في النصوص التي يكتبها المخرج الأمريكي توم مكارثي (1966) سواء للأفلام التي أخرجها بنفسه، أو التي كتبها لغيره، هناك سعي لا تخطئه العين، لكشف أفكار متناقضة، بعيدا عن بنية الصراع الكلاسيكي بين الخير والشّر. في أفلامه هناك شخصيات تتصارع حول تناقض ما، ونصوصه تُدين الكل؛ المجتمع، المؤسّسات، الديانات.. لكنّ المهم فعلا في أفلامه هو قدرته الفائقة على تطويع هذه الأفكار لصالح سرد بصري ينجح في نيل نصيبه من الجماهيرية، دون ان يخطئ وجهته نحو النقاد.
في فيلمه الجديد «مياه راكدة» (2021) تتصارع فكرتا الأوروبي اليساري البوهيمي، والأمريكي المؤمن بتفوّقه، تتسع دائرة الصراع لتختبر نمط عيش مجتمعين ينتميان إلى الغرب المتقدّم لكنهما مختلفان في كلّ شيء.
يسافر عامل البناء بيل (مات ديمون) من أوكلاهوما إلى مرسيليا لزيارة ابنته أليسون (أبيغيل بريسلين) البالغة من العمر عشرين عاما، التي قضت خمس سنوات سجنا من مدّة تسع سنوات بتهمة قتل صديقتها. الجميع يعتبر أن القضية مغلقة والتهمة ثابتة، لكن بيل مقتنع ببراءتها، يحاول ما أمكنه إعادة فتح قضيّتها، بعد أن توسّلته أليسون، وهو يراها الآن فرصة لتعويض إخفاقاته مع ابنته.
يسلك كلّ السّبل رغم عدم اتقانه للغة الفرنسية، يستثمر علاقته بجارته فيرجني، التي سترافقه لتسهيل تواصله مع كلّ من سيقابله، (وستتطوّر هذه العلاقة لاحقا إلى حبّ) يصل إلى خيط رفيع يساعد في إحياء أمله، عليه أن يبحث عن المتهم الحقيقي ويقارن بين حمضه النووي، وذاك الذي وُجد في مسرح الجريمة، ينجح في الوصول إلى حكيم، ومن ثمة يحتجزه في قبو العمارة، دون أمل أن يفهم أحدهما الآخر فلا بيل يتحدّث الفرنسية ولا حكيم يتحدث الإنكليزية. ينكشف أمر بيل ويأتي إنقاد ابنته بعد تدخل جدّتها الغنية، لكنه سيكتشف أنّ ابنته هي من استأجرت الشاب للنيل من صديقتها، وتطور الأمر إلى القتل… يتواجه بيل واليسون على طرفي هذه الحقيقة، يحاولان وضعها خلفهما تحت شعار مريح لوضعهما «الحياة قاسية».

على الرّغم من مركزيّة حدث تخليص ابنته وعلاقتها بصديقته في الفيلم، إلا انّ الفيلم يدور حقاً حول شخصية بيل، فهو الجسر الرابط بين مجالين مختلفين في كلّ شيء أوكلاهوما ومرسيليا اللتين تبعدان عن بعضهما بنحو 5150 كلم فقط. لكن، ثقافيا هناك مسافة لا نهائية بينهما. الفيلم يعصر سيناريوهات عشرات الأفلام التي وضعت شخصياتها في فضاءات معادية، لا تسعفها فيها اللغة ولا القوّة، لكنّه يتميز في ناحية أنّ الشّخصية هنا لا تريد التنازل، بل تريد استحضار هويتها في كلّ خطوة، لا يكشف بيل عن نفسه إلا قليلا، ينهي الأحاديث قبل أن تبدأ، تعامله مع الآخرين فيه سلطة وهدوء، مختفيا وراء قاعدته الاثيرة «أنا لا اضطر إلى ذلك في أوكلاهوما» العالم بالنسبة له يبدأ وينتهي في أوكلاهما، لكن الأحداث تضعه أمام اختبارات قاسية تبدّد ثقته بثقافة بلده، يتهكّم على ثقافة الآخرين كما فعل عندما أبدى رأيه في مسرحية لفيرجني، كلّ هذه الالتفاتات تمر عبر أداء عظيم لمات ديمون، الرجل الذي يجرّ خلفه ماضيا مفكّكا، فشل في كل شيء على ما يبدو، لكنه مستعد الآن لإنقاذ ابنته، دون النظر لخسائر الآخرين، الطريقة التي يبتسم بها بيل عندما يلقي نظرة خاطفة على أليسون في كلّ زيارة تحطم قلبك. ينظر إلى ابنته بعاطفة تجعل اللحظة أكثر تأثيراً. وتجرّك للتعاطف معه في حماقته. هو، واقع الآن تحت سطوة عاطفة الأبوة، لكنّه مجرّد من كل شيء، لا حضور لقدرات جيسون بورن التي عُرف بها في ثلاثية الشهيرة، ولا مال وفير لمساعدة ابنته، لذلك يلجأ إلى الطريقة الأمريكية المختصرة تحقيق العدالة مباشرة، فيحتجز الشاب في القبو، مظهر ديمون أقرب إلى الرّجل الأمريكي المعتاد، قبعة رياضية ولحية تخفي نصف الوجه، وتعال على كل ما هو ليس أمريكيا، لكن في مرسيليا التي يبلغ فيها التعالي على كل ما هو غير مرسيلي ذروته، يواجه إحباطا كبير في تحقيق هدفه، بل يفقد ما بناه في علاقته مع فيرجني وابنتها مايا، هي علاقة كانت ستمنحه فرصة لاستدراك ما فاته، لكنّه فوّتها كما فوّت فرصا أخرى، وبينما تحوم هذه الأفكار حولنا نتذكّر نصيحة أليسون لفيرجني:» لا تراهني على أبي كثيرا إنّه مثال للإخفاق» وللمفارقة فالإخفاق الأخير كان بسببها.
يحقّق هذا الأداء الهادئ لديمون غاية قصوى للمخرج توم مكارثي، الذي يهتم أكثر بالبشر الذين يقفون وراء الشعارات التي تخونهم والهزائم في الحياة والقرارات الخاطئة ويكافحون من أجل ايجاد استقرار مفقود. تنجح الكاميرا في مطاردة الاختلاف بين نمط العيش في أوكلاهوما ومارسيليا، هنا الناس يتحدثون مع بعضهم على الأقل، هكذا تقول مايا واصفة الفرق بين باريس ومرسيليا، وهو وصف ينطبق على الفرق بين أوكلاهوما ومرسيليا أيضا، لكن قبل ذلك فحياة بيل، تشبه البداية التي وضعتنا أمامها الكاميرا في أوّل مشهد، أنقاض بيت حيث يعمل بيل، تتوغل الكاميرا في تفاصيل هذه الأنقاض، إنّه بيت لأحدهم، على الجانب هناك شخصيات لا تفارق هذا المكان رغم دماره، لا نعرف شيئا عن مصيرها ولا مصير هذا المكان، لكنّ هذه الجولة وسط الحطام تنجح في قول شيء عن حياة بيل التي تشبهه، فروحه محطّمة وحياته ممزّقة، لكنّه لا يقول شيئا. المرّة الوحيدة التي خرج فيها عن هدوئه، كانت عندما انتفضت فيرجني ضدّ شخص عنصري كان يساعدهما، بيل لم يتحرّك ضد حقيقة أنّ هذا الشخص يكره كلّ المهاجرين، ويتمنى أن يزج بهم في السجن، كلّ ما يهمّه هو أن يحصل على معلومة تساعد ابنته، فيرجني واجهته بجملة تلخّص مخاوفها: «الآن صرت أمريكيا».

لا يمكن إبعاد أحداث الفيلم عن قصّة أماندا نوكس الشهيرة، فقد أعربت قبل وقت قصير من بداية عرض الفيلم عن غضبها، مدعية أن الفيلم يستفيد من حياتها ونضالها. ونشرت امتعاضها على تويتر، «هل اسمي يخصني؟ وجهي؟ ماذا عن حياتي؟ قصتي؟ لماذا يشير اسمي إلى أحداث ليس لي يد فيها؟ أعود إلى هذه الأسئلة، لأن الآخرين يستمرون في جني أرباح من اسمي؟ والوجه والقصة بدون موافقتي، وآخرها فيلم مياه راكدة». من نواح كثيرة تلتقي قصّتها مع قصّة الفيلم، لكن للفيلم وجهته الخاصّة، طريقته في المعالجة، والأهم أنّ مسار المعالجة لا يخصّ مسار الشابة في السجن، بقدر ما يهمّ الشخصية الرئيسية بيل الذي يجر خيباته وراءه.
ناقد سينمائي من المغرب