهم ومجتمعاتهم، ولذلك فإن اهتمامهم بالمقولات، المرتبطة باللغة العادية؛ وعدم اقتصار تركيزهم على المجردات والماهيات، المرتبطة باللغات الاختصاصية، لا ينتقص بالضرورة من أهميتهم الفكرية أو الفلسفية، بقدر ما يدل على وعيهم بدورهم النقدي العمومي.
ما يميّز الحداثة عموماً عن العصور الوسطى ليس العمق الفكري أو التطوّر الثقافي المجرّد، بل تطوّر الحيز العام، ومشاركة العموم فيه، وهي عملية تاريخية طويلة ومعقدة، بدأت مع النزعة الإنسانية في عصر النهضة، والإصلاح الديني، والثورات الدستورية، وكل هذا مرتبط، بشكل من الأشكال، بصعود البورجوازية، فقد عمد كثير من أدباء النهضة إلى الكتابة باللغات المحكية، التي يمكن للجميع فهمها؛ في ما عمل المصلحون الدينيون على ترجمة الكتاب المقدس لتلك اللغات؛ وحقوقيو الثورات البورجوازية على تعميم ونشر القوانين بلغات بيّنة للبشر، الذين أصبحوا مواطنين، وجزءاً فاعلاً من المتحد السياسي العام. وبما أن اللغة العادية ليست موحّدة ومعيارية كاللغات الاختصاصية، فكان لا بد من تدعيمها بلغة التعليم العام، أي لغة وسيطة مُتفق عليها، تُستعمل في المدارس العامة ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة، ولذلك كان التعليم العام والإلزامي من أسس بناء الدول الحديثة، وكذلك أحد أهم الأجهزة الأيديولوجية للدولة، فتوسيع الفضاء العمومي ارتبط دوماً بمحاولات فرض الهيمنة الأيديولوجية، والصراع عليها.
يجادل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس كثيراً حول أهمية اللغة العادية ولغة التعليم، والأبعاد التاريخية لما يسميه «الانعطاف البنيوي في الحيز العام» الذي حققته البورجوازية، ورغم تعقيد نظريته عن الموضوع، وعن التطور الديالكتيكي لذلك الحيز، الذي انتهى بإمكانية الهيمنة الكاملة للدول والشركات الكبرى عليه، إلا أن فكرة الحيز العام المفتوح للجدل والنقاش بين العامة تستبطن بحد ذاتها نمطاً من العقلانية بين الذاتية: توجد في لغتنا العادية والعامة إمكانية لبناء المشتركات؛ وإيجاد الحلول للنزاعات الاجتماعية؛ وتحديد الحقوق الأساسية وحمايتها من أي انتهاك. الدفاع عن الحيز العام يعني الدفاع عن حق العامة في المشاركة في الشؤون القانونية والسياسية والثقافية، التي تشكّل عالمهم، والتي صارت «قضايا عامة» وبالتالي من أساسيات الديمقراطية، التي تعني أصلاً «حكم العامة».
الفلاسفة والعلماء والأدباء، أي «الخبراء» عموماً، بات عليهم في الشرط الديمقراطي الحديث أن يكتبوا بلغة مفهومة للعامة المتعلمين، كي يصبح لكتاباتهم تأثير سياسي، بعد أن انتهى عصر الكتابة للملوك والسلاطين، وهكذا أصبحوا «كتّاباً للعموم».
أما من اختار منهم الاقتصار على اللغة الاختصاصية، فعليه أن يقبل أن يبقى تأثيره محدوداً بأهل الاختصاص، إلى أن يأتي كاتب للعموم ينشر فكره بين الناس، ويجعله أكثر تأثيراً في رسم السياسات العامة، أو حتى تبريرها.
العصور الوسطى الجديدة
من الطريف ملاحظة أن المقابل الأقرب لكلمة Publizist في اللغة الإنكليزية هو Publicist، الذي يدلّ على معنى مغاير تماماً، وربما معاكس، فهو يعبّر عن الشخص المسؤول عن الدعاية لشركة أو علامة تجارية أو لأحد المشاهير والنجوم، ورغم أن المعنى الألماني والفرنسي للمصطلح يتضمّن بالتأكيد دلالةً على الدعاية للأفكار، ونشرها بين الناس، إلا أنه لا يحصره بالدعاية للكيانات الأقوى والأكثر سلطة، بل غالباً ما يُعتبر الكاتب للعموم، الذي يفعل هذا، خائناً لدوره الثقافي والاجتماعي.
يبدو أن المعنى المقبل من السياق الأنكلوفوني قد بدأ ينتشر عالمياً، بالارتباط مع اضمحلال الحيز العام في أكثر الدول ديمقراطية، فـ»الخبراء» باتوا هيئة استشارية لـ«صنّاع السياسات» في الحكومات والشركات، وكذلك «المنظمات المدنية» غير الخاضعة لأي اختبار ديمقراطي فعلي، بوصفها متعالية على أي شكل من أشكال الاستفتاء الشعبي، سواء عبر الانتخابات أو غيرها، بل تلعب دوراً تربوياً فجاً تجاه العامة؛ في حين بات الحيز العام نفسه، وكل ما هو مشترك، يُعتبر ميداناً للأذى والتمييز والعدوان المصغّر، لذلك لا بد من تفكيكه إلى مساحات آمنة، لا تسود فيها لغة عمومية، بل لغات مخصخصة، تتفهّم الحساسيات الهوياتية؛ كما يوسم النقد أو التشكيك بالشعبوية أو اليمينية. هكذا يتم تدريجياً إلغاء سلطة العامة (الديمقراطية) لحساب التحكّم البيروقراطي/التكنوقراطي (سلطة المكتبيين والخبراء) ويصبح الجدل والنقد في ما تبقى من الحيز العام أمراً مرذولاً، وتحت طائلة التهديد بالإلغاء الثقافي، بحجة مس الحساسيات، وهو وضع يتسم بكثير من السمات القروسطية.
أن تكون كاتباً للعموم
عرف السياق العربي في ما مضى عدداً من الكتّاب للعموم، الذين حاولوا التأثير في الحيز العام، لمصلحة ما اعتبروه الأفضل لدولهم ومجتمعاتهم، ولذلك فإن اهتمامهم بالمقولات، المرتبطة باللغة العادية؛ وعدم اقتصار تركيزهم على المجردات والماهيات، المرتبطة باللغات الاختصاصية، لا ينتقص بالضرورة من أهميتهم الفكرية أو الفلسفية، بقدر ما يدل على وعيهم بدورهم النقدي العمومي، وربما التزامهم بفهمهم الخاص للديمقراطية، التي لا يتطابق مدلولها بالضرورة مع الديمقراطية الليبرالية السائدة في الدول الغربية حالياً.
لا يعني هذا بالتأكيد رسم صورة رومانسية عن الكتّاب للعموم، فنمط وشكل نشاطهم لا يتعلّق باختيارهم الذاتي فحسب، بقدر ما هو فعل ضمن الشرط البنيوي للحداثة، وكثير منهم سعى، ضمن ذلك الشرط، للتأثير على الرأي العام باتجاهات معادية للديمقراطية والحريات والتحديث. ولكن يبقى أن إعادة الاعتبار للوظيفة الاجتماعية للكاتب للعموم، والدفاع عن الحيز العام، الذي سمح بنشوء تلك الوظيفة، من أكثر المواقف توافقاً مع مفهوم الديمقراطية.
باحث سوري يقيم في ألمانيا