بينما ما يزال من السابق لأوانه تقييم أثر السياسة المالية على الأداء الاقتصادي في السنة المالية الجديدة، فإن أحدث تقرير عن الأداء الاقتصادي في السنة الأخيرة يحتوي على إشارات متناقضة، بعضها إيجابي مثل تحقيق نمو إيجابي بالرغم من تداعيات جائحة كورونا، وتخفيض العجز الكلي في الموازنة العامة للدولة إلى 6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من تموز/يوليو إلى نهاية ايار/مايو 2020/2021 مقارنة بـ 6.7 في المئة خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة. لكن التقرير يحتوي أيضا على إشارات سلبية أهمها تراجع الاستثمار، واتساع العجز في الحساب الجاري، وتقدم الاستهلاك على القطاعات الإنتاجية في قيادة النمو.
وقال التقرير الشهري لوزارة المالية أن تخفيض العجز كان ممكنا بسبب ارتفاع الإيرادات بنسبة 16.6 في المئة، في حين زادت المصرفات بنسبة أقل بلغت 13 في المئة، مما أتاح للحكومة فائضا لتخفيض العجز، وهو الشرط الذي وضعه صندوق النقد الدولي أساسا لبرنامج الإصلاح المالي. وطبقا للتقرير فإن إجمالي الإيرادات خلال الفترة المذكورة ارتفع إلى 917.4 مليار جنيه بزيادة سنوية مقدارها 130.6 مليار جنيه. وكان أكبر مكونات هذه الزيادة، ارتفاع حصيلة الضرائب بقيمة 101 مليار جنيه، منها 50 مليار جنيه زيادة في الضرائب على الدخل، و31 مليار جنيه زيادة في ضريبة القيمة المضافة. وقد تحقق ذلك على حساب الاستثمارات الحقيقية في قطاعات الإنتاج، وأهمها الصناعات التحويلية غير النفطية التي تراجعت مساهمتها في الناتج المحلي بنسبة 2.3 في المئة. كذلك جاء في التقرير أن نصيب الاستثمارات في النمو في الربع الأول من السنة المالية الأخيرة كان سلبيا بنسبة (-) 6.9 في المئة، وهذه هي المرة الأولى التي يتراجع فيها الاستثمار إلى معدل سلبي منذ عام 2012/2013 عندما تراجع بنسبة (-) 1.2 في المئة. الترجمة البسيطة لتقرير وزارة المالية هي أن القوائم المالية «المنضبطة» فشلت في أن تساعد على تحريك النمو الاقتصادي.
الاستهلاك يقود النمو
خلال النصف الأول من السنة المالية الأخيرة 20/21 حقق الاقتصاد نموا بنسبة 2 في المئة، وهو ما يفوق التقديرات الأولية لوزارة التخطيط التي كانت تتوقع نموا بنسبة 1.4 في المئة، وذلك على الرغم من استمرار تداعيات كورونا خصوصا في قطاع السياحة. وقد أسفر ذلك عن انخفاض فائض الميزان الخدمي بنسبة 70 في المئة، وارتفاع العجز في ميزان المعاملات الجارية بنسبة 67 في المئة ليصل إلى 7.6 مليار دولار. وكانت أنشطة قطاعات العقارات والخدمات الحكومية والاتصالات والنقل وتجارة الجملة والتجزئة هي أهم محركات النمو. لكن هذه القطاعات شهدت في الوقت نفسه تضخما كبيرا في قيمة الأصول وتكاليف الإنتاج، خصوصا في العقارات والتشييد والنقل، أو في قيمة الرسوم مقابل الخدمات مثل الاتصالات والخدمات الحكومية.
وقد تحققت المساهمة الأكبر في النمو، ليس بواسطة الإنتاج، ولكن بواسطة الاستهلاك الكلي (العام والخاص). وسجلت أرقام الربع الأول من السنة المالية الأخيرة إسهام الاستهلاك بنسبة تزيد عن ضعف نسبة قطاعي الإنتاج والخدمات، وبما يقرب من ثلاثة أمثال ما أسهم به في النمو قبل عام، لتصل نسبة إسهامه في نمو الناتج إلى 9.7 نقطة مئوية، وذلك في مقابل نسبة سلبية للاستثمار كما أوضحنا. ومن الملاحظ أن الاستهلاك الخاص قد ارتفع بمعدل سنوي 11.8 في المئة في الربع الأول من السنة المالية مقابل 3.4 في المئة للاستهلاك العام. لكن هذا الارتفاع لا يعكس بالضرورة زيادة مماثلة في كمية السلع والخدمات، بقدر ما يعكس زيادة أسعارها، وهو المعيار الذي يتم على أساسه حساب الناتج.
وطبقا لأرقام وزارة التخطيط فإن تراجع معدلات النمو خلال السنوات الثلاث الأخيرة قد ارتبط بتراجع قيمة الاستثمارات الكلية. فقد انخفضت قيمة الاستثمارات الكلية المستهدفة في خطة 20/21 إلى 740 مليار جنيه، مقابل 840 مليار جنيه في عام 19/20 و 970 مليار جنيه في عام 18/19. وحدث هذا الانخفاض على الرغم من زيادة الاستثمارات الحكومية، التي يتم تمويل معظمها بالعجز. وهو ما يعني أن زيادة الاستثمارات الحكومية مهما كانت لن تستطيع تعويض تراجع الاستثمارات الخاصة والأجنبية. ومن الملاحظ أن النسبة الأعظم من الاستثمارات الحكومية تذهب إلى قطاعات التشييد والبناء، وليس إلى القطاعات الرأسمالية المنتجة.
