الناطق باسم حزب العدالة والتنمية التركي، عمر جليك
إسطنبول-“القدس العربي”:
يسعى حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية شريكا الحكم في تركيا إلى خفض العتبة الانتخابية من 10 بالمئة إلى 7 بالمئة في خطوة تاريخية يقول الحزبان إنها تهدف إلى تعزيز المشاركة السياسية والتنوع الديمقراطي ، فيما يقول معارضون إنها خطوة من أردوغان لـ”إنقاذ” حليفه زعيم حزب الحركة القومية الذي تقول استطلاعات الرأي إن حزبه لن يتمكن بسهولة من تجاوز العتبة الانتخابية وتجاوز حاجز الـ10 بالمئة في الانتخابات المقبلة.
ومنذ سنوات طويلة تطالب أحزاب تركية مختلفة بضرورة خفض العتبة الانتخابية المطبقة منذ عقود في قانون الانتخابات بتركيا والتي تنص على حصول أي حزب سياسي على 10 بالمئة من الأصوات من أجل الدخول إلى البرلمان، وهو القانون الذي حافظ على تمثيل للأحزاب الكبيرة فقط بالبرلمان والتي تراوح عددها بين 4 إلى 5 أحزاب فقط في العقود الماضية.
لكن الخطوة هذه المرة وعلى الرغم من أنها لا تلقى معارضة كبيرة أو تصعيد من قبل أحزاب المعارضة وحتى قبولاً من أغلبها، إلا أن المعارضة ترى فيها خطوة تهدف إلى إنقاذ حزب الحركة القومية ومنع خروجه من البرلمان في الانتخابات المقبلة حيث تقول استطلاعات رأي أن شعبية الحزب الذي حصل على 11 بالمئة من أصوات الناخبين في انتخابات 2018 البرلمانية، لن يتمكن على الأغلب من تجاوز حاجز الـ10 بالمئة وهو بحاجة لخفض العتبة الانتخابية لضمان دخوله البرلمان في الانتخابات المقررة عام 2023 والتي تضغط المعارضة لإجرائها بشكل مبكر.
وبحسب مركز متروبول لاستطلاعات الرأي في تركيا، فإن أصوات حزب العدالة والتنمية تراجعت منذ انتخابات 2018 من 42.5 بالمئة إلى 29.3 بالمئة، في حين تراجعت أصوات حزب الحركة القومية من 11.1 إلى 7.3، إلا أن الحزبان يعتبران أن هذه الاستطلاعات مسيسة ولا تعبر عن شعبيتهما الحقيقية في الشارع التركي.
وفي حال فشل حزب الحركة القومية في تجاوز العتبة الانتخابية ودخول البرلمان فإن ذلك يعني بشكل مطلق خسارة “تحالف الجمهور” الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية وبعض الأحزاب الصغيرة الأغلبية البرلمانية، وهو يعني انتقال الأغلبية البرلمانية للمعارضة التي تضع كل ثقلها للفوز في الانتخابات المقبلة حتى ولو نجح الحركة القومية في تجاوز العتبة الانتخابية أيضاً.
ومنذ سنوات يدور نقاش عميق في الأوساط السياسية حول الرقم الذي سيتم خفض العتبة الانتخابية إليه، حيث طرحت العديد من الأرقام قبل أن يعلن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية عن توافقهما على رقم 7 بالمئة سيجري طرحه على البرلمان لاعتماده ليصبح سارياً كتعديل على قانون الانتخابات العامة في البلاد.
وقبل أيام، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن العدالة والتنمية يرغب في خفض العتبة الانتخابية إلى 7 بالمئة، لافتاً إلى أن الحركة القومية ينظر بإيجابية إلى هذا الطرح، وأن القرار النهائي سوف يتخذ بالتوافق بين الحزبين وأن تغييرات قد تحصل خلال الأيام المقبلة.
والأربعاء، أكد دولت بهتشيلي زعيم حزب الحركة القومية أن النقاش حول ما إن كانت العتبة الانتخابية سوف تكون 5 أم 7 بالمئة لم يعد له أي لزوم، مشدداً على أنه تم اتخاذ القرار النهائي بأن تكون العتبة الانتخابية 7 بالمئة وذلك بعد مشاورات معمقة بين مختصي الدستور والقانون من العدالة والتنمية والحركة القومية.
وعلى الرغم من تأكيد بهتشيلي بأن الرقم المتفق عليه هو 7 بالمئة، إلا أن وسائل إعلام تركية نقلت عن مصادر خاصة قولها إن رقم 5 بالمئة ما زال مطروح بقوة في الكواليس السياسية للحزبين، حيث يعتقد أن خفض العتبة الانتخابية إلى 5 سوف يساعد أحزاب أصغر على دخول الانتخابات بمفردها أو التفكير في تشكيل تحالف انتخابي جديد. ويعول على ذلك التحالف الحاكم بأن يؤدي إلى انفرط بعض الأحزاب الصغيرة عن دعم تحالف المعارضة وخوض الانتخابات بشكل مباشر أو العمل على تحالف ثالث جديد وهي ما يزيد من حظوظ تحالف أردوغان بالانتخابات المقبلة.
