بداية لأن هناك تشكيكا مستمرا بدواعي القيام بخطوة نحو مؤتمر الشتات الفلسطيني نقول، لقد ذهبت غزة إلى مؤتمر المانحين ذات يوم، وهي تذهب في رحلة سياسية، كما ذهبت فلسطين كلها من قبل، وأعلن العرب عن مليارات وهمية لم يصل منها لفلسطين إلا عناوين رمزية، وذهبت بعض الدول إلى حساب كلفة زيارات الوفود والإقامة في فنادق الخمسة نجوم وإضافتها إلى الرصيد المرسل لفلسطين، كل ذلك لأن عنوان مؤتمرات المانحين ظل بحدود اللعبة السياسية، التي تحاصر فلسطين، وهي المال السياسي العربي وغير العربي، الذي يذبحنا معاً أو يذبحنا ببعضنا بعضا، وهو أمر طبيعي، لأننا ذهبنا إلى مؤتمرات سقفها السياسة، يديرها السياسيون وظل وقودها وجع الناس وهمومهم.
عندما نتحدث عن قيام مؤسسة إنسانية تنطلق بعملها بعد مؤتمر الشتات الفلسطيني، فإن المانحين هنا، هم عموم المنظمات الإنسانية الموجودة على خريطة الحياة الفعلية، وهؤلاء لا يكذبون، لأن مئات وآلاف المنظمات العالمية في كل الدول، يمكن اختصارها بالقول إنها خريطة الصادقين المخلصين للإنسانية بلا لون ولا عرق ولا سياسة. وهؤلاء لا تعنيهم السياسة وليسوا جزءا منها، ولا يملك أي من الاطراف السياسية ان يعلن الحرب على هذا الكيان الانساني الذي نحاول الوصول إليه بقصد ان ننتج بديلا فعليا، نستطيع من خلاله الوصول إلى الناس الجائعة والمحاصرة، ويمكن أن نقول إننا بصدد عمل يبدو خياليا. إننا امام بناء جديد، ورؤية فلسفية جديدة لا تتعلق بالصراع وحدود السياسة، ولكنها خطوة متقدمة إلى الأمام، تهدف إلى إنقاذ الإنسان الفلسطيني من دائرة السياسي المطلوب إلى دائرة الإنسان الذي يستحق الحياة. فكل شعوب العالم لديها حياتها المدنية، سوى الفلسطيني الذي يتعامل معه الجميع على أساس سياسي، سواء كان رجلا أم طفلا أم امرأة، وهذا لا يعود للرؤية التي أطلقتها الصهيونية وحدها، بمحو الفلسطيني من الوجود، ولكن لطريقة الرد الفلسطينية ايضا، التي قدمت الفلسطيني طوال العقود الماضية على أنه القنبلة التي تنفجر وأنه.. وأنه…
القضية نحن أسقطنا الجانب الإنساني من حساباتنا، وحرمنا الفلسطينيين في كل الدنيا من ابسط حقوقهم بأن يعيشوا كبشر، فهم مجرد خزان بشري تتصارع عليه الفصائل، وكل يحاول تمثيله بالقدر المستطاع، وكل يحاول إشراكه في الحياة السياسية، التي في حقبة معينة لم تقدم الفلسطيني إلا ذلك السياسي والحزبي وغيره. ولم يكن هو الانسان الذي لا يختلف عن كل البشر، وله الحقوق التي له. فهو معتصم بمخيمات اللجوء محروم من كل سمات الانسانية وممنوع من حمل أي وثيقة تتيح له حرية الحياة التي أولها لدى كل خلق الله حرية السفر. فلكي يتمكن الفلسطيني من دخول دولة عربية ورؤية أقاربه او أهله، عليه أن يهاجر إلى أوروبا كي يحصل على جواز سفر يتيح له أحيانا رؤية أمه او أبيه، هي بالطبع التي وظفت الوجود الفلسطيني في المخيمات، وطلبت منه ان يحمل السلاح ليعيد فلسطين بدمه، واستثمرته اكبر استثمار، وفي نهاية المطاف اكتشفنا أن البندقية أوصلتنا إلى الأمم المتحدة، وباعتراف الدول التي بالطبع هي تحاصرنا أبشع حصار.
لا نحاكم الماضي بتبعاته المرة، ولا نقف بوجه السياسيين، ونعلم أن الحرب تفرض على الفلسطينيين، ونحن في نهاية المطاف نجد انفسنا مسؤولين عن تبعاتها وما يقع على شعبنا من مآس، ومعنيين بالتفكير جيدا، فالدول التي قدمت للفلسطينيين طوال الاعوام الماضية تبدلت وبدلت سياستها مراراً، ونحن في الغد القريب أمام حصار مالي خانق، فاذا لم نعط العنان لاستثمار الجهد البشري والانساني، فسيكون وضعنا في اتجاه التعقيد، وهنا نظن ان المطلوب بالفعل، ان نفكر ملياً باستثمار كل جهد انساني متاح، حتى نضمن بقاء الناس في فلسطين، فحصار الناس وتجويعهم هو حرب الرحيل، ومن يعمل على تجويع الفلسطينيين وحصارهم هو يضعهم في زورق الموت الذي لا خيار سواه للبحث عن الحياة.
من يظن أن المؤتمرات السياسية ستفتح معبر غزة واهم، فكل هذه السياسة، هي قصة الوقت والزمن، والحصار مستمر والثمن مزيد من الضحايا، وبعد كل حرب قصة حرب اخرى، ومزيد من انهاك الفلسطينيين من دون افق، ومن دون رحمة.
من هنا يمكن القول إن التشكيك بفكرة مؤتمر الشتات الذي تدعو اليه نخبة من المثقفين الفلسطينيين هو أمر واقعي، ومن حق أصحاب الرأي إثارة النقاش والاسئلة، وكل هذا سيصل بنا في نهاية المطاف إلى نقطة نلتقي فيها، يمكننا من خلالها الوصول إلى مؤتمر عالمي ان نقول عنه بأنه الرد الطبيعي لفلسطينيي الشتات، على مؤتمر بازل الصهيوني الذي نتجت عنه مأساتنا في الشتات والتهجير، والتي لا تزال مستمرة كأبشع هجرة تحت وطأة القتل والموت.
لا خيار لنا أمام الأفق السياسي المسدود، سوى استغلال المنفذ الإنساني الذي من خلاله سنفعل الكثير فأحسنوا مساعدتنا.
٭ كاتب فلسطيني
أيمن خالد