الرباط ـ «القدس العربي»: اختار المغرب ركوب التحدي بتنظيم الانتخابات البرلمانية والبلدية في يوم واحد، 8 أيلول/سبتمبر، رغم ظروف جائحة كورونا التي ما زالت تحصد الإصابات والوفيات.
خصوصية هذا الظرف قادت الأحزاب المغربية المشاركة في هذا الاستحقاق، وعددها 32 حزبا، لأن تستعين في حملاتها الانتخابية بالعالم الرقمي، إنْ من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، أو من خلال المواد الإخبارية والإعلانية في عدد من المواقع الإلكترونية. لكنّ ذلك لم يمنع من التواصل المباشر مع المواطنين، وإن كانت السلطات الصحية أكدت على ضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية، تفاديا لانتقال العدوى.
يوم واحد للانتخابات، هو الأربعاء، وليس يوم الجمعة، الموعد المعتاد سابقًا في الانتخابات المغربية. اختيار الأربعاء ليس اعتباطيا، فقد استجابت الداخلية لطلب الأحزاب التي كانت تحتج على كون منافسين «يستغلون» يوم الجمعة الذي يتوجه فيه المصلون نحو المساجد، من أجل الدعاية لأحزاب بعينها.
«إياك أعني وافهمي يا جارة» فالمقصود بذلك طبعا حزب «العدالة والتنمية» ذو المرجعية الإسلامية، الذي تُركّز عليه الأنظار هذه الأيام، حيث يُنتظر أن يكون الاستحقاق المقبل امتحانا لمدى شعبية هذا الحزب الذي ترأّس الحكومة لولايتين اثنتين.
نزل «الربيع العربي» عام 2011 بردا وسلاما على الحزب الإسلامي، فمباشرة بعد الاحتجاجات السلمية التي انتشرت في مدن المغرب تحت مسمّى «حركة 20 فبراير» أفرزت الانتخابات فوزا كاسحا للحزب المذكور خلال الانتخابات التشريعية، وآلت إليه رئاسة الحكومة التي أنيطت بعبد الإله بن كيران، أمينه العام السابق، الذي اعتبر شخصية «شعبوية».
اقتضت المرحلة آنذاك وجود الحزب المذكور ووجود شخصية بتلك المواصفات، ربما على مضض، بعدما رُفعتْ شعارات قوية جدا ضد رموز السلطة خلال الحراك المغربي، فكان «العدالة والتنمية» أشبه ما يكون عاملا مساعدا على تنفيس الأزمة. لكنّ الحلّ المؤقت أصبح مشكلة قائمة، نظرًا لمواقف بن كيران غير المحسوبة وتصريحاته المنزاحة. ومن ثم، فرغم كون حزبه فاز في الانتخابات التشريعية الموالية عام 2016 فإن القيادي المذكور صار شخصية غير مرغوب فيها، بعد تعيينه رئيسا للحكومة وتكليفه بتشكيل فريقه الوزاري، إذ وجد عرقلة قوية من لدن بعض الأحزاب المقربة من دوائر القرار.
طُويتْ صفحة بن كيران، إذنْ، واختير سعد الدين العثماني عوضًا عنه، رئيسًا للحكومة وأيضا أمينًا عام للحزب، فصار «العدالة والتنمية» ليّنًا مطواعا مستعدًّا لتمرير قرارات صعبة، حتى وإن كان غير راض عنها، في الظاهر على الأقل.
لكن، مَن يتنازل مرة واحدة، يكون مطالبا بالخضوع لسلسلة متوالية من التنازلات، حيث رضخ الحزب نفسه لتعديلات جديدة في القوانين الانتخابية، بدا منها واضحا أن الهدف هو تقزيم حجمه في الانتخابات التشريعية والبلدية المقبلة؛ ومن بين تلك التعديلات بالخصوص: اعتماد «القاسم الانتخابي» على أساس المسجلّين في القوائم وليس على أساس المصوّتين.
لاعبون في الساحة الانتخابية
اليوم، يحاول «العدالة والتنمية» أن يقنع أعضاءه قبل أن يقنع الآخرين بكونه ما زال حزبا قويا وقادرا على تصدر نتائج الانتخابات، لكنه في الوقت نفسه يتشكى من انتشار ممارسات سلبية للفساد خلال الحملة الانتخابية، من بينها استعمال للمال لأجل استمالة الناخبين، وانحياز بعض أفراد السلطة نحو منافسين حزبيين بعينهم. وبدا غريبا أن رئيس الحكومة نفسه، الذي يرأس الحزب الإسلامي، يشير باللمز والهمز إلى خصومه السياسيين الذين ما زال بعضهم معه في الحكومة، باللجوء إلى استعمال المال «الذي يوزع مثل المطر» ـ حسب تعبيره ـ على الناس. والمقصود بذلك تحديدا، حزب «التجمع الوطني للأحرار» الذي يأمل في اكتساح الانتخابات، معوّلاً على طموحات رئيسه، عزيز أخنوش، رجل المال والأعمال، ووزير الفلاحة والصيد البحري.
ومع ذلك، ثمة في الساحة الانتخابية «لاعبون» آخرون لا يقلّون أهمية: من جهة حزب «الأصالة والمعاصرة» الذي يرجع الفضل في تأسيسه إلى فؤاد علي الهمة، أحد مستشاري العاهل المغربي حاليا، والذي يضم خليطا من اليساريين واليمينيين، بقيادة المحامي والبرلماني المشاكس عبد اللطيف وهبي.
ومن جهة ثانية، يسعى حزب «الاستقلال» الرجوع إلى تصدر المشهد السياسي في المغرب، بعدما تقلب بين الأغلبية والمعارضة لسنين طويلة، مستندا إلى رصيد تاريخي باعتباره أحد أعرق الأحزاب المغربية، وأيضا إلى رمزية أمينه العام، رجل التوافقات الذي خَبَرَ العمل الوزاري والمسؤولية الاقتصادية والسياسية.
خارج هذه الحسابات الانتخابية، للاستحقاقات المقبلة في المغرب رهانات أخرى، حيث ستكون بمثابة اختبار عملي لمدى تجسيد شعارات «تجديد النخب» و»الجندرة» و»المساواة» و»اللاتمركز» (أي تفويت صلاحيات الدولة المركزية نحو الأقاليم والجهات في مجالات الإدارة والاقتصاد وغيرها…).
بيد أن الصورة التي تقدمها الكثير من الأحزاب خلال الحملة الانتخابية الحالية، لا تعطي للتفاؤل مدى أوسع، من حيث تكرار العديد من الوجوه التي شاخت في البرلمان والمجالس المحلية، وهيمنة نزعة ذكورية على الكثير من اللوائح الانتخابية. ومع ذلك، فمسؤولية التغيير بيد المواطن الذي يعدّ مطالبا بعدم الانسحاب يوم الاقتراع، وبالإدلاء بإعطاء صوته لمن يستحقه، خارج أي تأثيرات أو اعتبارات غير موضوعية. وسيكون الملاحظون المغاربة والأجانب الحاضرون خلال الاستحقاقات الانتخابية راصدين لهذه اللحظة المفصلية من تاريخ المغرب المعاصر.