وكما أن خفض العتبة الانتخابية تمنح ضمانات أكبر بتجاوز حزب الحركة القومية العتبة الانتخابية ودخول البرلمان، فإنها تمنح أيضاً ضمانات مشابهة لحزب الجيد المنضوي تحت تحالف المعارضة “تحالف الأمة” بالدخول للبرلمان أيضاً. ولا يتوقع أن يكون لهذه الخطوة تأثير على الكثير من الأحزاب المشكلة حديثاً في البلاد لا سيما تلك التي شكلها سياسيون منشقون عن حزبي العدالة والتنمية والشعب الجمهوري (أكبر أحزاب المعارضة) كونها أحزاب حديثة التشكيل ولا تمنحها استطلاعات الرأي أي حظوظ بنسب مقاربة من العتبة الانتخابية حتى وإن كانت 7 بالمئة.
وفي جانب آخر لا يقل أهمية، يعتقد أن العتبة الانتخابية عند حاجز 10 بالمئة، دفعت المعارضة لتقديم الدعم ومنح جانب من الأصوات لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي وهو ما أفقد حاجز الـ10 بالمئة أهميته، ومن شأن خفض العتبة الانتخابية أن يدفع المعارضة للتوقف عن دعم الشعوب الديمقراطي وبالتالي عودة الأصوات لأحزابها الأصلية وهو ما من شأنه إعادة خلط الأوراق والحسابات من جديد بين الأحزاب. لكن مراقبون يجزمون بأن الأصوات التي ستنفض عن الشعوب الديمقراطي لن تذهب للعدالة والتنمية وإنما للأحزاب اليسارية.
وكان الحزبان بحثا أيضا مقترحات لتعديل ينص على إجراء الانتخابات البرلمانية على شكل “دوائر ضيقة” لكن حزب الحركة القومية لم يتوافق مع العدالة والتنمية على اعتبار أن الدوائر الضيقة سوف تساهم في رفع عدد نواب العدالة والتنمية والشعب الجمهوري في عموم البلاد وحزب الشعوب الديمقراطي في المناطق ذات الغالبية الكردية، مقابل تراجع عدد نواب الحركة القومية والأحزاب المتوسطة والصغيرة الأخرى.
التعديل المتوقع أن يقدمه حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية على قانون الانتخابات يشمل تعديل آخر لا يقل أهمية ويتمثل في مادة تنص على منع أي عمليات انتقال للنواب بين الأحزاب، وهي خطوة تهدف إلى منع حزب الشعب الجمهوري من القيام بمناورة كبيرة لمساعدة حزبي أحمد داود أوغلو وعلي باباجان المنشقان من رحم العدالة والتنمية على التحايل على قانون الانتخابات وخوض الانتخابات المقبلة.
وكان الشعب الجمهوري قد قام بمناورة كبير من خلال منح 15 نائب برلماني لحزب الجيد الذي كان يمتلك 5 نواب آنذاك وذلك من أجل تلبيته الشرط القانوني بامتلاك 20 نائب من أجل خوض الانتخابات البرلمانية وإلا يتوجب على أي حزب جديد أن يكون قد عقد مؤتمراً عاماً واحداً على الأقل شكل هيكلاً تنظيمياً في نصف المحافظات التركية (في 41 على الأقل من 81 محافظة تركية) قبيل 6 أشهر على الأقل من موعد التصويت، وهي شروط لم يستوفيها بعد حزبي باباجان وداود أوغلو.
وبينما ألمح حزب الشعب الجمهوري سابقاً استعداده لمساعدة الحزبين من أجل خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة وذلك لسحب المزيد من الأصوات من شعبية حزب العدالة والتنمية، يقول حزب العدالة والتنمية إن انتقال النواب بين الأحزاب عملية غير ديمقراطية و”خيانة لأصوات الناخبين”. في المقابل يقول حزبا باباجان وداود أوغلو إنهما يعملان على استيفاء الشروط الأساسية قبيل موعد انتخابات 2023 ولن يكونان بحاجة للقيام بهذه المناورة.
ويرى مراقبون، أن تسريع العدالة والتنمية لخطوات تعديل قانون الانتخابات يشير إلى أن البلاد قد دخلت بالفعل أجواء الانتخابات، وأن أردوغان الذي يرفض بشكل مطلق حتى الآن إجراء انتخابات مبكرة كما تضغط المعارضة حالياً فإنه يمكن أن يلجأ إلى مناورة في أي وقت عبر الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة قبيل أن تنجح المعارضة في تنظيم صفوفها ولمنع الأحزاب الجديدة من المشاركة في الانتخابات المقبلة.