كان شمس، الملتبس الجنس، كان يعمل وحده حين تمنّى أن يأخذ الربُّ «كل هؤلاء البشر في داهية» ليتنعم وحده بما يُجنى من الأرض. كان ذلك من فرط تدلّعه ومعاملته من نساء العائلة معاملة البنات. ذاك أنه، أو أنها، ولد بعد ثماني ولادات لم يكن بينها صبيّ واحد، فأصرّ والده على أن يكون التاسع صبيّا، وهو رشا القابلة لتفعل ذلك. وحين خرج شمس من بطن أمّه أطلقت القابلة زغاريدها قوية ملعلعة معلمة الجميع بأن صبيّا وُلد في هذا البيت.
طبائع البشر ومصائرهم
وُجد لشمس المتدلّع، الضائع في هويته، إله يستجيب لأمنيته. إنه لاهي، الإله الصغير الذي أغراه عمّه شاني باللهو والغواية، فراح يعطي شمس ما كان شاءه. في رواية طارق الطيّب هناك عائلة موازية لعائلة شمس، هي عائلة إلهية نسَلَها «باه» على غرار ما نسل آدم سلالة البشر. ودائما هناك ما يؤدّي إلى خلاف، أو اختلاف، بين الولدين الأولين، قايين وهابيل، ثم أولاهي وشاتان، يرافق طبائع البشر ومصائرهم.
أما هنا، وفي «لهو الإله الصغير» فمن يقع عليه الغبن هو كائن واحد هو شمس. ذاك أن مقابله الإلهي الصغير، كان منشغلا به ملازما إياه خطوة خطوة. وكان هذا الإله يبتدع ما يتلذّذ به، لحظة بلحظة.
على مدار صفحات الرواية كان شمس يتلقّى بنفسه ما كان تمنّاه للبشر أجمعين. كان بدء تلاشيه هو اختفاء صورته عن صفحة المرآة، ثم فقده لسمعه، حيث راحت الأشياء تحدث من دون أن تصله أصواتها، لا يسمع الموسيقى التي يحبها في ما كانت الأسطوانة تدور وهو، ليغالب فقدانه لحاسّته تلك، جعل يطلق صوته بالغناء الذي لا يسمعه أيضا، مرافقا الأسطوانة. ثم، حين خرج من بيته، رأى العالم خاليا. لا أحد سواه في شوارع فيينا، حيث يقيم من وقت لم تعيّنه الرواية، لكنه يبدو كما لو أنه يرجع إلى بداية وعي شمس. ثم تلا ذلك ما رآه في المتحف الذي دخله ظانّا أن التماثيل المنصوبة في قاعاته ستكون ما تزال قائمة لكونها بلا حياة.
لكنه، وهو هناك في الداخل، رأى كيف راحت تذوب على قواعدها، كما يذوب الشمع وتترهّل أشكاله وتتجمّع مادّته بعضها فوق بعض.
ومن ضمن ما فقده شمس هو ذاكرته، حيث انتبه فجأة إلى أنه لا يعلم شيئا عن ماضيه. لكن ما سعى إلى استعادته هو تلك الذاكرة التي بدأ يكوّنها من كلمات تخطر في رأسه. كلمات منفردة راحت تتوالى مبطئة، كنطَف منفردة، بلا معنى أو دلالة، ثم بالجهد القليل الذي أتيح له بذله، كأن بخفيةِ عن إلهه ومعذّبه، راح يبحث عن معنى للكلمات الصاعدة من فطرته وليس من عقله.

تركنا طارق الطيّب نبحر مع بطله الذي هجر فيينا باحثا عن أصله، البحر الذي حمل مركبه الصغير كان ميتا هو أيضا، أو هامدا لا يحدث المجذاف صوتا حين يلامس ماءه أو ينغرز فيه ولا يُطلع رذاذا. كان يقصد مصر حالما بالإسكندرية التي سيرسو على شاطئها. لكن ما راح يطلع من داخل نفسه، وليس من خارجها، هو نقوش فرعونية وكلمات هيروغليفية، عائدا بذلك من فيينا، التي كان سمّى شوارعها وحدائقها ومقاهيها، إلى العصور القديمة. كأنه ذهب برحلته في الزمن وليس في الجغرافيا.
على أي حال لم ينفكّ الماضي عن الحاضر أبداً، وهو ماض متنوّع يبدأ مما ينبغي أن نعتقد أنه أول الخلق، ويصل إلى ماض آخر بات خياليا أكثر مما هو واقعي، أقصد زمن ولادة شمس في عائلته، حيث يبدو اختلاف عيشها عن الحياة في فيينا شاسعا.
لكن الزمن الغالب في الرواية هو الزمن الأسطوري، حيث تجّمعت في محنة شمس كل ما جرت معاناته في أزمنة الآلهة القديمة، لكن ذلك، في الرواية، يحدث في عالم نعرفه، أو نستطيع تمثّله، هو عالم فيينا. كان يمكن للغة الرواية أن ترتبك في ما هي تتنقّل بين هذه العوالم، كما بين الرواة. شمس ليس وحده من يروي محنته، هناك آخران راويتان أحدهما «عارف» بأحوال شمس، لكونه قريبا من العالم الأرضي، والآخر «كاشف» الأقرب إلى السماء منه إلى الأرض.
لغة مترفعة ومرنة
ما حرص عليه طارق الطيّب هو أن يؤسّس للغة لا تخصّ أحدا من الرواة الثلاثة (وشمس أحدهم) أن يسعى إلى أن يُحتمل كونها لغة للأساطير ولغة لمِحن العيش الراهن وأزماته الفردية والنفسية في الآن نفسه. لغة أسطورة لكن قادرة على استيعاب ما تتمثّله المخيّلات من معضلات العيش الحديث وتعقّد قضاياه.
لغة «لهو الإله الطيّب» مترفّعة ومرنة في الآن نفسه، لا لأن عليها أن تنطق بثلاثة ألسن، بل لأنها، أيضا، تروي حكايات عديدة حرصت على أن تتابع مصائر أطرافها حتى خاتمة الرواية. كما أنها، إلى ذلك، أبقت الدلالات الرمزية لما تحمله هامسة وخفيّة، جاعلة التفكير بمن هو شمس متريّث ومتردّد.
هل كان يقصدنا برمزيته، نحن البشر أجمعين؟ هل إن شمس بطل حديث أم كائن بشريّ لكل زمن. ثم من هما العارف والكاشف، ولمن يوجّه شمس، في آخر شكواه، من الظلم النازل به من غير حجّة ولا سبب؟
رواية طارق الطيب «لهو الإله الصغير» صدرت عن «مسكيلياني للنشر والتوزيع» في 201 صفحة سنة 2021.
روائي لبناني