كل الذين واكبوا انطلاقة الرئيس الامريكي باراك اوباما في السباق الانتخابي للوصول الى البيت الابيض وبعد تولي الشاب الاسمر قيادة الولايات المتحدة يتفقون على توصيف هذا الرجل وخلفيته السياسية، بانها سياسة اعتدال وانفتاح تنبع من رفض سياسة جورج بوش التي حولت العالم وتحديدا الشرق الاوسط الى ساحة حروب واقتتال، وعليه اخذ اوباما صفة المخلص عند بعض العرب وعند كل من تضرر من سياسات بوش، وما عزز هذا الانطباع لديهم هو كلام اوباما المتكرر عن الانسحاب من العراق واقفال المعتقلات ومغازلة الاسلام وغيرها من المواقف المعسولة التي على ما يبدو شربها بعض العرب وبدأ يؤسس عليها ويرسم لها تحليلات ليست موجودة في ذهن اوباما نفسه، لان ما يحصل في العراق هو فشل ذريع للاحتلال هناك ولم يعد للامريكي خيار هناك سوى الانسحاب من هذا المستنقع بعد ان فشلت مخططات الفوضى والاقتتال الطائفي والعرقي الذي موله وشجعه الاحتلال لانجاح مشروعه هناك، كما ان الحال في افغانستان لا تختلف عن ما يحدث في بغداد، اما بالنسبة الى طهران فكل العالم اصبح على يقين ان الجمهورية الاسلامية دولة اقليمية كبرى لها تأثيرها ونفوذها وقوتها في المنطقة وان دمشق لا يمكن عزلها ولا يمكن تجاهل دورها في استقرار المنطقة وحضورها الفاعل على الساحة العربية، كما ان حزب الله بات قوة تتعاظم يوما بعد يوم ولا يمكن لأي قوة في العالم ان تضعف هذا الحزب بالقوة، وكذلك الامر عند حماس والجهاد.
فلا يمكن اعتبار سياسة اوباما سياسة حوار واعتدال بقدر ما هي سياسية احتواء لواقع لا يمكن تغييره بالقوة والعزل، لكن هذا الاحتواء ليس بريئا كما يصور البعض بل هو استكمال لمشهد التطرف الصهيوني في تل ابيب عبر سياسة المد والجزر، خصوصا وانه يواجه ازمة اقتصادية لا مثيل لها في بلاده، والاحتلال العسكري والحروب على الدول الاخرى بات امرا بغاية الصعوبة وكلفته على كافة الاصعدة لها تداعيات لا يمكن تحملها، لذلك تعمل هذه الادارة من خلال تكوينها لادراة الازمات على اتباع سياسة الفوضى في المنطقة من دون استخدام القوة المكلفة ماديا ومعنويا عليهاوفي هذا السياق نجد ادارة اوباما تعمل بقوة على خلق معادلة جديدة تتيح لها بقاء نفوذها في المنطقة بعد خروجها عسكريا من العراق وافغانستان، وعليه تبدو هذه المعادلة ترتكز على مخطات جديدة في الشكل والمضمون. بعد خسارة الادارة الامريكية لنظامي بن علي ومبارك، وجدت هذه الادارة نفسها امام مأزق يحتاج الى الحل السريع في ظل انهيار نفوذها وتراجع قدرة حليفتها اسرائيل الردعية وتفوقها المطلق في المنطقة بعد حرب تموز 2006 وتصاعد قوة طهران ودمشق وحزب الله من جهة وتقهقر حضور حلفائها’ دول ما يسمى الاعتدال العربي’، وكان الخيار الوحيد لديها الالتفاف على التحركات الشعبية العربية، فوجدت ان بديل خسارة تونس يعني حسابيا تغييرا في ليبيا وتفتيتا لها وايجاد حالة انقسام طويلة الامد في اليمن، اما خسارة مصر الدولة الاقليمية الكبرى واقوى دعائم ما يسمى بدول الطوق والانسحاب من العراق، سيحتم على ادارة اوباما ايجاد بديل يوزاي قيمة هذه الخسارة وذلك يعني ان البديل هو سوريا تقسيمها واضعافها.
قد يحسب البعض ان لهذا الامر تداعيات اقلها التقسيم والاقتتال الطائفي والعرقي وهذا بيت القصيد الامريكي – الاسرائيلي منذ عقود، وهو اليوم في افضل مراحله بعد ان تم تحضيره وتعبئته ماديا وسياسيا واعلاميا منذ سنوات واضحى على نار حامية جدا وقابلا للتطبيق كما يلزم، صراع واقتتال فتقسيم، فنجاح لمشروع الشرق الاوسط الجديد، دول مقسمة الى اجزاء عرقيا وطائفيا كل ما يشغلها الخوف والتصدي للمذهب والعرق الاخر، وعلى الصراع العربي- الاسرائيلي ‘ السلام ‘، فتعود الدولة العبرية الاقوى والابرز في المنطقة ما يؤهلها اخذ موقع سلطان المنطقة وضابط ايقاعها بالاضافة الى تعاظم قوة النفوذ الامريكي عبر السفراء من دون عناء انشاء القواعد العسكرية وكلفتها المادية والمعنوية، بل ستكون ثروات المنطقة كلها في قبضتها؟! عباس المعلم – لبنان[email protected]