معضلة زيادة الاستهلاك
يتضح من أرقام النمو في قطاعات الإنتاج والخدمات، أن قطاع الاتصالات حقق نموا بنسبة 15 في المئة، وهي أعلى نسبة حققها أي قطاع على الإطلاق، في حين أن معدل النمو في القطاعات الأخرى بلغ حوالي 4.5 في المئة، أي ما يعادل أقل من نصف معدل نمو الاستهلاك الخاص الذي بلغ 11.8 في المئة. هذه الفجوة بين العرض والطلب، تكشف عن حقيقة أن نسبة مهمة من النمو جاءت بسبب تضخم أسعار السلع والأصول الاقتصادية، وهو ما لا تقيسه إحصاءات التضخم بسبب قصور المعايير الفنية المستخدمة، وإعداد تقارير التضخم على أساس بيانات إدارية بعيدة عن الواقع. كما تكشف فجوة العرض عن أن زيادة الاستهلاك لا تعني بالضرورة ارتفاع مستوى المعيشة.
ارتفاع فوائد الدين العام
خلال الفترة من تموز/يوليو إلى ايار/مايو من السنة المالية الأخيرة، ارتفعت مدفوعات الفوائد المستحقة على الدين العام إلى 463.9 مليار جنيه مقابل 440 مليار، بمعدل نمو سنوي يبلغ 5.3 في المئة، وهي نسبة أقل مما كانت عليه في السنوات الماضية، لكنها أعلى من معدل النمو. وسوف تظل خدمة الدين مصدر قلق رئيسي للاقتصاد، على الرغم من انخفاض أسعار الفائدة المحلية والعالمية، لأن الحكومة تتوسع في الاقتراض بواسطة سندات بأسعار فائدة مرتفعة. على سبيل المثال أصدرت الحكومة في ايار/مايو من العام الماضي سندات بقيمة 5 مليارات دولار، تضمنت شريحة بقيمة 1250 مليون دولار لأجل 4 سنوات بفائدة 5.75 في المئة، وشريحة بقيمة 1750 مليون دولار لأجل 12 سنة بفائدة 7.625 في المئة، وشريحة ثالثة بقيمة 2 مليار دولار لأجل 30 سنة بفائدة بلغت 8.875 في المئة، وهي مستويات تقترب من ثلاثة أمثال متوسط أسعار الفائدة العالمية في ذلك الوقت. ويقدر صندوق النقد الدولي أن أكثر من ثلث قيمة الناتج المحلي الإجمالي (36 في المئة) في السنة المالية الحالية هو عبارة عن ديون خارجية. وطبقا لأرقام الموازنة فإن مدفوعات سداد الأقساط والفوائد المستحقة على الديون المحلية والخارجية للسنة المالية الأخيرة تستحوذ وحدها على 48.8 في المئة من إجمالي استخدامات إيرادات الموازنة.
تحسن قيمة الجنيه
على الرغم من زيادة العجز في الحساب الجاري، وزيادة التدفقات الراسمالية إلى الخارج، فقد استطاع الجنيه المصري أن يحقق مكاسب ملموسة، فقد كان متوسط سعر الجنيه في السنة المالية 19/20 حوالي 16.03 جنيه للدولار، وهو يبلغ الآن حوالي 15.6 جنيه، أي يزيد بنسبة 3 في المئة عن مستواه السابق. وهذا السعر ثابت تقريبا منذ الربع الأخير من عام 2020 حتى الآن، مما يعني أن تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وزيادة عجز الحساب الجاري لا أثر لهما على قيمة الجنيه. ويعود ذلك إلى التوسع في الاقتراض الخارجي من ناحية وإلى عدم وجود سوق حقيقية للصرف، وسيطرة البنك المركزي والنظام المصرفي على عمليات التداول إداريا. ويتعامل النظام المصرفي مع الموارد الدولارية في اتجاه واحد فقط. فهو يحصل على الدولارات من المتعاملين بلا قيود، بينما يفرض قيودا ثقيلة على اتاحته لهم. المصدر الأهم على الإطلاق الذي يغذي النظام المصرفي بالعملات الأجنبية هو تحويلات المصريين العاملين في الخارج. وتقدر قيمة هذه التحويلات في السنة المالية الأخيرة بحوالي 30 مليار دولار. ومع ذلك فإن الشكوى من ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار بسبب الدولار تحتاج إلى تفسير.
على الورق تبدو صورة الاقتصاد المصري ناصعة، كما تبدو الحكومة سخية في الصرف على المشاريع التي تمولها. أما اقتصاد الناس، فإن واقع الحال فيه يختلف كثيرا عن الصورة على الورق، ويحمل الكثير من علامات القلق على المستقبل، لأسباب كثيرة أخطرها تباطؤ وضعف معدلات النمو في القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص عمل كافية لطالبي العمل، وزيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، وزيادة الصادرات السلعية إلى الأسواق الخارجية، وهي القطاعات التي يؤدي نموها إلى تقليل البطالة ورفع مستوى المعيشة.